كتاب النكاح من صحيح البخاري 74

كتاب النكاح من صحيح البخاري 74

الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 74، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

سند حديث «لو دعيت إلى كراع» واختلاف ألفاظه

يذكر البخاري إسناد الحديث من عبدان وأبي حمزة السكري والأعمش وأبي حازم عن أبي هريرة مع تفصيل رجاله. ويبين اختلاف الروايات بين لفظ «لأجبت» و«لقبلت» في سياق الدعوة إلى كراع.

تواضع النبي صلى الله عليه وسلم في قبول الدعوة والهدية

يوضح المقطع تواضع النبي بقبول دعوة بسيطة إلى كراع وقبول الهدية لتأليف القلوب وإزالة السخيمة. كما يميز قبوله الهدايا ممن لا يمنون وحتى من الكفار لمصلحة التأليف.

آداب الدعوة إلى الطعام وقبول الهدايا وتبادلها بين الجيران

يبيّن أن إجابة الدعوة مستحبة وتقوي المحبة بشرط صدق النية، مع مراعاة آداب الاعتذار عند الحاجة. ويحث على قبول الهدية مهما صغرت وعدم احتقارها، ويوصي بالتهادي بين الجيران والإخوة كروابط عظيمة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب من دعي إلى كراع». قال: حدثنا عبدان، وهو عبدالله بن عثمان بن جبلة المروزي. قال: ذكر ابن عساكر في رحلته أنه كان في مسجد في منطقة من مناطق خراسان، فكان يكتب في المسجد، فدخل عليه رجل ليس لهيئة أهل العلم. قال: فرآني أكتب، فقال لي: أتدري لماذا سمي عبدان؟ فقلت: أستفيد من الشيخ. فقال: حدثنا شيخنا سعد بن علي الزنجاني أن عبدان سمي عبدان لأن اسمه عبدالله، وكنيته يكنى بأبي عبدالرحمن، فقال له عبدان: «عبدان». وهو مروزي من أصحاب عبدالله بن المبارك. عن أبي حمزة، وأبو حمزة هو محمد الميمون الذي يلقب بأبي حمزة السكري، محمد بن ميمون السكري المروزي. وقيل له: سكري، لأن كلامه مثل السكر، معناه حلو، كان كلامه يعط، فيجلس الناس لوعظه لحلاوة كلامه وحلاوة وعظه، فسمي بالسكري. قال عبدالله بن المبارك: لما قيل له: من الجماعة؟ قال: أبو بكر وعمر. قال: قد ماتا. قال: فلان وفلان. قال: قد ماتا. قال: الحسن بن علي وأبو حمزة جماعة. والحسن بن علي بن شقيق جماعة. عن الأعمش، وهو سليمان بن مهران، والأعمش كان يلقب بالمصحف لكثرة حفظه. عن أبي حازم، وهو سليمان الأشجعي. أبو حازم في هذه الطبقة: من كان يروي كثيراً، أبو حازم الذي يروي عن أبي هريرة وهو هذا. وأبو حازم فقيه المدينة الذي يروي عن سهل بن سعد الساعدي، فهذاك أبو حازم يروي عن سلمة بن دينار، عن سهل بن سعد الساعدي. وأبو حازم الذي يروي عن أبي هريرة هو سليمان الأشجعي. قال: عن أبي حازم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع لقبلت». وهذا الحديث جاء أيضاً بلفظ: «لو دعيت إلى كراع لقبلت»، وجاء: «لأجبت». أنا في بعض روايات البخاري من طريق شعبة قال: «لو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت». وفي هذا اللفظ قال: «لو دعيت إلى كراع»؛ ما ندعاني إنسان إلى كراع. والكراع هو العظم الذي يكون أسفل الرجل، أسفل رجل الشاة أو الحيوان، فهذا الكراع الذي ليس فيه لحم. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو دعيت إلى كراع لأجبت». ودل هذا الحديث على: أولاً تواضعه صلوات الله وسلامه عليه، وأيضاً كذلك يدل على أنه يقبل الدعوة صلوات الله وسلامه عليه، ويقبل الهدية إذا لم يكن فيها منّة. فإن النبي عليه الصلاة والسلام لما وجد الناس يهدون ويمنون، قال كما في البخاري: «لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قرشي أو أنصاري أو دوسي»؛ إلا من قرشي أو أنصاري أو دوسي، لأن الأعراب كانوا يأتون يهدون ويريدون إثابة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يثيبهم أكثر مما يهدون. كان النبي كما جاء في حديث عائشة في البخاري: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها، فكانت الأعراب يهدون لأجل أن يثيبهم النبي عليه الصلاة والسلام، فلهذا قال: «لقد هممت»؛ يعني لم يفعل لكن همّ، قال: «لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قرشي أو أنصاري أو دوسي». أو جاء فيه رواية: «أو ثقفي أو دوسي». وأيضاً في هذا الحديث أيضاً فيه أن العالم والإمام يقبل الهدية ولو كانت يسيرة لأجل تأليف قلوب الناس، وكذلك يجيب دعوتهم. كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا دعاه أحد أجاب دعوته. وأيضاً فيه أن الهدية أيضاً لها أثر في ترابط المسلمين وتوادهم، فالهدية كما جاء في الحديث: «تسل سخيمة القلب» عن الأشياء التي في القلب تسلها الهدية. فلهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية حتى من كافر، إذا أهداه كافر قبلها. فكان بعض الملوك من الكفار يهدونه هدايا فيقبلها عليه الصلاة والسلام. وكذلك الدعوة إلى الطعام أيضاً من الأمور التي تربط المحبة بين الناس، فإن الإنسان إذا دعا أخاه فأجابه يفرح، يفرح إذا كان عن نية الدعوة؛ يريد أن يريد من هذا أن يأتي إليه، وليس أنه فقط يريد مثل العادة، مثل الآن عندنا مثل العادة يقول: تفضل، أو تعال عندي، أو كذا، ويريد فقط من باب العادة وهو في نفسه لا يريده أن يأتي، فهذا خطأ. لكن إذا أراد الإنسان أن يدعو أخاه يدعوه وهو يريد منه أن يأتي، فإذا أتى فرح بإتيانه، فرح بإتيانه إليه. وهذا كما أيضاً فيه من باب التعارف والمحبة والارتباط. وقال بعض أهل العلم: أن إجابة الدعوة كما تقدم لا يشترط أن يأكل، لا يشترط أن يأكل لكن يجيبه. فلهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دعا أحدكم أخاه فليجب، فإن كان صائماً فليصلِّ، وإن كان مفطراً فليأكل». أو قال: «إن كان مفطراً فليأكل أو فليطعم، وإن كان صائماً فليصلِّ معنا، يدعو له، يدعو لصاحب الوليمة». فالمقصود هو الدعاء له وكذلك إجابة دعوته وإن لم يأكل. ولكن إذا كان من باب الإكرام يكرمه ويتحبب إليه فيأكل طعام، حتى لا يظن فيه ظناً سيئاً أو كذا، أو أنه يعتذر إليه لماذا لم يأكل مثلاً، يكون صائماً أو أنه لا يأكل مثل هذا الطعام لمرض عنده أو كذا فيعتذر إليه. وإن كان مثلاً هذا الطعام لا يضره وهو مفطر فالأولى من باب التحبب إلى هذا الذي دعاه أنه يأكل من طعامه. وأيضاً فيه كما تقدم أن الإنسان المسلم المتواضع يقبل الهدية ولو كانت يسيرة، يقبلها من صاحبه، من جاره، من أخيه. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام حث نساء المسلمات: «يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة». أو قال: «لا تحقرن جارة أن تهدي لجارتها ولو فرسن شاة». عن العظم الصغير الذي يكون في مقدمة الرجل، وقيل أنه في مؤخرة العقب، هذا العظم الصغير. لا تحتقر، لا تحقرن، بل تهديه. فالهدية بالشيء اليسير وبالشيء الكثير فهي مقبولة. الهدية يكون لها كما يقال طعم آخر حتى ولو كانت شيئاً يسيراً. فلهذا حث النبي صلى الله عليه وسلم الجيران أن يتهادوا، تعطي جارة جارتها من طعامها. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي ذر: «يا أبا ذر، إذا طبخت مرقاً فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك». فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك. فمن الأمور العظيمة أن يتعاهد الجيران بينهم بالهدايا والتبادل، وكذلك أيضاً الإخوة والأصدقاء، فإن هذا من الروابط العظيمة. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلى وأعلم.