الدرس في شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستهل المحاضر بقراءة رسالة الإمام محمد بن جرير الطبري المسماة «صريح السنة في الاعتقاد» التي ألفها رداً على اتهامات باطلة. ثم يستعرض ترجمة مفصلة للطبري مبيناً مولده، طلبه للعلم، شيوخه، تلاميذه، ومكانته العلمية الرفيعة كما أثنى عليه أئمة كالذهبي والخطيب البغدادي.
يروي المقطع قصة اجتماع أربعة من أئمة الشافعية في مصر وتعرضهم للجوع الشديد حتى استجاب الله دعاء ابن خزيمة. كما يذكر زهد ابن جرير في قبول جوائز الأمراء وإعجاب ابن خزيمة بعلمه حتى قال: ما أعلم على وجه الأرض أعلم منه.
يستعرض المقطع سيرة الإمام الطبري مبيناً اعتداله وقلة تعصبه وأهم مؤلفاته في التاريخ والتفسير والفقه والقراءات. ثم يفصل وفاته سنة 310 هـ ودفنه ببغداد وحضور الجموع الغفيرة لصلاة الجنازة مع التنبيه إلى عدم الخلط بينه وبين محمد بن جرير بن رستم الطبري الشيعي.
يعلن المتحدث عن بدء أول درس في الكتاب غداً. ويختتم الحديث بهذا القدر والله أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإن شاء الله تعالى كما ذكرنا نقرأ في رسالة الإمام محمد بن جرير الطبري، الإمام المعروف، صاحب كتاب التفسير، وله رسالة اسمها «صريح السنة في الاعتقاد». فنقرأ هذه الرسالة إن شاء الله تعالى في هذا الوقت. ونسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذلك، وينفعنا بهذه الرسالة بما فيها من العلم. وهذه الرسالة ألفها الإمام ابن جرير عندما اتهمه بعضهم ببعض الأفكار وبعض الاعتقادات التي لا يعتقدها، مثل التشيع، ومثل أيضاً بعض الاتهامات في اللفظ، في القول باللفظ في القرآن، وغير ذلك. وقد أشار إلى هذه الاتهامات في هذه الرسالة. ولأجل هذا نبدأ أولاً بذكر ترجمة أو بعض الترجمة لهذا الإمام، ومعرفة مرتبته عند أهل العلم. فمحمد بن جرير، قال العلامة الذهبي رحمه الله: «محمد بن جرير بن يزيد بن كثير، الإمام العلم المجتهد، عالم العصر، أبو جعفر الطبري، صاحب التصانيف البديعة، من أهل آمل طبرستان». معناه مولده وأهله من آمل طبرستان، وهذه من مناطق طبرستان، لكنه جلس في بغداد ونزل فيها واستقر فيها. قال: «مولده سنة أربع وعشرين ومائتين»، أنا ولد سنة أربع وعشرين ومائتين، «وطلب العلم بعد الأربعين ومائتين»، أنا بعد موت الأئمة الكبار، أنا الإمام أحمد، وأيضاً علي بن المديني، ويحيى بن معين، أقصد ابن معين، وكذلك إسحاق بن إبراهيم. فهم ماتوا في هذا أو في هذه السنوات. الإمام أحمد مات سنة إحدى وأربعين ومائتين، وقبله إسحاق وابن معين في سنة ثمان وثلاثين ومائتين. فطلب العلم بعد ذلك. قال: «لقي أهل بلاء الرجال، وكان من أفراد الدهر علماً وذكاءً، وكثرة التصانيف. ومن أراد أن ينظر إلى ذكاء هذا الرجل فلينظر إلى تفسيره وكيف يلخص الآيات وتفسيرها». قال: «قل أن ترى العيون مثله». وقد سمع من جماعة من المشايخ الكبار، منهم: محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، وإسماعيل بن موسى السدي، وإسحاق بن أبي إسرائيل، إسحاق بن أبي إسرائيل السبيعي، ومحمد بن حميد الرازي الحافظ، ولكنه فيه ضعف، وأحمد بن منيع وهو حافظ أيضاً وله مسند، وأيضاً لحق بعض مشايخ البخاري: محمد بن العلاء، وهناد بن السري، ومحمد بن المثنى، ويونس بن عبد الأعلى من مشايخ الإمام مسلم، ويعقوب بن أحمد الدورقي، وغيرهم من هؤلاء الأئمة. واستقر في أواخر عمره ببغداد. قد حدث عنه جماعة من أهل العلم الكبار: كالحافظ أبي القاسم الطبراني صاحب كتاب «المعجم»، وأيضاً أبو أحمد بن عدي صاحب كتاب «الكامل في الضعفاء»، وكذلك أبو جعفر بن حمدان، وغيرهم من أئمة العلم والخير. قال أبو سعيد بن يونس صاحب مصر: «محمد بن جرير من أهل آمل، قدم مصر ورجع إلى بغداد، وصنف تصانيف حسنة تدل على سعة علمه». وذكر قال: وقال الخطيب البغدادي: «محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب، كان أحد أئمة العلماء، يحكم بقوله ويرجع إلى رأيه، بمعرفته وفضله. وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظاً لكتاب الله، عارفاً بالقراءات، بصيراً بالمعاني، فقيهاً في أحكام القرآن، عالماً بالسنن وطرقها»، أنا عالم بالسنن، أي بالأحاديث، «وقد ألف كتاباً كبيراً سماه «تهذيب الآثار»، وهو كتاب عظيم في فقه الأحاديث وأيضاً رواياتها، يذكر الحديث برواياته ثم يذكر كلام أهل العلم ثم يذكر الفقه الذي فيه ويذكر الاختلافات، هو كتاب عظيم». قال الحافظ الذهبي: «كان ثقة صادقاً حافظاً، رأساً في التفسير، إماماً في الفقه والإجماع والاختلاف، علامة في التاريخ وأيام الناس، عارفاً بالقراءات وباللغة». قال: «قرأ القرآن ببيروت على العباس بن الوليد». ذكر أبو محمد عبد الله بن أحمد بن جعفر الفرغاني أن مولده بآمل. وقيل أن المكتفى أراد أن يحبس قاضياً تجتمع عليه أقاويل العلماء، فأحضر له ابن جرير فأملى عليهم كتاباً لذلك، فأخرجت له جائزة فامتنع من قبولها. كان يمتنع من قبول ما جاءه من الأمراء. وقال: وكذا التمس منه الوزير أن يعمل له كتاباً في الفقه، فألف له كتاب «المختصر»، فوجه إليه بألف دينار فردها. قال الخطيب: حدثني أبو الفرج محمد بن عبيد الله الشيرازي الخرجوشي، قال: سمعت أحمد بن منصور الشيرازي، قال: سمعت محمد بن أحمد الوراق الصنجستاني، قال: سمعت أبا العباس البكري يقول: «جمعت الرحلة بين ابن جرير، وابن خزيمة، ومحمد بن نصر المروزي، ومحمد بن هارون الروياني، بمصر». حولهم كلهم، إما وكلهم من الشافعية، معناه ينسبون إلى مذهب الشافعي: ابن جرير، وابن خزيمة، وابن نصر، محمد بن نصر صاحب كتاب «تعظيم قدر الصلاة»، ومحمد بن هارون الروياني إمام من أئمة الشافعية من أهل الوجوه. معناه اجتمعت بهم الرحلة، فصاروا في بيته. قال: «فأملوا، ولم يبقَ عندهم ما يقوتهم». أملوا معناه نفد عليهم الطعام، ما عندهم شيء من الطعام. قال: «ولم يبقَ عندهم ما يقوتهم، وضر بهم الجوع، فاجتمعوا ليلة في منزل كانوا يأوون إليه، فاتفق رأيهم على أن يستهموا، يضربوا القرعة، فمن خرجت عليه القرعة سأل لأصحابه الطعام». ليس سأل معناه يسأل الناس، وإنما المراد يسأل الله، يدعو لهم. قال: «فخرجت القرعة على ابن خزيمة، فقال لأصحابه: أمهلوني حتى أصلي صلاة الخيرة»، أنا صلاة، أصلي صلاة حتى أدعو الله. قال: «فاندفع في الصلاة، فإذا هو بالشموع وحشيه من قبل والي مصر يدق الباب». معناه لما صلى، ما يدرون إلا بالشموع، شموع معناه التي تسير في الركب، ركب السلطنة، والوزير، معناه العصابة التي تكون معه. وجاء والي مصر، أو أقصد الوزير، إلى هذا الباب ودق عليهم الباب، ففتحه، وقال: «أيكم محمد بن نصر؟» فقيل: هو ذا. فأخرج صرة فيها خمسون ديناراً فدفعها إليه. ثم قال: «وأين محمد بن جرير؟» فأعطاه خمسين ديناراً، وكذلك الروياني، وابن خزيمة. ثم قال: «إن الأمير كان قائماً بالأمس، قائلا في وقت القيلولة نائماً، فرأى في المنام أن المحامد جياع». المحامد معناه هؤلاء الأربعة، كلهم يسمى بمحمد: محمد بن نصر، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، ومحمد بن هارون الروياني، ومحمد بن جرير، كلهم يسمى بمحمد، فسماهم المحامد. قال: «فرأى في المنام أن المحامد جياع، قد طووا كشحهم، فأنفذ إليكم هذه الصرر، وأقسم عليكم إذا نفذت فابعثوا إلي أحدكم». وذكر رحمه الله عن هارون بن عبد العزيز أن أبا جعفر لما دخل بغداد وكانت معه بضاعة يتقوت منها فسرقت، فأفضى به الحال إلى بيع ثيابه، حتى قميصه. فقال له بعض أصدقائه: «تنشط لتأديب بعض ولد الوزير أبي الحسن؟» فأي تؤدبه، معناه تعلمه. فمضى لذلك، فأخلف الله عز وجل له مالاً. قال الحاكم: سمعت الحسين بن علي، وهو من حفاظ نيسابور، يقول: «أول ما سألني ابن خزيمة، فقال لي: كتبت عن محمد بن جرير الطبري؟ قلت: لا. قال: بئس ما فعلت، ليتك لم تكتب عن كل من كتبت عنه وتسمعت من أبي جعفر». وقال أبو بكر بن بالويه أيضاً من الحفاظ، يقول: قال لي أبو بكر بن خزيمة: «بلغني أنك كتبت التفسير عن محمد بن جرير؟ قال: بلى، كتبته عنه إملاء. قال: كله؟ قلت: نعم. قال: في أي سنة؟ قلت: في سنة ثلاث وثمانين إلى سنة تسعين ومائتين»، أنا سبع سنوات. «قال: فاستعاره مني أبو بكر، ثم رده بعد سنين، ثم قال: لقد نظرت فيه من أوله إلى آخره»، أي في التفسير، «وما أعلم على وجه الأرض أعلم من محمد بن جرير، ولقد ظلمته الحنابلة». والحنابلة هم أقل الناس تعصباً من المذاهب، لكن أحياناً يحصل من بعضهم ذلك. وهنا ذكر حكاية أيضاً عن ابن جرير، أنه قال لتلاميذه وأصحابه: «تنشطون؟ هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا أن تكتبونه معي؟» قالوا: كم قدروا؟ فذكر نحو ثلاثين ألف ورقة. ثلاثين ألف ورقة. فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه، أن أعمارنا ستفنى قبل أن نكتبه. فقال: «إنا لله، ماتت الهمم». فاختصر ذلك في نحو ثلاثة آلاف ورقة. عن التاريخ، هذا الذي هو تاريخ الملوك والأمم، كان تاريخاً كبيراً، ثم اختصر. ولما أيضاً أراد أن يملي التفسير، قال: «هل تنشطون أن تكتبوا تفسير القرآن كله؟» قالوا: كم قدروا؟ قال: ثلاثين ألف ورقة. فقالوا: أو قالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه. قال: فاختصره بعد ذلك بثلاثة آلاف ورقة، وهذا «جامع البيان» في علمه، أو «جامع البيان» الذي ألفه في التفسير. وقد ألف رحمه الله كتباً كثيرة، منها في الرجال سماه «تاريخ الرجال»، وأيضاً في أحكام شرائع الإسلام وتهذيب السنن، وأيضاً في القراءات والتنزيل، له كتاب، له كتاب في «اختلاف علماء الأمصار»، وله أيضاً كتاب كما تقدم «المختصر في أحكام شرائع الإسلام»، وأيضاً له «التبصير»، رسالة أرسلها إلى طبرستان يشرح فيها ما تقلده من أصول الدين، وقيل أنها نفسها هذه الرسالة «صريح السنة». وأيضاً ألف «تهذيب الآثار»، وهو من عجائب الكتب. وأيضاً له كتاب سماه «البسيط في الأحكام الفقهية». وله كتب كثيرة. وأيضاً ذكر أبو محمد الفرغاني أن له كتاباً سماه «شرح السنة»، وهو لطيف، بين فيه مذهبه واعتقاده. والظاهر أن هذا الذي سُميت أيضاً «صريح السنة»، وتسمى «بشرح السنة». قال: «وكان ممن لا تأخذه في الله لومة لائم، مع عظيم ما يلحقه من الأذى والشناعات من جاهل وحاسد. فأما أهل الدين والعلم فغير منكرين علمه وزهده في الدنيا ورفضه لها وقناعته رحمه الله بما كان يرد عليه من حصة مضيعة خلفها له أبوه بطبرستان يسيرة». قال أبو جعفر: «استخرت الله وسألته العون على ما نويته من تصنيف التفسير قبل أن أعمله ثلاث سنين، فأعانني». وهذا يدلك على أن الإنسان إذا أراد يعمل عملاً، فإنه يستعين بالله، يحرص على ما ينفعك، واستعن بالله. والاستعانة بالله منها الدعاء، يدعو الله عز وجل أن يعينه على ذلك. ومن أعظم الأدعية كما قال شيخ الإسلام: هي الدعاء بالإعانة، الله عز وجل لك. ثم ذكر رحمه الله تعالى موته، فيقول رحمه الله أنه مات سنة... هنا ذكر قال: أحمد بن كامل: «توفي ابن جرير عشية الأحد، ليومين بقيا من شوال، سنة عشر وثلاثمائة». سنة عشر وثلاثمائة، أنا ولد سنة أربع وعشرين ومائتين، وتوفي سنة عشر وثلاثمائة، أنا عاش سبعين سنة. قال: «دفن في داره برحبة عقوب»، يعني ببغداد. قال: «لم يغير شيبه، وكان السواد فيه كثيراً». أنا لم يغير شيبه، معناه لم يصبع، والسواد كان في شعره ولحيته كثيراً. قال: «وكان أسمر إلى الأدمة»، أنا حتى تصل سمرته إلى الأدمة. أعين، نحيف الجسم، طويلاً، فصيحاً. وشيعه من لا يحصيهم إلا الله تعالى، وصلي على قبره عدة شهور ليلاً ونهاراً. قال: «الذين لم يصلوا عليه جاءوا يصلوا عليه». إلى أن قال: «ورثاه خلق من الأدباء وأهل الدين». معناه رثوا هذا الإمام محمد بن جرير الطبري رحمه الله. فهذا شيء مما يذكر في ترجمة هذا الإمام. ومن باب الفائدة: هناك رجل يقال له محمد بن جرير بن رستم، أيضاً يكنى بأبي جعفر الطبري، وهو شيعي من الروافض، وكثيراً ما يشتبه بهذا، حتى تُرمى بالتشيع، وإنما الشيعي هو هذا محمد بن جرير بن رستم الطبري. معناه كلاهما من آمل طبرستان، لكن ذاك إمام، وهذا رافضي خبيث. فهذا ما يذكر إن شاء الله تعالى في هذه الترجمة. وإن شاء الله تعالى من غد نبدأ في أول درس في الكتاب، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.