الدرس في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم للشيخ العثيمين 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يقسم الشيخ ترك الصلاة إلى جحد وجوبها وهو كفر بإجماع، وإلى تركها كسلاً مع الإقرار بالوجوب وفيه خلاف بين العلماء. من يكفره يستتيبه فإن أصر قتل مرتداً مستدلين بقوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾.
يشترط للأخوة في الدين التوبة من الشرك وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهذه الشروط متلازمة لا يصح أحدها دون الآخر. تؤكد الأحاديث أن ترك الصلاة هو الفاصل بين الإسلام والكفر، وأن الصلاة عمود الدين الذي إذا زال سقط البناء.
ينقل المقطع إجماع الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من الأئمة كإسحاق بن راهويه على أن تارك الصلاة عمداً كافر كفراً مخرجاً من الملة. النصوص الصريحة وآثار الصحابة ترجح هذا القول خاصة إذا أصر التارك على تركها بعد الاستتابة.
من يفضل القتل على أداء الصلاة لا يحمل الإسلام في قلبه، لأنه آثر جريمة عظيمة على فريضة من فرائض الله. ذكر الشيخ ذلك واكتفى به دليلاً على انعدام الإيمان في قلب التارك.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عليه: الفصل السادس: حكم تارك الصلاة. قال: ترك الصلاة ينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون مع جحد وجوبها، فهذا كفر بلا شك. جحد وجوبها أي إنكار الوجوب، فهذا كفر بلا شك؛ لأن جحد وجوب الصلاة المفروضة كفر لتكذيبه الله ورسوله والمؤمنين. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. إلا إذا كان جاحد الوجوب لكونه حديث عهد بإسلام، فيمكن أن يكون جاهلا بالحكم، فلا يكفر حتى يبين له الأمر، ثم إن عاند بعد ذلك كفر. فلا خلاف على أن من أنكر وجوب الصلاة فإنه يكفر؛ يكفر لأنه يكذب بالآيات، يكذب بالقرآن؛ لأن الله عز وجل أمر بها في آيات كثيرة. فهذا القسم الأول. القسم الثاني: أن يكون ترك الصلاة كسلا وتهاونا مع الإقرار بالوجوب. فهذا يدعى إليها ويؤمر بها، فإن صلى فذاك، وإن استمر على تركها فقد اختلف العلماء فيه. فمنهم من قال: إنه يكفر، ويقتل كافرا، ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين. معنى كلام الشيخ: أنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، ويقتل كافرا مرتدا. معنى: إذا كان ترك الصلاة كسلا وتهاونا. قال: ودليل قول هؤلاء من القرآن: قول الله تعالى عن المشركين: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. فعندنا الآن جملة شرطية، الشرط فيها من ثلاثة أمور، وكان الجواب أمرا واحدا. فالشرط الأول: فإن تابوا، والثاني: وأقاموا الصلاة، والثالث: آتوا الزكاة. كل هذا شرط، أما الجواب: فإخوانكم في الدين. أنا لا يكونون إخوانكم في الدين إلا إذا أقاموا بهذه الثلاثة الشروط: التوبة من الشرك، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة. قال: أضرب مثلا: لو قلت: إذا زارك فلان، وأعطاك الكتاب، وقرأته، فأكرمه. هذه ثلاث لو زارك ولم يعطيك الكتاب، فإنك لا تكرمه. لو قال لك: لماذا لم تكرمني؟ أقول: لأنك لم توف بالشرط. لو زارك وأعطاك الكتاب، لكنه منعك من قراءته، فإنك لا تكرمه. كأن الشيخ يريد أن يبين أن هذه الثلاثة الأشياء متلازمة: فإن تاب من الشرك يجب عليه أن يصلي، فإن صلى وجبت عليه الزكاة. أي أنه يؤمر بذلك، فإذا لم يفعل ذلك فليس أخا في الدين. قال: ولا تنتفي الأخوة في الدين إلا بالكفر الصريح؛ لأن الإنسان مهما عصى فهو أخوك. لو زنى، وسرق، وشرب الخمر، وقتل النفس، فهو أخوك، كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾. سمى القاتل أخا، سمى القاتل أخا. فلذا فلا تنتفي الأخوة إلا بالكفر بالله جل وعلا. قال: أما من السنة، فحديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة». رواه مسلم. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الشرك منفصلا بائنا عن الإسلام، يعني يخالف الإسلام، وجعل الفاصل بينهما ترك الصلاة. إذن ترك الصلاة كفر. وفي حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه الذي أخرجه أهل السنن، قال صلى الله عليه وسلم: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». العهد الذي بيننا وبينهم، أي بيننا وبين الكفار، فمن ترك الصلاة فقد كفر. وقال صلى الله عليه وسلم: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة». والعمود إذا زال سقط البناء. إذا زال العمود فلا فائدة من ذلك البناء؛ لأنه سيسقط. وقال عمر رضي الله عنه: «لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة». وهكذا قال أيضا ابن مسعود وغيره من الصحابة رضي الله عنهم. وقال عبد الله بن شقيق، وهو من خيار التابعين: «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة». قال: وهذا يكون كالإجماع من الصحابة على أن تارك الصلاة يكفر. وقد حكى الإجماع على أن تارك الصلاة يكفر غير واحد من العلماء، منهم: إسحاق بن راهويه، إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وهو صاحب الإمام أحمد، الإمام المشهور. قال: قال عبد الله بن نصر: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن تارك الصلاة كافر، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا: أن تارك الصلاة عمدا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر. فهذه الأشياء التي ذكرها الشيخ رحمه الله تبين كلام أهل العلم: أن من ترك الصلاة فهو كافر. وقد جاء عن الصحابة: عن عمر، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة، وابن عباس، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم. وأيضا ابن مسعود، وجابر بن عبد الله، كما ذكر ذلك المنذري وغيره. من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم صرح بأن من ترك الصلاة فهو كافر كفرا مخرجا من الملة. وذكر بعض العلماء، كالشافعي رحمه الله وغيره، أنه لا يكفر معنى الكفر المخرج من الملة، وإنما يكون كفره كفرا لكنه ليس مخرجا من الملة. واستدلوا بأحاديث الشفاعة وغيره. لكن الأحاديث هذه الصريحة تبين كفر من ترك الصلاة، وخاصة من استتيب فاختار، كما قال الحميدي: فاختار القتل على الصلاة. فهذا ليس في قلبه إسلام، اختار أن يقتل ولا يصلي، فهذا ليس في قلبه إسلام؛ لأنه اختار القتل على فريضة عظيمة من فرائض الله جل وعلا. فهذا ما يذكر، كما ذكر الشيخ رحمه الله، ونكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.