شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 14

شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 14

الدرس في شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 14، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

خطر الافتراء على المؤمنين وعقوبته

يحذر الإمام الطبري في ختام «صريح السنة» من خطورة الافتراء على الناس وخدش أعراضهم، مستشهداً بحديث ضعيف عن أبي الدرداء في عقوبة من يذكر امرأً بما ليس فيه. ورغم ضعف الإسناد، فإن للحديث شواهد صحيحة تؤكد تحريم الغيبة والبهتان وعقوبة فاعلها في النار.

نقد سندين حديثيين في وعيد المغتابين وعذاب القبر

يعرض المقطع حديثين: الأول حسن بالشواهد عن ناس بن مالك في وعيد المغتابين بأظفار نحاس يخمشون صدورهم، والثاني ضعيف بل مقارب للموضوع عن أبي أمامة في عذاب القبر. يناقش الرواة ويبين علل الضعف في السند الثاني بسبب علي بن يزيد الهاشمي وغيره.

عذاب القبر بسبب الغيبة والنميمة وعدم الاستبراء وتحذير تتبع العورات

يذكر المقطع حديثين عن عذاب القبر لمن يمشي بالنميمة ولا يستتر من بوله، وتحذير النبي ﷺ من اغتياب المسلمين وتتبع عوراتهم مع بيان أن الحديث الثاني صح من طرق أخرى. ويؤكد أن جزاء تتبع العورات هو فضح الله للمتتبع حتى في بيته، وهو رد على من افترى على عالم واغتابه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا في درس "صريح السنة" للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله، ذكر بعض الاعتقادات، وآخرها قضية الاسم: هل الاسم للمسمى، أو الاسم هو المسمى؟ وذكرنا أن الصحيح هو: الاسم للمسمى. وذكر قبلها أيضًا مسألة خلق القرآن. وبهاتين المسألتين ختم المؤلف رحمه الله تعالى رسالته هذه. لكنه ذكر في آخرها بخطورة الافتراء على الناس والكلام عليهم بما ليس فيهم، وأيضًا خدش أعراضهم؛ فإن هذا من الخطر العظيم. وذكر حديثًا، لكنه كما قلنا ضعيف. ثم قال رحمه الله: حدثنا خلاد بن أسلم، قال: أنبأنا النضر بن شميل، قال: عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن عمر بن عبد الله الأنصاري، عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم أنه قال: «من ذكر امرأً بما ليس فيه، دي عيبه، حبسه الله في جهنم حتى يأتي بنفاذ ما قال فيه». وهذا الحديث فيه ابن جريج، وقد دلس هنا، والحديث لا يصح بهذا الإسناد. وجاء موقوفًا أيضًا على أبي الدرداء، ولعله صحيح، أي أنه موقوف. لكن الحديث له شواهد تدل عليه، قد تقدم في البداية أن ذكر بعض هذه الأحاديث. وجاء في حديث: «أن الله عز وجل يحبسه في بلس، وهو وادٍ بجهنم». وكذلك غيرها من الأحاديث التي جاءت في ذلك. من قال أيضًا: «من قال في مؤمن ما ليس فيه، أسكنه الله عز وجل ردغة الخبال». قال: «وما ردغة الخبال يا رسول الله؟» قال: «عصارة أهل النار، عصارة أهل النار». هذا أيضًا حديث في معنى هذا الحديث، فالحديث حسن بمعنى وشواهده، أي شواهد معناه، وأما إسناده فلا يصح. قال: حدثنا محمد بن عوف الطائي، ومحمد بن مسلم الرازي، قالا: حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، وهو شامي، ينسبه، قال: حدثنا صفوان بن عمرو، وهو أيضًا شامي من خيرة أهل الشام، قال: حدثني راشد بن سعد، وراشد بن سعد فيه ضعف، إلا أن ضعفه يعني يقبل في الشواهد. قال: وعبد الرحمن بن جبير بن نفير، وهنا عبد الرحمن ثقة، عن ناس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم: «لما عرج بي، مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون صدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم». أولئك الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم. هذا الحديث حسن في الشواهد، وفيه الوعيد الشديد لمن يغتاب الناس ويتهمهم في أعراضهم. قال: وحدثني علي بن سهل الغملي، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، هؤلاء أيضًا من أهل الشام، والوليد أبو العباس الدمشقي، عن عثمان بن أبي العاتكة، وهو أيضًا ثقة، عن علي بن يزيد الهاشمي، وهو ضعيف، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة رضي الله عنه، قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم بقي الغرقد، فوقف على قبرين ثريين، ثريين، معنى قبر حديث. قال: «أدفنتم هاهنا فلانًا وفلانًا، أو قال: فلانًا وفلانًا؟» فقالوا: نعم يا رسول الله. قال: «قد عوقب فلان الآن، يضرب». ثم قال: «والذي نفسي بيده، لقد ضرب ضربة ما بقي منه عضو إلا انقطع، وقد تطاير قبر تترى، أنا كأن التراب تطاير، ولقد صرخ صرخة سمعتها الخلائق إلا الثقلين من الجن والإنس، ولولا تمريج قلوبكم وتزيدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع». هذا حديث لا يصح، وهو حديث يقارب الموضوع، وغالبًا إذا جاء هذا يزيد بن الهاني فغالبًا حديثه لا يصح، ومناكير عن القاسم أبي عبد الرحمن، وإذا روى عنه أيضًا عبيد الله بن زحر فهذه طبقة موضوعة. وأيضًا كذلك عثمان بن أبي العاتكة هو حسن الحديث، لكنه في روايته عن علي بن يزيد ضعيف. وهذا الحديث يشبه حديث ابن عباس، يشبه حديث ابن عباس عندما رأى النبي صلى الله عليه وسلم قبرين، فقال: «مر النبي صلى الله عليه وسلم على قبرين، فقال: أما إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله». ولهذا بوب عليه الإمام البخاري: "باب عذاب القبر من الغيبة والبول"، باب عذاب القبر من الغيبة والبول، أن يعذب الإنسان في قبره بسبب هذه الغيبة والنميمة ونشر الفساد بين الناس. وهذا كله يريد أن يبين أن هناك من افترى عليه رحمه الله، وأنه اغتابه، وهذا لا يجوز. وأيضًا نمى به طيب. قال: قال رحمه الله: قالوا: يا رسول الله، وما ذنبهما؟ قال: «أما فلان أو فلان فكان لا يستبرئ من البول، وأما فلان أو فلان فإنه كان يأكل لحوم الناس». وكما قلنا، الحديث يشبه حديث ابن عباس في الصحيحين. قال: وحدثنا محمد بن يزيد الرفاعي، قال: حدثنا ابن فضيل، قال: وحدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا أسود بن عامر، وهو شاذان، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، جميعًا عن الأعمش، عن سعيد بن عبد الله، عن أبي برزة الأسلمي، قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من تتبع عوراتهم تتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته». وهذا الحديث بهذا الإسناد فيه شيء من الضعف، لكن الحديث قد جاء عن عبد الله بن عمر، وعن غيره بأسانيد صحيحة، وقد ذكره شيخنا مقبل في "الصحيح المسند" من حديث عبد الله بن عمر، فالحديث صحيح. وفيه تحذير النبي عليه الصلاة والسلام لمن يغتاب المسلمين ويتتبع عوراتهم، تتبع عيوبهم، حتى يريد أن يفضح هذا الشخص، مثلاً بينه وبينه خصومة، فيتتبع معايبه، يتتبع أين يذهب، أين يأتي، أين كذا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يتتبع الله عوراته حتى يفضحه، ولو في قعر بيته»، أن تكون فضيحة عليه حتى في بيته، في داخل بيته، تصعد للناس وتخرج هذه الفضيحة للناس، بسبب أنه كان يتتبع عورات الناس يريد أن يفضحهم، فيفضحه الله. وهذا من الجزاء، الجزاء من جنس العمل، فيفضحه الله عز وجل كما يريد أن يفضح الناس. فلا يجوز للمسلم أن يغتاب إخوانه، ولا يتتبع عوراتهم. فهذا آخر الكتاب، وآخر ما ذكره المؤلف رحمه الله، فنكتفي بهذا. وقد أتممنا هذا الكتاب بحمد الله، كتاب "صريح السنة" للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله، والحمد لله رب العالمين.