شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 3

شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 3

الدرس في شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الابتلاء في سبيل الله ورفعة الدرجات بالصبر

يشرح المقطع أن الابتلاء سنة إلهية تشمل الأنبياء والصالحين، مستدلاً بآيات قرآنية وحديث نبوي. ويبين أن الصبر على البلاء يرفع العبد إلى منازل عالية أعدها الله له، وأن العلماء هم ورثة الأنبياء في حمل الهداية.

العلماء ورثة الأنبياء ودورهم في حفظ الدين ونفي التحريف

يبيّن المقطع أن العلماء هم ورثة الأنبياء الحقيقيون لأنهم ورثوا العلم لا المال، ويقومون بنشره والدفاع عن الدين. كما يوضح أن حمل الدين موكول إلى العدول من العلماء الذين ينفون تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين في كل أبواب الدين.

انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين: مفهومهما وخطرهما مع مثال معاصر

يشرح المقطع معنى «انتحال المبطلين» بأنهم من يدّعون الدين ويأتون ببدع ويرخصون في الواجبات، مستشهدًا بمنهج الإخوان المسلمين في التساهل بالعقيدة وموالاة أهل البدع. كما يبين معنى «تأويل الجاهلين» وتقسيم الجهل إلى جهل مركب وجهل بسيط، مع التنبيه على صحة الحديث الوارد في ذلك وأهمية تنزيه العلم عن تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.

دور العلماء في الدفاع عن الدين وحمايته

يصف المقطع الأفعال العظيمة التي يقوم بها أهل العلم في الذب عن حياض الدين، وحماية شعائره، ودفع كيد الشيطان وضلاله. ويشير إلى شرفهم بالعلم، على أن يتم تفصيل ذلك في درس قادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد: فذكر الإمام محمد بن جرير الطبري رحمه الله في رسالته «صريحة السنة» -وقيل: إن بعضهم سماها «أصول السنة»- فذكر بعض الآيات كما قد ذكرناها قبل، مما تدل على الابتلاء: أن العبد يبتلى في هذه الحياة، بل أهل الصلاح وأهلهم، والأنبياء يبتلون أشد البلاء في دين الله جل وعلا، وهذا من امتحان الله عز وجل لعباده. وفي آخر ما ذكرنا قوله جل وعلا: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 2-3]. قال: فلم يخْلُ جل ثناؤه أحدًا من مكرمي رسله ومقرب أوليائه من محنة في عاجلة دون آجلة. أي: يقول: إن هذه الآية تدل على أنه ما من أحد إلا ويبتلى من أهل الإيمان. ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. أي: لا يظن الضال أن طريق الإيمان مفروشة بالورود كما يقولون، ولا أنها محل الراحة للجسد، بل هناك ابتلاء وتعب ومشقة وصعوبة تعترض العبد في طريقه إلى الله جل وعلا. فلم يخلُق -قال جل ثناؤه- أحدًا من مكرمي رسله ومقرب أوليائه من محنة في عاجلة دون آجلة. أي: في العاجلة، أي في الدنيا، يبتليهم الله عز وجل، وكما قال الله عز وجل: ﴿لِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 141]. قال رحمه الله: ليستوجب بصبره عليها من ربه من الكرام ما عدّ له، ومن المنزلة لديه ما كتبه له. ولهذا أحيانًا البلاء يرفع به العبد إلى درجات عظيمة، كما جاء في الحديث: أن العبد يريد الله عز وجل أن يبلغه منزلًا فلا يستطيع أن يصلها بعمله، فيبتليه الله -أي: ما يستطيع أعماله ما تجعله يصعد إلى تلك المنزلة- فيبتليه الله عز وجل حتى يرفعه بصبره، فإذا صبر واحتسب أجره عند الله فإنه يبلغه تلك المنزلة التي أعدها الله عز وجل له. ولهذا قال: «من المنزلة لديه ما كتبه له». ثم جعل تعالى جل وعلا ذكره علماء كل أمة نبيًا ابتعثه منهم، ووراثه من بعده. ما من نبي إلا وجعل له من بعده حواريين وأناسًا يأخذون بهديه، كما جاء في الصحيح: «إن الله يجعل لكل نبي أنصارًا يأخذون بهدي ذلك النبي». فقال: ثم جعل تعالى جل وعلا ذكره علماء كل أمة نبيًا ابتعثه منهم، ووراثه من بعده. وكما قال أيضًا في الحديث -حديث الدرجاء-: «وإن الله لم يورث -أو قال: وإن الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا، وإنما ورثوا العلم، الأنبياء يورثون في أمتهم العلم، فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر». فلهذا العلماء هم وراث الأنبياء، كما جاء في الحديث: «والعلماء ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا». فالعلماء هم ورثتهم، ورثوا العلم العظيم الذي يبثه هؤلاء الأنبياء، فيبثه العلماء في الناس ويدعونهم إليه. ولهذا قال أبو هريرة عندما جاء إلى السوق: قال لهم: «ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم في المسجد، وأنتم هاهنا». فهرول الناس إلى ذلك المكان، إلى المسجد، فما وجدوا إلا حلقات علم. فقال لهم: «هذا هو ميراث النبي عليه الصلاة والسلام». قال: والقوام بالدين بعد اخترامه إليه وقبضه، فعن هؤلاء العلماء -الذين هم يقومون بهذا الدين وينشرونه، الذابين عن عراه وأسبابه- كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «أن هذا الدين يحمله من كل خلف عدوله». من كل خلف عدوله يحمل هذا العلم، أي: بما أراده الله عز وجل وبما بيّنه نبي الله صلى الله عليه وسلم. فهؤلاء -ما يحمل هذا العلم إلا العدول-. معنى العلماء: العلماء الربانيون الذين يعملون بهذا العلم ويعلمونه الناس على ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام. فهؤلاء جاء في الحديث أنه قال عليه الصلاة والسلام: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين». فأولاء الثلاثة كلها يقوم بها أهل العلم، يدافعون عن دين الله جل وعلا، وعن حياض الدين. ينفون عنه تحريف الغالين: الغالون الذين غلوا في دين الله عز وجل وتنطعوا، كالخوارج، يغلون في دين الله بغير حق. فهؤلاء ينفي أهل العلم عن دين الله عز وجل غلو هؤلاء الغالين، يبينون أن هذا ليس هو الدين الصحيح، ليس الدين الذي يكون فيه هذا قتل بعضهم بعضًا، وقتل المسلمين وتفجيرهم، وغير ذلك من الأمور التي يفعلها الغلاة. وأيضًا الغلو في كل شيء، ليس فقط في المنهج، بل الغلو حتى في الطهارة، في الصلاة، في أيضًا العبادات كلها فيها غلو. أن بعض الناس يغلو فيها في بعض الأشياء بسبب الوسوسة، أو بسبب عدم فهم الأدلة. وكذلك أيضًا الغلو يكون حتى في الجرح والتعديل، وهناك أيضًا غلو: ناس يجرحون بلا خطام ولا زمام، ولا يعرفون ذلك الباب، ما الأسباب التي يجرح بها الشخص، وإنما يجرحون بكل سبب أو بغير الأسباب التي يجرح بها الشخص. وغير ذلك من الغلو في أبواب الدين، فأهل العلم ينفون عن هذا الدين تحريف الغالي. وانتحال المبطلين: انتحال المبطلين، معنى المراد بهم: انتحالهم دين الله عز وجل وهم على غيره، أن يأتون بأشياء ليست من دين الله، من باب التساهل، ومن باب الإرجاء، ومن باب أيضًا تمييع دين الله جل وعلا. فيأتون ببدع، ويأتون بأشياء ليست من دين الله، يرخصون في أشياء هي واجبة في الدين، ويتساهلون في أشياء شُدِّد فيها دين الله. فلهذا يظهر منهجهم منهجًا غير صحيح، ليس موازنًا لمنهج الله عز وجل ومنهج رسوله صلى الله عليه وسلم. ولعل أقرب مثال في هذه العصور هو منهج الإخوان المسلمين، فإنهم ترخصوا في أشياء كثيرة، وظنوا أنها سهلة، مثل الاعتقاد: فهم لا يبالون بالاعتقاد، لا يبالون بالاعتقاد، ولا يفرقون بين سني وغيره، بل يعظمون أهل الرفض الذين يسبون أصحاب رسول الله ويرمونهم بالردة. وأيضًا كذلك تجد أنهم يثنون على هؤلاء، وبالمقابل أنهم يعادون أهل السنة ويجرحونهم. وأيضًا كذلك: بل دخل في الإخوان المسلمين من الكفار من النصارى، وقد كان حسن البنا إمامهم ومقدمهم، كان يزور قبر بعض النصارى، بعض النصارى يعظمه ويزور قبره، وهذا موجود في مذكراته التي كتبها بنفسه، يذهب إلى قبر سيد سنجر وغيره. وأيضًا كذلك ما يفعله من البدع والموالد وغير ذلك. فهؤلاء كما قلنا: أرادوا أمرًا وهو قيام دولتهم، أنهم يقيمون دولة، فأخذوا بكل الطرق، دخلوا بكل الطرق حتى يقيموا هذه الدولة، وهذا الذي جعلهم يتميعون هذا التميع، نساء الله عز وجل العافية. وقال أيضًا في الحديث: «وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين». وهذا الحديث أفضل طرقه ما ذكر من طريق إبراهيم بن إسماعيل العدري، وهو تابعي وليس صحابي، وهو مرسل، لكن تشهد له شواهد كثيرة، ولهذا صححه بعض الأئمة كأحمد وغيره. فقال: «وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين». أي: الذين جاهلوا سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فهم يتأولون على جهلهم، يتأولون على جهل، بل يجعلون كل حديث على ما هم عليه، ويتعسفون الأدلة. وسواء كان هذا الجهل المركب الذي يظن أنه يعرف الأدلة وهو لا يعرفها، وإنما يصرف الأدلة على ما في هواه، سواء كان في الاعتقاد أو في الفقه. وأيضًا كذلك الجهل الذي يسمى جهلًا بسيطًا، يسمونه جهلًا بسيطًا وهو جهل واسع، والمراد به: أن الإنسان يجهل المسألة من أصلها، لا يعرف هذه المسألة، ويتكلم بجهل في هذه المسائل. فلهذا هؤلاء العلماء ينفون عن هذه الأمة، كما ذكر في الحديث: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين». تأويلهم عن تفسيرهم للأشياء للدين، سواء كان للقرآن أم للحديث. فتأويل الجاهلين بكل جهل جهلوه، فهم إما يفسرون، يظنون أنفسهم يعرفون، وإما يقرون على أنهم لا يعلمون، ثم بعد ذلك يتكلمون في دين الله عز وجل بغير حق وبغير علم. فقال رحمه الله: «الذابين عن عراه وأسبابه، والحامين عن أعلامه وشرائعه، والناصبين دونه لمن بغاه وحادة، الدافعين عنه كيد الشيطان وضلاله». أن هذه كلها الأفعال العظيمة التي يفعلها أهل العلم، وهم يحافظون على دين الله جل وعلا. ثم ذكر أيضًا شرفهم بالعلم، إن شاء الله تعالى نذكر في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر