الدرس في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم للشيخ العثيمين 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الشيخ العثيمين أدلة الكتاب والسنة المحذرة من التهاون بالصلاة، مبيناً أن إضاعتها تكون بتركها كلية أو تأخيرها عن وقتها. ويشير إلى أن سبب ذلك اتباع الشهوات التي تصرف العبد عن صلاته كالمال والنساء والأبناء.
يفسر المقطع قوله تعالى ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ بالواد في جهنم أو العذاب الشديد، ويستثني التائبين المؤمنين العاملين الصالحين. ويصف صلاة المنافقين بالكسل والرياء، مبيناً أن تضييع الجماعة كمن وتر أهله وماله، ويسوق آيات سقر التي تذكر ترك الصلاة من أسباب دخول النار.
يبيّن المقطع عقوبة من يضيع الصلاة المكتوبة بالنوم عنها أو تعمد تأخيرها، مستشهداً بأحاديث تحذر من حبط العمل بترك صلاة العصر. كما يفصل أنواع إضاعة الصلاة بتركها كلياً أو جزئياً، أو صلاتها في غير وقتها، أو أدائها بلا ركوع وسجود صحيحين، محذراً من حشر تاركها مع فرعون وقارون وهامان وأبي بن خلف.
يذكر المقطع أن ضياع الصلاة يتم بتركها كلياً، أو ترك بعض فرائضها، أو تأخيرها عن وقتها، أو عدم إقامة أركانها وشروطها. ويختتم بالدعاء للمحافظة على الصلاة والعبادة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الشيخ العثيمين رحمه الله: الفصل الخامس: التحذير من إضاعة الصلاة. جاءت الأدلة المتكاثرة في الكتاب والسنة من التحذير من التهاون بالصلاة، فقال رحمه الله: لما كان للصلاة هذا الفضل الكبير وهذه الفوائد العظيمة، كان فقدها حرماناً كبيراً ونقصاً فادحاً في الإسلام، ومن ثم حذر الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم من إضاعتها، ورتب على ذلك عقوبات متنوعة، عقوبات على من يضيع هذه الصلاة، وسيأتي معنى ما المراد بإضاعة الصلاة. قال: قال الله عز وجل: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. ساهون: أي أنهم فرطوا في هذه الصلاة وأضاعوها، ويصلونها في غير أوقاتها، أو بعد أن يخرج وقتها، كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه في قوله: ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، قال: لم يقل الله: في صلاتهم ساهون، وإنما قال: عن صلاتهم ساهون، أي يصلونها في غير أوقاتها، أو حتى يخرج وقتها. فهذا أيضاً من إضاعة الصلاة: أن الإنسان لا يصلي الصلاة في وقتها، وتفوته كذلك في جماعة المسلمين، كما سيأتي في الأحاديث. قال الله عز وجل: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾. فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة، هنا أضاعوها أي تركوها، إما أنهم تركوها بالكلية، أو تركوا بعضها، وسبب ذلك اتباع الشهوات. والشهوات هنا أمر عام: كل ما صرفك عن الصلاة فهو شهوة، كما فسر ذلك عمر رضي الله تعالى عنه، لما رأى رجلين يغتسلان، وقد كان الناس يصلون أو كانت الصلاة ستقوم، فقال لهما: ما أجلسكما هنا؟ قالا: نغتسل يا أمير المؤمنين. فذكر لهم هذه الآية، أن هذا الغسل شغلهم عن الصلاة، فجعله من الشهوات. فكل ما شغل عن الصلاة فهو شهوة، كل ما شغل، سواء كان من الأموال، أو من النساء، أو من الأبناء، أو من غير ذلك، كما قال جل وعلا: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾، وكل هذا مما يزين في الدنيا فهي شهوات الدنيا. حتى الطعام يعتبر شهوة، كما جاء في الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم استعاذ من شهوة الفرج والبطن. فكل ما صرفك عن الصلاة فهو شهوة. فقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾، فأضاعوها، كما فسرها العلماء: أنه تركوها بالكلية، أو أنه تركوا بعضها وتهاونوا فيها. قال: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾، والغي: فسره بعض الصحابة كعبد الله بن عمر: أنه واد في جهنم، وجاء مرفوعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام ولا يصح، وفسره بعضهم بالعذاب الشديد. قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾. وقال الله عز وجل في وصف المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وهنا يقومون يصلون، لكن يقومون على كسل، وقد يضيعون وقتها، وقد أيضاً يضيعون جماعة المسلمين، فتفوتهم الصلاة. ومن فاتته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتر أهله وماله الذي فوت الصلاة في جماعة المسلمين»، أو يفوت وقتها، فكأنما وتر عن ماله وولده وأهله. أنى يكون هذا الشخص؟ انقطع في صحراء عن ماله وعن أهله وعن ولده، ليس معه أهل وليس معه مال، فهذا يعتبر أنه في هلكة، في هلكة عظيمة. وهكذا الذي يضيع الصلاة ويفوت على نفسه الجماعات، وأيضاً يفوت أوقات الصلاة. قالوا: قال الله عز وجل عن أهل النار، وقد سئلوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾. وجاء في الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه رأى في المنام أنه مر على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه، يعني يدق رأسه حتى يهشمه، قال: فيتدهده الحجر هاهنا، يعني يأتي بحجر كبير ويدق رأسه، فيتدهده الحجر، ويتكسر رأسه، ثم يتدهده الحجر يخرج، ومعنى يتدهده: يدور الحجر وينزل، فيأخذه الملك، قال: فيتبع الحجر فيأخذه، أي هذا الملك يذهب ويأتي بالحجر مرة أخرى، قال: فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه، يكون رأسه مثل ما كان، حتى يذوق العذاب، مثل ما ذكر الله عز وجل في الجلود، قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾، حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى، يأتي بالحجرة ويضرب بها رأسه، حجرة كبيرة يضرب بها رأسه فيثلغ رأسه، يهشمه، وأيضاً يكسر رأسه، ثم يأخذ الحجر حتى يصح رأسه فيفعل ذلك. قال: فسأل النبي عليه الصلاة والسلام عنه، فقيل: إنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة، أي ما يضيع، ما يتركها، لكن ينام عنها، ينام عنها، وقد يكون أيضاً عن تعمد، أو يسهر في الليل يتأخر في الليل وهو يعلم أنه سيضيع الصلاة، هذا يعتبر مثل التعمد، ينام عن الصلاة المكتوبة، فجعل الله عز وجل له هذا العذاب. وأيضاً كما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام: أن من فاتته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله. وجاء في حديث بريدة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله»، من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله، أنها فريضة واحدة فقط. وجاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن عمر: «من ترك صلاة العصر متعمداً فقد حبط عمله». فلهذا فإضاعة الصلاة، ذكر العلماء أن إضاعة الصلاة بثلاثة أشياء: إضاعة الصلاة بثلاثة أشياء: إما بتركها، سواء كانت تركاً بالكلية، أو يترك بعضها ويصلي بعضها، وأيضاً كذلك إضاعتها بصلاتها في غير أوقاتها، أو في الأوقات التي نهي عن تأخير الصلاة فيها، مثل العصر، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: «وصلاة العصر إلى أن تصفر الشمس»، أي بعد اصفرار الشمس تعتبر صلاة المنافق، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى إذا كادت أن تغرب بين قرني شيطان، نقرها أربعاً، لا يذكر الله فيها إلا قليلاً»، أي يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت فيصليها، أو أنه يصليها في غير وقتها الذي فرضه الله، مثل ما يفعل بعض من يجمع الصلوات، قد اشتهر عن كثير من المخازين أنه يؤخر من الظهر إلى العصر والمغرب والعشاء، ثم بعد العشاء يقوم ويصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وهذا كله باطل. أولاً: لا تجتمع هذه الصلوات الخمس، حتى الجمع للمسافر ما يجمع هذه الصلوات كلها، وإنما يجمع الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء. أما هؤلاء فيجمعون هذه الصلوات الأربع في وقت واحد، فهذا أيضاً من التفريط الذي ذكر في الآيات والأحاديث. وكذلك أيضاً من التفريط في الصلاة: أن يصليها بغير ما أراد الله، يعني لا يقيم ركوعها ولا سجودها، ولا أيضاً يقيم أركانها. وقد تقدم معنى الكلام في هذا الأمر، كما ذكره الشيخ رحمه الله في أهمية الصلاة، ذكر أن من لم يقم هذه الصلاة بركوعها وسجودها، فهي تكون يوم القيامة عليه وبالاً، لا تكون له نوراً ولا برهاناً يوم القيامة، ويحشره الله عز وجل مع فرعون وقارون وهامان وأبي بن خلف، كما صح بذلك الحديث، وقد تكلمنا على ذلك في الدرس الذي مضى. فخلاصة الأمر: أن ضياع الصلاة يكون بهذه الثلاثة الأشياء: بتركها بالكلية، أو بترك بعض هذه الفرائض، وكذلك بصلاتها في آخر وقتها أو بعد وقتها، وكذلك بعدم إقامة أركانها وشروطها، فهذا هو تضييع لهذه الصلاة. فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يحافظ على صلاته وعلى عبادته وطاعته، والحمد لله رب العالمين.