الخطبة بعنوان لمحات من رحمة رسول الله ﷺ ورفقه، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 22 ذو الحجة 1445هـ الموافق 28 يونيو 2024م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يصف القرآن النبي بأوصاف عظيمة مثل كونه رسولا من أنفسهم ورءوف رحيم. يُظهر الله تعالى منة إرساله للنبي لهداية المؤمنين وتعليمهم.
كان النبي شديد الحرص على أمته ويشق عليه تعذيبها، وقد بين الله له أنه لن يعذبها وهو بينهم. كما بينت الأحاديث النبوية اهتمامه بأمر أمته.
النبي حريص على أمته ويحذرهم من الشر ويبين لهم الخير، وكان رحيما بهم حتى بالكفار. يدعوهم ويرحمهم ويجهد نفسه في ذلك.
المقطع يتضمن دعاء لله تعالى أن يجعل الداعي من أهل جنة الفردوس ويحظى برضوانه. يقدم الداعي الحمد لله رب العالمين قبل الدعاء.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعود بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المؤمنون عباد الله، يقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. في هذه الآية، عباد الله، ربنا جل وعلا يصف نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام، ويصفه بهذه الأوصاف العظيمة. لقد جاءكم رسول من أنفسكم، أي منكم تعرفونه وتعرفون نسبه وتعرفون أخلاقه، فقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام معروفا في قريش ومعروفا في مكة، كان يسمى بالصادق الأمين عليه الصلاة والسلام. فهذا الاسم قد عرف به، أو هذه الصفة قد عرف بها نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه صادق، وكذلك مع صدقه فهو أمين عليه الصلاة والسلام. لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم، وهذه صفة من الصفات العظيمة التي كانت في رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال عزيز عليه ما عنتم: أن يعز عليه ويشق عليه صلوات الله وسلام عليه ما يشق على أمته صلوات الله وسلام عليه، فهو رحيم كما وصفه الله عز وجل. قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. وأيضا في الآية التي تلوناها آنفا، قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. فهو عليه الصلاة والسلام بعثه الله عز وجل رحمة للعالمين كما قال ربنا جل وعلا واصفا النبي بهذه الصفة العظيمة، فهو رحمة للعالمين جميعا، ولهذه الأمة خاصة رحمة بهذه الأمة عظيمة. يشق عليه، وكذلك أيضا يجد في نفسه، وأيضا كذلك يبخع نفسه كما قال الله عز وجل فيه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾، أي إذا لم يؤمنوا فلا تبخع نفسك ولا تقلق نفسك ولا تحزن نفسك عليهم. وقال الله عز وجل: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾. فكان نبينا عليه الصلاة والسلام يشق عليه أن تعذب هذه الأمة، ولهذا من كرامة الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام أنه قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. أخرج الإمام مسلم رحمه الله عن عبد الله بن عمر ابن العاص رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قام النبي عليه الصلاة والسلام ليلة، ثم قرأ قول الله جل وعلا على لسان عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وقرأ قوله جل وعلا على لسان إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فبكى عليه الصلاة والسلام بعدما قرأ قول عيسى وقول إبراهيم أنبياء الله جل وعلا في أقوامهم، فبكى عليه الصلاة والسلام بكاء شديدا حتى خضلت لحيته، حتى خضلت الأرض من كثرة بكاء عليه الصلاة والسلام. فأرسل الله عز وجل جبريل إليه عليه الصلاة والسلام، وربه أعلم به، فقال: يا جبريل، قل لمحمد ما الذي يبكيك وربه أعلم به. فجاء جبريل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا محمد، إن ربك يقول لك ما يبكيك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أمتي، أمتي. فقال الله عز وجل لجبريل: قل لمحمد إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءهم. أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، وأخرجه البخاري عن جابر بن عبد الله أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا، فجعل الجراد والأجاذب يقعن فيها، وهو يذبهن عنهن». قال عليه الصلاة والسلام: «وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تتفلتون من يدي». نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حريص علينا ألا نقع في النار، فيبين لنا الخير ويحذرنا من الشر عليه الصلاة والسلام. بل كان يجهد نفسه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك. أخرج البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مثلي ومثلكم كمثل رجل نادى في قومه فقال: يا قومي، إن الجيش مصبحكم، وأنا النذير العريان». فكان يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ومثلكم كمثل رجل أنذر قومه حتى أنه صار كالنذير العريان ينادي فيهم إن الجيش مصبحكم». فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يجعلنا من أتباع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أن نكون من الناجين بطاعته صلوات الله وسلام عليه. والحمد لله رب العالمين. أما بعد، أيها المؤمنون عباد الله، فها قد سمعنا ما وصف الله عز وجل به نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من تلك الرحمة المهداة، الرحمة العظيمة التي يشق عليه صلى الله وسلم عليه أن تقع هذه الأمة في المشقة والعنت أو أن تقع في العذاب. فها ذلك الرجل الذي دخل المسجد فبال في المسجد، فقام عليه الصحابة، فقال عليه الصلاة والسلام: «دعوه ولا تزرموه». ثم قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من هذا، إنما هي للصلاة ولقراءة القرآن ولذكر الله». حتى رفق به صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: إن يهوديا مر على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأنا عنده، فقال: يا محمد، السام عليكم. فقالت عائشة: وعليكم السام واللعنة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما هي يا عائشة؟». قالت: ألم تسمع ما قال؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألم تسمعي ما قلت؟ إنه يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا». فكان عليه الصلاة والسلام كما وصفه ربه جل وعلا بالرأفة والرحمة صلوات الله وسلام عليه. وكان أيضا كذلك عليه الصلاة والسلام رحيما رحمة عظيمة بكل مسلم، بل حتى بالكفار كان يدعوهم ويرحمهم. فنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من أهل جنته جنة الفردوس، أن يجعلنا جل وعلا من أهل جنته ورضوانه سبحانه وتعالى. والحمد لله رب العالمين.