التعليق على رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه 11

التعليق على رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه 11

الدرس في التعليق على رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مشهد المتابعة والاقتداء في الصلاة

يؤكد ابن القيم على وجوب الاقتداء الدقيق بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، محذرًا من الترخيص في إسقاط الواجبات ككشف الجبهة والاعتدال، ومن التشدد في إضافة غير الثابت، فالصلاة الصحيحة هي الموافقة للسنة دون زيادة ولا نقصان.

وجوب اتباع النبي وتقديم سنته على أقوال المذاهب

يقرر المقطع أن الواجب على المسلم اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وحده، ولا يعذر المقلد بمذهبه إذا خالف السنة، مستدلاً بآيات قرآنية وأقوال أئمة كابن عباس والشافعي ومالك وابن القيم، محذراً من التعصب للمذاهب الذي قد يؤدي إلى رد السنة.

خطر التعصب المذهبي ومسؤولية اتباع السنة

يحذر المتحدث من التعصب للمذاهب الفقهية وتقليد الأئمة تقليداً أعمى، مستدلاً بقول الشافعي في نقد منهج أبي حنيفة، وبالأحاديث التي تؤكد أن المسلم سيسأل عن اتباعه للنبي لا لمذهب معين، داعياً إلى التعويل على الأحاديث الصحيحة.

وجوب اتباع فهم الأئمة وعدم مخالفتهم في مداركهم

يقرر أنه إذا فهم الأئمة أمرًا لم يدركه غيرهم، فلا يجوز للإنسان مخالفتهم لأنهم جعلهم الله نبراسًا وطريقًا إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فيجب الاكتفاء باتباع فهمهم والاعتماد عليه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله: المشهد الثالث: مشهد المتابعة والاقتداء. أنا بعدما ذكر الإخلاص والصدق والنصح، ذكر المشهد الثالث وهو المتابعة والاقتداء. قال: وهو أن يحرص كل الحرص على الاقتداء في صلاته بالنبي عليه الصلاة والسلام، ويصلي كما كان يصلي، ويعرض عما أحدث الناس في الصلاة من الزيادة والنقصان والأوضاع التي لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم شيء منها، ولا عن أحد من أصحابه. أنا يحرص على أن يصلي كصلاة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بحسب علمه واستطاعته، ولا يأتي بأشياء لم تثبت، وإن قالها فلان وفلان، ما دام أنها ليست عن النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه. قالوا: لا يقف عند أقوال المرخصين الذين يقفون مع أقل ما يعتقدون وجوبه، ويكون غيرهم قد نازعهم في ذلك، وأوجب ما أسقطوه. وأن أحيانًا بعض الأشياء تكون عند بعضهم واجبة وهي لا دليل عليها، والعكس أيضًا قد يكون: يرخص بعضهم في أشياء وهي واجبة. فمثلا على سبيل المثال: من الأول وجوب كشف الجبهة في السجود، فهذا يوجبه كثير من العلماء، بل يعتبرونه ركنًا على بطلان الصلاة إذا كان الإنسان لم يفتح جبهته ولم يكشف جبهته، وسجد بثوب متصل به. وهذا لا دليل عليه من الكتاب والسنة. أنا لا دليل على هذا حتى يشدد فيه، لا دليل عليه من الكتاب والسنة. والحديث الذي استدل به، استدل به الإمام الشافعي رحمه الله، معناه قد نازعه آخرون من العلماء في دلالة الحديث. حديث البراء في قوله: «كنا نتقي حر الرمضاء»، كنا نتقي أو قال: «شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء فلم يشكنا». هذا في صحيح مسلم. وجاء في غير مسلم عند أهل السنن: قال: «شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء على كفنا وجباهنا فلم يشكنا». وعلى كفنا وجباهنا هذه أعلها بعض العلماء كابن حبان وغيره. حتى لو صحت، لو قلنا أنها صحيحة، فهي لا تدل على أن الإنسان لابد أن يسجد على جبهته مباشرة دون حال. وإنما المراد بالحديث كما قد فسره كثير من أهل العلم: أنهم اشتكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء، لأجل أنه كان يصلي بالهاجرة، صلى الظهر في أول وقتها، فاشتكوا إليه فلم يشكهم في أول الأمر. ثم بعد ذلك أمر بالإبراد، بعد ذلك أبرد عليه الصلاة والسلام وأمر به: «إن شدة الحر من فيح جهنم فأبردوا بالصلاة». وكذلك أيضًا العكس: أن بعض الناس يترخص في أشياء هي واجبة، يعني تكون واجبة في الصلاة لابد منها، فيترخص فيها لأجل أن فلانًا رخص فيها. وهذا ليس صحيحًا. مثل الالتفات وغيره. بعض الناس مثلا يقول: الالتفات ليس واجبًا، أو أقصد: النظر إلى السماء جائز أو مكروه كراهة تنزيه. الالتفات في الصلاة مكروه كراهة تنزيه، فتجد بعضهم يلتفت لأنه لا يضر الصلاة. وهذا ليس صحيحًا، بل هذا لابد أنه لا ينظر إلى السماء، لأن الوعيد شديد بصحيح السلم: «لا يكونن أن أقوامًا ينظرون إلى السماء في صلاتهم، لينتهين أو لتخطفن أبصارهم، أو لتخطفن أبصارهم». هذا ويعتبر أمر شديد، لابد أن يلتزم المصلي هذا الشيء. فلا يترخص بمثل هذه الأمور. قال رحمه الله: قال: ولا يقف عند أقوال المرخصين الذين يقفون مع أقل ما يعتقدون وجوبه، ويكون غيرهم قد نازعهم في ذلك. أيضًا كذلك الاعتدال في الصلاة، الاعتدال في الصلاة يعتبر ركنًا من أركان الصلاة، قد دلت على ذلك الأدلة. فترخيص الحنفية على أنه ليس بركن، وأنه يجوز أن لا يفعله المصلي، هذا ليس صحيحًا. وتقليل مثل هذا الأمر قد يؤدي إلى سقوط هذه الصلاة وإبطالها. فلهذا لا ينبغي أن يرخص، ولو كان مقلدًا. معناه: لو كان مقلد مذهب معين لا يترخص لأجل هذه الترخيص، بل ينظر في أدلة هؤلاء، أو يسمع ويسأل أهل العلم. أما أنه يترخص في مثل هذه الأمور والتي قد هي واجبة أو ركن، فهذا يذهب عليه هذه الصلاة. قال: ويكون غيرهم قد نازعهم في ذلك، وأوجب ما أسقطوه، ولعل لحديث ثابت والسنة النبوية من جانبه. معنى جانب من أوجبه، ولا يلتفتون إلى ذلك، ويقولون: نحن مقلدون لمذهب فلان. وهذا ليس عذرًا، ليس عذرًا عند الله أنك تقلد فلانًا. أنت مأمور باتباع النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ﴾. فالواجب هو اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، لا اتباع غيره. فإذا تعارض قول فلان بقول النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه يعرض عن قول فلان، لا يلتفت إليه. لهذا يقول الإمام الشافعي رحمه الله: «إذا رأيتم قولي يخالف قول رسول الله فارموا بقولي عرض الحائط». وفي رواية جاءت عنه قال: «فاعلموا أني قد جُننت إذا كان قولي يخالف قول النبي صلى الله عليه وسلم». هذا بالنسبة لي يقول: فاعلموا أني قد جُننت. وأما بالنسبة لغيره قال: «فارموا بقولي عرض الحائط، لا تبالوا به». فلا أحد يقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدًا، مهما كانت ما كانت. ولهذا قال ابن عباس: «ما أرى الله إلا سيعذبني، أقول: قال الله، أو قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر. ومن أبو بكر وعمر؟» لكن عند معارضة النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يأخذ قول أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا قال ابن عباس فيما حصل بينه وبين عروة في المتعة في الحج، كان عروة يقول: قال أبو بكر، قال عمر. فغضب ابن عباس من ذلك. قالوا: هذا لا يخلص عند الله، أو لا يخلص عند الله، ولا يكون عذرًا لمن تخلف عما علمه من السنة عنده. فإن الله سبحانه إنما أمر بطاعة رسوله واتباعه وحده، ولم يأمر باتباع غيره. كما قلنا: قال الله عز وجل: ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ﴾. أنا لا تتبع أحدًا أبدًا إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أنزل الله عز وجل عليه هذا الدين. قالوا: إنما يطاع غيره إذا أمر بما أمر به الرسول. وكل أحد سوى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فمأخوذ من قوله ومتروك. فهذا مثل ما قال الإمام مالك: «كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر»، وأشار إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام. قالوا: قد أقسم الله سبحانه بنفسه الكريمة أننا لا نؤمن حتى نحكم الرسول فيما شجر بيننا، ونسلم لحكمه تسليمًا. فلا ينفعنا تحكيم غيره والقيادة له، ولا ينجينا من عذاب الله إذا كان التحاكم إلى مذهب. فهذا خطأ، فهذا خطأ، ومعارضة للنصوص. المحاكمة لابد أن تكون لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعليه وسلم. فلهذا فالمتعصبون للمذاهب عندهم تقصير عظيم في الاتباع، كما ذكر ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه العظيم «إعلام الموقعين عن رب العالمين». وذكر أن هذا داعٍ، داعِ التعصب للمذاهب، قد يخرجهم من دين الله أحيانًا. معنى: من تعصب يرد قول النبي عليه الصلاة والسلام لأجل قول فلان وفلان، وكأن الله عز وجل أمره باتباعه ولم يأمره باتباع النبي عليه الصلاة والسلام. حتى قالوا: قال بعض الحنفية: «كل حديث يخالف مذهبنا فإما أنه مؤول وإما أنه لا يصح». أن كل حديث يخالف مذهب الحنفية إما أنه مؤول، معناه على تأويل غيره. وهذا كلام باطل. أبو حنيفة لم يجمع السنة رحمه الله، لم يجمع ولم تجمع في وقته السنة. ولهذا تجد أن مذهبه بعيد عن السنة، بعيد عن السنة، أي عن الأحاديث. فتفوته أحاديث كثيرة، ويعتمد كثيرًا على بعض كلام بعض التابعين كإبراهيم النخعي وغيره، ويبني عليه أصلًا. كما ذكر الشافعي رحمه الله: أن أبا حنيفة يؤصل التأصيل خطأ ثم يبني عليه. كما ذكر ذلك الإمام الخطيب البغدادي في ترجمة أبي حنيفة، فذكر كلام الشافعي رحمه الله، وذكره الحافظ المزي رحمه الله في «تهذيب الكمال» أن الشافعي يقول: «إن أبا حنيفة يؤصل الأصل خطأ ثم يبني عليه». لأنه يؤصل الأصل من كلام بعض التابعين، من كلام النخعي أو غيره، وهذا يجعل أصله خطأ. قالوا: لا يقبل منا هذا الجواب إذا سمعنا نداءه سبحانه يوم القيامة: ﴿ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ﴾. فإنه لا بد أن يسألنا عن ذلك، وإن طالبنا بالجواب. قال الله عز وجل: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ﴾. فلا تغرك أيها طالب العلم هذه الدعوة الآن التي تدعو إلى التعصب للمذاهب والسير على المذاهب. هذه دعوة باطلة، هذه دعوة باطلة. التعصب للمذهب، وأنه لا يفتأ إلا بالمذهب، وأنه لا يؤخذ إلا المذهب. حتى بعضهم نزل بعض الرسائب في مسألة صلاة اجتماع العيد والجمعة، وقال: نحن شافعية لا نقبل إلا قول الشافعي. هكذا قال. وهذا باطل، وهذا باطل. لأن الدين ليس عند الشافعي فقط، الدين عند الأئمة جميعًا. وهؤلاء الأئمة هم حلقة وصل لفهم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. ليس المراد أننا نقلدهم ونقول ما قالوا، ولو كان يخالف قول النبي عليه الصلاة والسلام. فكما بينا هذه المسألة في مسجد التقوى وغيره: أن هذا القول يخالف قول النبي عليه الصلاة والسلام، يخالف قول الصحابة. الصحابة يكاد يجمعون على الترخص: من صلى العيد فله أن يترخص في الجمعة. وهؤلاء يقولون: هذا قول الجهال، وهذا قول كذا. يقوله اعتمادًا أنه مذهبه، فيجهلون المذاهب الأخرى ويجهلون كلام أهل العلم. مع أنه قد جاء عن أكثر الصحابة: عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن مسعود وابن عمر وابن الزبير وغيرهم. وهؤلاء لا يبالون بهذا، ما دام أن فلانًا وفلانًا قال هذا الكلام. قالوا: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أُوحي إلي أنكم بي تفتنون وعني تسألون». ستسأل عن النبي عليه الصلاة والسلام، ما ستسأل عن كلام الشافعي رحمه الله، ولا عن كلام أحمد، ولا عن كلام مالك، ولا عن كلام أبي حنيفة. ما ستسأل عن هؤلاء. ستسأل عن كلام النبي عليه الصلاة والسلام: هل قبلته أو لا؟ «أُوحي إلي أنكم بي تفتنون وعني تسألون». كما قال الله عز وجل: ﴿ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ﴾. هل أطعتموهم؟ هل اتبعتموهم؟ لا يقال: إن اتباع الشافعي اتباع للنبي صلى الله عليه وسلم. لا، هذا كلام غير صحيح، هذا كلام غير صحيح. لأننا نقول: لماذا فقط اتباع الشافعي يكون اتباعًا للنبي؟ لماذا لا يكون اتباع أحمد اتباعًا للنبي؟ فهذا تناقض وكلام معارض لأدلة. فلهذا فالتعصب المذهبي آفة عظيمة، وكذلك حرب في شرع الله جل وعلا. قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أُوحي إلي أنكم بي تفتنون وعني تسألون». يعني المسألة في القبر. فمن انتهت إليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركها لقول أحد من الناس، فسيرد يوم القيامة ويعلم. ولهذا يقول الإمام الشافعي: «من استبانت له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يحل له». انظر: لا يحل له أن يتركها لقول أحد من الناس، كائنًا من كان، كائنًا من كان. هذا الشخص الذي سيتبعه. هذا كلام أئمة، وهم يخالفون هذا الكلام ويتعصبون لهم. فهذا المشهد الثالث وهو الاتباع: أن يكون متبعًا في صلاته، يقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام في صلاته. لا ينبغي أن يعول على المذاهب أو غيره. يكون تعويله على الأحاديث التي صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأيضًا معناه: يأخذ كلام الأئمة الذين بينوا هذا الأمر، مادام أنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا، وفهمه الأئمة بذلك الفهم، فهذا هو المطلوب. وأما إذا كان الأئمة فهموا شيئًا، لم يفهمه أحد من العلماء، فلا ينبغي أن يتجاسر الإنسان ويخالف أفهام هؤلاء الذين جعلهم الله عز وجل نبراسًا وطريقًا إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر في هذا المقام. فنكتفي به، والله تعالى أعلم.