الدرس في كتاب الصلاة 13، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
صلاة الجمعة واجبة على المسلمين بالكتاب والسنة والإجماع، ولها شروط محددة. اختلف العلماء في كونها واجبة عينا أو كفائيا.
تجب الجمعة على المسلم الذكر البالغ العاقل الحر المقيم، ولها شروط مثل إقامتها في قرية وفي وقتها وتقدمها بخطبتين. لا تجب على الكافر والمرأة والصبي والمجنون والعبد والمسافر.
يستحب تقصير الخطبة وتعدد الجمعة في المدينة الواحدة، ويستحب أن يخطب الإمام على منبر. يجب الإنصات للخطيب، ويشرع لمن دخل أثناء الخطبة أن يصلي ركعتين.
يجوز للإمام أن يخطب بلغات مختلفة إذا كان الحاضرون لا يفهمون العربية، تيسيرا عليهم لفهم الخطبة والاستفادة منها.
بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الإمام السعدي رحمه الله في كتابه "منجاة السالكين": باب صلاة الجمعة. قال: وكل ما لزمته الجماعة لزمته الجمعة إذا كان مستوطنا ببناء. ومن شرطها فعلها في وقتها، وأن تكون بقرية، وأن يتقدمها خطبتان. وعن جابر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: "صبحكم ومساكم". ويقول: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة". رواه مسلم. وفي لفظ له: "كانت خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه، ثم يقول على إثر ذلك وقد علا صوته". وفي رواية قال: "ومن يهد الله فهو المهضل، ومن يضلل فلا هادي له". وقال: "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه". رواه مسلم إلى آخر ما ذكر رحمه الله في هذا الباب. قال: باب صلاة الجمعة. وعلمنا أن الباب في اللغة ما يدخل ويخرج منه، والمراد به ما شمل جملة من العلم. فقوله "باب صلاة الجمعة" أي هذا الباب أو المدخل إلى ذكر شيء من أحكام صلاة الجمعة. والجمعة أو يوم الجمعة يوم عظيم من أيام أهل الإسلام، بل يعتبر عيدا أسبوعيا للمسلمين. في حديث ابن عباس لما قال له يهودي: "لو أنزلت علينا هذه الآية ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأكملت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ لاتخذنا ذلك اليوم عيدا". فقال ابن عباس: "أما إني أعلم متى نزلت وأين نزلت، أنزلت في يوم عيدين: يوم جمعة ويوم عرفة". والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لقد أضل الله أهل الكتاب عن يوم الجمعة، فكان لليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد، فهدانا الله إلى يوم الجمعة". رواه مسلم. فاختص الله عز وجل أهل الإسلام بهذا اليوم العظيم، وكان يسمى في الجاهلية بيوم العروبة. وصلاة الجمعة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع. فالله عز وجل يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾. أمر الله جل وعلا بالسعي إليها، والأصل في الأمر أنه للوجوب. وهكذا أيضا في حديث أبي هريرة في مسلم قال: النبي صلى الله عليه وسلم "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم". فيدل هذا على وجوب صلاة الجمعة. وأيضا في حديث طارق بن شهاب في السنن: "يوم الجمعة أو صلاة الجمعة حق واجب في جماعة على كل مسلم إلا أربعة: الصبي والمرأة والمملوك والمريض". وأجمع أهل العلم على وجوب صلاة الجمعة. واختلف العلماء هل هذا الواجب أو هذا الوجوب هو وجوب كفائي؟ هل هو وجوب كفائي أو وجوب عيني؟ والصحيح أنه واجب عيني. فتجب الجمعة على كل مسلم ذكر عاقل بالغ حر مقيم. فقولنا "على كل مسلم" خرج به الكافر، فلا تجب على الكافر لأن الكافر لا تقبل منه الواجبات والفرائض إلا بالإسلام. وقولنا "ذكر" خرج به المرأة، فلا تجب الجمعة على المرأة لحديث طارق بن شهاب "إلا امرأة". والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تمنع إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن". وقولنا "ذكر بالغ" خرج به الصبي، فالصبي لا تجب عليه الجمعة كما في حديث طارق بن شهاب. وأيضا في حديث ابن عمر وعائشة: "رفع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم الصبي حتى يبلغ". وكذلك أيضا المجنون، فلا تجب الجمعة عليه. وتجب على العاقل، فيخرج بذلك المجنون، فلا تجب عليه الجمعة. وفي حديث ابن عمر وعائشة: "رفع القلم عن ثلاثة، والمجنون حتى يعقل". وكذلك أيضا تجب على الحر، فخرج بذلك المملوك، فالعبد المملوك لا تجب عليه الجمعة لحديث طارق بن شهاب المذكور. وقولنا "مقيم" خرج به المسافر، فالمسافر لا تجب عليه الجمعة. والدليل على ذلك هو فعل النبي عليه الصلاة والسلام، أن النبي صلى الله عليه وسلم سافر عدة مرات ولم يذكر أنه جمع أو صلى الجمعة بمن معه. قال: كل من لزمته الجماعة لزمته الجمعة. ومن الذي تلزمهم الجماعة؟ كما ذكرنا: كل مسلم ذكر بالغ عاقل حر مقيم. هؤلاء الذين تلزمهم الجماعة، فتلزمهم الجمعة. قال: إذا كان مستوطنا ببناء. إذا كان مستوطنا ببناء يعني إذا كان مقيما في قرية أو مدينة وقد بنى له بيتا. فهذا تجب عليه الجمعة. فخرج بذلك من لم يكن مستوطنا كحال البدو الرحل الذين يتنقلون من موضع إلى آخر تبعا للماء والرعي. قال: ومن شرطها فعلها في وقتها. أي من شرط صلاة الجمعة حتى تصح أنها تصل في وقتها. فالله عز وجل يقول: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾. ووقتها هو وقت زوال الشمس ووقت صلاة الظهر. قال: وأن تكون بقرية. نعم، أن تكون صلاة الجمعة في قرية ولو قرية صغيرة فيها مساكن وبيوت. فهؤلاء يجب عليهم أن يصلوا الجمعة. ويدل على ذلك ما جاء في البخاري أن أول جمعة أقيمت بعد جمعة النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد عبد القيس بجواثى البحرين. قالوا: أن يتقدمها خطبتان. يعني يشترط لصحة الجمعة أن يخطب قبلها خطبتان. وهذا قول جمهور أهل العلم. وهو قول أحمد والشافعي وغيرهما. بل قال الإمام القديم رحمه الله: "لا نعلم فيه خلافا". وإن كان فيه خلاف يسير نقل الخلاف عن الحسن البصري رحمه الله. وعن جابر رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش. هذا فيه أنه يسن في الخطبة أن يرفع الخطيب صوته بالخطبة حتى يسمع الحاضرين. ويقول: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة". يعني يستحب البدء بالخطبة بالحمد والثناء على الله جل وعلا، وبتخبة الحاجة كما في هذا الحديث. وقال: "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه". رواه مسلم عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما. ففي استحباب تقصير الخطبة أن تكون الخطبة قصيرة، ويحرص الخطيب على الإتيان بجوامع الكلم. هنا مسألة تتعلق بالجمعة، وهو هل يشرع تعدد الجمعة؟ يعني أن تقام في القرية الواحدة أكثر من جمعة أو في المدينة الواحدة أكثر من جمعة؟ اختلف أهل العلم في ذلك. فمن أهل العلم من أجاز ذلك وتساهل في الجواز. ومنهم من شدد ومنع. وهناك من توسط فقال: الأصل أنه لا يجوز، لكن إذا وجدت حاجة فلا بأس. وهذا هو الصحيح. ويستحب أن يخطب على منبر. حتى يرتفع عليه فيراه الناس، ويكون ذلك أبلغ في وعظهم وإرشادهم. وهذا هو هدي النبي عليه الصلاة والسلام. فإذا صعد أقبل على الناس فسلم عليهم. ورد فيه حديث لكنه لم يصح. ثم يجلس، ويؤذن المؤذن. يعني بعد أن يسلم على الناس يجلس، ويقوم المؤذن فيؤذن. وهذا هو الأذان المشروع الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. ثم يقوم فيخطب. بعد أن يفرغ المؤذن من الأذان يقوم الخطيب فيخطب الناس. وقول "ثم يقوم" يدل على أن المشروع هو أن يخطب قائما. ثم يجلس. يعني بعد الخطبة الأولى يفصل بين الخطبتين بجلوس. لحديث جابر وغيره. وهذا الجلوس سنة في قول أكثر أهل العلم. وذهب الإمام الشافعي رحمه الله إلى الوجوب. ثم يخطب الخطبة الثانية. بعد أن يقوم من الجلسة بين الخطبتين يأتي بالخطبة الثانية. وإذا انتهى وفرغ من الخطبة الثانية تقام الصلاة. ثم تقام الصلاة. أي مباشرة بعد الفراغ من الخطبة. فيصلي بهم ركعتين. فصلاة الجمعة هي ركعتان كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولا بد أن تصلى في جماعة. ويستحب لمن أتى الجمعة أن يغتسل ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه ويبكر إليها. وفي الصحيحين: "إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب، فقد لغوت". فيه الأمر بوجوب الإنصات للخطيب يوم الجمعة. ودخل رجل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال: "صليت؟" قال: "لا". قال: "قم فصلي ركعتين". متفق عليه. فيه مشروعية صلاة ركعتين في أثناء الخطبة إذا دخل المسلم والإمام يخطب. وينبغي أن لا يتخطى رقاب الناس إذا جاء المسلم متأخرا. لا يتخطى رقاب الناس حتى يتقدم. فهذا قد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. إذا اجتمعت الجمعة والعيد في يوم واحد، فنقول: من شهد العيد سقط عنه وجوب الجمعة. ومن لم يشهد العيد وجب عليه أن يصلي الجمعة. هل يجوز أن يخطب الخطيب بغير العربية؟ لا شك أن الأفضل والأكمل أن تكون الخطبة باللغة العربية. لكن إذا كان الحاضرون لا يفهمون العربية، فلا بأس أن يخطبهم بلغتهم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.