الدرس في كتاب البيوع 124، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبرأ ذمة المدين إذا أبرأه الدائن بلفظ الإحلال أو الهبة أو الصدقة حتى دون قبول المدين، وهو قول الجمهور والمختار من مذهب أحمد. شبه العلماء ذلك بهبة الأعيان التي لا تشترط القبول، مع وجوب أن يكون المعطى مما يصح بيعه أو اقتناؤه.
يجب على الوالدين العدل بين الأولاد في العطية والهبة للذكر مثل حظ الأنثيين استناداً لحديث النعمان بن بشير، وذهب الجمهور للوجوب بينما رأى الشافعي ومالك الاستحباب. فصل المذهب الحنبلي في إعطاء الذكر كالميراث، مقابل التسوية المطلقة عند الشافعي، مع جواز التفضيل لعارض حاجة كمرض أو علم ووجوب التسوية لاحقاً إن وقع تفضيل محرم.
يوضح المقطع التطبيق العملي للعدل بأن من أعطى أحد أولاده مئة ألف والذكور الآخرين خمسين ألفاً، يلزمه إما استرداد الزيادة أو إكمال نصيب الباقين لتحقيق التسوية. وينهي المتحدث بيانه عند هذا الحد موضحاً سبيل تصحيح المخالفة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ومن أبرأ غريمه من دينه بلفظ الإحلال أو الصدقة أو الهبة ونحوها برئت ذمته، ولو لم يقبل». معنى ذلك: لو كان مثلاً في ذمة شخص لآخر مئة ألف، فقال له الدائن: «قد أبرأت ذمتك من هذا الدين»، فلا يشترط هنا القبول من الغريم، أي: المدين. بل تبرأ ذمته ولو لم يقبل. مثال ذلك: أحياناً من باب الأخوة أو الصداقة، يقول الدائن: «خلاص، هذا الدين أبرأتك»، فيقول المدين: «لا، هذا دين عليّ سأعطيك إياه»، فيقول الدائن: «خلاص، أبرأتك». فعند أحمد هنا يلزم وإن لم يقبل، أي: لا يشترط قبول الغريم. وهناك قول آخر في المسألة، وهو أيضاً قول في مذهب أحمد. والقول الأول هو قول الجمهور، والقول الثاني: أنه لا يجبر على القبول، لأن إجباره على القبول إجبار على أن يكون تحت منة غيره. وقالوا أيضاً: إن هذا هبة ديون وأوصاف، فأشبهت هبة الأعيان والأموال. معناه: مثل الذي يعطيك مالاً ويقول لك: «هذا هبة»، فالذي يبرئك من الدين معناه كأنه أعطاك هبة. ولا شك أن الذي يعطي هدية وهبة لا يشترط قبوله لها، ولا تدخل في ملكه حتى يرضى. فكذلك قالوا في هبة الديون. وهذا تعليل صحيح، اختاره الشيخ السعدي رحمه الله، الشيخ ابن عثيمين، لعدم الفرق بين هبة الديون وهبة الأعيان. وقالوا: وتجوز هبة كل عين تُباع، وكلب يُقتنى. أن كل عين صح بيعها تجوز هبتها، وما لا يصح بيعه لا تصح هبته. مثل: الوقف، لا يصح بيعه، كذلك لا يصح هبته. وهذا إذا كان بيعه فيه نقل يد، أن ينقل يده عن هذا إلى آخر. وأما إذا كان لمعنى آخر، مثل عدم ماليته، فلا يصح هبته. مثل: الكلب الذي يُقتنى، فإنه نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعه، لكن يجوز اقتناؤه، فيصح هبته. وقال بعضهم: العلم كذلك، هو قول عند الحنابلة أنها لا تصح، لأنه لا يباع، وليس هناك نص أو دليل على أن كل ما بيع جازت هبته، وكل ما لا يباع لا تجوز هبته. فإذا صحت الهبة عن الاقتناء، اقتناء الكلب يصح، أنه يقتني كلباً لا يشتريه لكن يقتنيه، يأخذه من مكان ويربيه، فما دام يصح الاقتناء صح الهدية. ويجب التعديل في عطية أولاده. هذا فصل طيب إن شاء الله، ونأخذ هذه المسألة حادثة. قال: «ويجب التعديل في عطية أولاده بقدر إرثهم». معناه: يجب على الوالد، على قول الجمهور، سواء كان أباً أو أماً، التعديل في عطية أولاده بقدر إرثهم. معناه: للذكر مثل حظ الأنثيين. إذا أعطى أولاده هدية، سواء كان الأب أو الأم، أن يعدلوا بين أولادهم في أصل هذه العطية، لا يختص أحد الأولاد بعطية دون بقيتهم. وهذا لما جاء في الصحيحين عن النعمان بن بشير أن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله، إني نحلت ابني هذا نحلة». والنحلة: العطية، الهبة. جاء في بعض الروايات أنه غلام. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أفعلت هذا بولدك كلهم؟» فقال: لا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم». قال النعمان: فرجع أبي فرد تلك الصدقة. وفي رواية في البخاري: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لا أشهد على جور». وفي مسلم جاءت رواية: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أشهد على هذا غيري». وجاء في رواية أنه قال: «سرك أن يكون لك في البر سواء؟» قال: بلى. قال: «فلا إذن». فقولهم: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» يدل على وجوب العدل بين الأولاد، وأن تركه جور وظلم. وهذا يدل على أنه لابد من العدل. وذهب الشافعي ومالك إلى استحباب العدل بين الأولاد في العطية، واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أشهد على هذا غيري». وهذا الاستدلال ليس صحيحاً، لأن هذا من باب: «مثل هذا لا أشهد عليه»، ليس أن المراد أن تشهد غيرك عليه، وإنما أنا لا أشهد على مثل هذا لأنه جور وظلم. فلذلك الصحيح هو مذهب الحنابلة: أن يجب العدل بين الأولاد في العطية. واختلف هنا، وذكر المؤلف هنا أن العدل هو مثل ما يكون في الميراث: للذكر مثل حظ الأنثيين. وهذا أيضاً مذهب أحمد: أن يعطى الذكر مثل حظ الأنثيين. قال أحمد: هذا العدل الذي ذكره الله عز وجل في المواريث. والشافعي رحمه الله يقول: إن العدل هو التسوية، واستدل برواية: «ألا سويت بينهم». وتحمل على العدل: «ألا سويت بينهم»، أي: المراد التسوية في أصل العطية. فلذلك فالعدل عند أحمد كما قلنا: إعطاء الذكر مثل حظ الأنثيين. وهذا أولى، أن هذا هو العدل الذي ذكره الله. وهنا المؤلف أطلق الكلام، أن ظاهر كلامه: لو كان هناك معنى يقتضي التخصيص، كأن يكون مثلاً بعض ولده فيه زمانة، فيه مرض، أو جنون، أو عمى، أو له اشتغال بعلم أو دعوة أو غير ذلك مما يقتضي تخصيصه بالعطية، فهناك أيضاً قول عن الإمام أحمد أنه لا بأس أن يعطي إذا كان لشيء مخصص. إذا كان هناك شيء مخصص يجوز التفضيل في العطية. مثلاً: طالب العلم يعطيه مالاً لأجل أن يشتري كتباً، كذا. وهذا هو الصحيح الذي رجحه ابن قدامة وغيره. وهذا أيضاً من باب التفضيل الذي ذكره الله عز وجل بين الذكر والأنثى، وهذا لا ينافي العدل، أنه يعطى من يستحق أكثر من غيره، أو يخص بشيء، لا بأس. قال: «فإن فضل بعضهم سوي بينهم برجوع أو زيادة». معناه: إذا فضل بعض أولاده تفضيلاً مما نهي عنه، يجب عليه أن يسوي بينهم، إما بأن يرجع في صدقته وعطيته، وإما أن يعطي الآخر مثله أو يزيده حتى يسوي بينهم. مثلاً: أعطى أحد أولاده مئة ألف، وأعطى الآخرين خمسين ألفاً من الذكور، فهنا إما أن يرجع الخمسين، أو يعطي هؤلاء الخمسين ألفاً الأخرى. طيب، إن شاء الله أكتفي بهذا.