كتاب الصيد والذبائح 4

الدرس في كتاب الصيد والذبائح 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أحكام الذبح والتسمية

يتناول هذا الفصل آراء الفقهاء حول حكم التسمية عند الذبح وأدلتهم من القرآن والسنة، حيث اختلفوا بين اعتبارها مستحبة أو شرط لصحة الذبيحة. يشرح أيضاً أحكام الأضحية والشروط الواجب توافرها فيها.

سنن الأضحية وأحكامها

يشرح هذا الفصل سنن الأضحية مثل استقبال القبلة والتكبير والدعاء عند الذبح، ويوضح أحكام الأضحية المنذورة والمستحبة، ويبين أنه لا يجوز بيع شيء من الأضحية حتى الجلد، ويستحب التصدق ببعضها.

العقيقة وآداب تسمية المولود

يتناول هذا الفصل أحكام العقيقة ومستحبّاتها، مثل عدد الشاة التي تذبح عن الغلام والجارية، ويشرح أهمية اختيار اسم حسن للمولود لما له من أثر عليه، مستنداً إلى ما ورد في السنة النبوية من أسماء محببة إلى الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. قال قاضي أبو شجاع الأصفاني رحمه الله في كتابه المسمى "متن الغاية والتقريب" المعروف بـ "متن أبي شجاع": قالوا: يستحب عند الذبح خمسة أشياء: التسمية، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، واستقبال القبلة، والتكبير، والدعاء بالقبول. ذكر هنا ما يستحب عند الذبح، فذكر أنه يستحب خمسة أشياء. أولها التسمية، يستحب أن يسمي الله، واستدلوا بقول الله عز وجل: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، ومن فعل النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أنس أنه سمى وكبر، أي قال: "بسم الله والله أكبر". وهذا القول هو قول الإمام الشافعي رحمه الله، ورواية عن أحمد. وإن رواية عن مالك أن التسمية في الذبيحة مستحبة، وعلى هذا القول فإن تركها ناسيًا أو عمدًا لم يضر في حل الذبيحة. إذا تركت تسمية عمدًا أو نسيانًا فلا تحرم الذبيحة. هنا قول آخر: أن التسمية في الذبيحة شرط، أن التسمية في الذبيحة شرط لا تحل الذبيحة إلا بها. وهذا القول هو قول ابن عمر، ونافع، وابن السيرين، ورواية عن مالك وأحمد، وهو قول داود الظاهر أيضًا. واستدلوا بالآية: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، وبحديث رافع بن خديج في قول عليه الصلاة والسلام: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا". فمنطوق الحديث يدل على مشروعية أكل الذبيحة إذا ذكر اسم الله عليها وخرج منها الدم. ومفهوم المخالفة أن ما لم يذكر اسم الله عليه وما لم ينهر منه الدم فلا تأكلوا. وكذلك أيضًا في حديث الأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتسمية عند الصيد، حديث "عدي بن حاتم" يدل كذلك على وجوب التسمية. هنا قول ثالث بالتفصيل: قول ثالث في التفصيل، وهو أنه تحرم إن تركت عمدًا وتحل نسيانًا، وهو قول إمام مالك وأحمد وأبي حنيفة. والقول الثاني هو الأظهر، وهو أن التسمية شرط؛ لأن الله عز وجل جعلها شرطًا في حل الذبيحة، قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، يعني ما ذبح ولم يذكر اسم الله عليه فإنه فسق لا يحل أكله. وأيضًا الحديث ظاهر في الشرطية: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكلوا". وأما استدلال من قال بالاستحباب بحديث عائشة في الصحيح أنها قالت: "إن ناسًا يأتون لنا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فسموا عليه وكلوا". فهذا لا يدل على عدم شرطية التسمية، وإنما فيه أن الأصل أنه يحمل عمل المسلمين على السلامة أنهم يسمون، وإذا شك إنسان في اللحم الذي جاء هل سمى ذابحه أم لا؟ فيسمي ويأكل. أما إذا علم وتيقن أنه لم يسمِ لم يحل له أن يأكل. النبي صلى الله عليه وسلم ما أحل ذبيحة أو صيد الصائد إذا أرسل الصيد ولم يذكر اسم الله، أو ذكر اسم الله عليه ووجد معه كلب آخر، قال: "إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر". لو كانت التسمية مستحبة وليست بشرط، إذا ما المانع أن يأكل هذا الصيد الذي أرسل له كلبه ووجد كلب آخر؟ وانظر النبي صلى الله عليه وسلم جعل العلة في عدم حله كونه ماذا؟ كونه سمى على كلبه ولم يسم على كلب الآخر، قال: "إنما سميت على كلبك ولم تسم على كلب الآخر". إذن تسمية شرط، ما تحل الذبيحة ولا الصيد إلا بها، ليست مجرد يعني مستحبة. لو كانت مستحبة لحل هذا الصيد لكونه سمى على كلبه والتسمية مستحبة ليست بشرط. هذا يدل على أن تسمية شرط لا تحل الذبيحة إلا بها. وحديث عائشة لا ينافي اشتراط التسمية، نعم إنما فيه أن الإنسان يسمي إذا جاءه لحم ولا يدري هل سمى ذابحه أم لا؟ فيسمي ويأكل، لكن إذا علم إذا جئ له بلحم وقيل له هذا اللحم ذبحه الذابح ولم يذكر اسم الله، ما جاز له أن يأكله، ما يكفي أن يقول بسم الله ويأكل. واضح. نعم في مثل هذه الحال لا يحل؛ لأنه علم أن هذه الذبيحة لم يذكر اسم الله عليها، إذن التسمية واجبة أو نقول شرط لحل الذبيحة. قال: والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. نعم، أما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تحتاج إلى دليل على استحباب يعني الصلاة عند الذبح، وإنما الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم التسمية والتكبير والدعاء. وصلاة عبادة تحتاج إلى دليل. قال: واستقبال القبلة. نعم، يستحب استقبال القبلة عند الذبح كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في ذبح الهدي في حجة الوداع. استدل بهذا أهل العلم على استحباب توجيه الذبيحة إلى القبلة عند ذبح وليس بشرط لكن مستحب. قال: والتكبير، يعني يقول: "بسم الله والله أكبر". التكبير مستحب لفعله عليه الصلاة والسلام حين ذبح قال: "بسم الله والله أكبر". قال: والدعاء بالقبول "اللهم تقبل مني، اللهم هذا منك وإليك تقبل مني". فالنبي صلى الله عليه وسلم لما ذبح قال: "بسم الله اللهم تقبل من محمد آل محمد ومن أمة محمد". هذه كلها مستحبة: التكبير، استقبال القبلة، الدعاء. وأما التسمية فالصحيح أنها شرط. قال: ولا يأكل المضحي شيئًا من الأضحية المنذورة، ويأكل من الأضحية المتطوع بها. المتطوع بها، ولا يبيع من الأضحية، ويطعم الفقراء والمساكين. يقول: لا يأكل المضحي شيئًا من الأضحية المنذورة، لو قال: "الله علي أن أضحي هذه السنة" أن أضحي هذه السنة صارت الأضحية واجبة بالنذر، صارت واجبة عليه بالنذر. فيقول: هذه الأضحية المنذورة لا يأكل منها شيئًا، بل يتصدق بها كلها إذا أوجبها على نفسه. والصحيح أنه يجوز أن يأكل، الصحيح أنه يجوز أن يأكل منها حتى لو أوجبها على نفسه، هذا لا يمنع أن يأكل منها، له أن يأكل منها ويتصدق ويهدي، ولا دليل يدل على المنع. ويأكل من الأضحية المتطوع بها هذا ظاهر، لا إشكال فيه إذا لم يوجبها على نفسه فهي مستحبة، له أن يأكل منها. والنبي صلى الله عليه وسلم لما ذبح الهدي أمر من كل واحدة بقطعة، وكل منها عليه الصلاة والسلام. قال: ولا يبيع من الأضحية، يعني لا يبيع منها شيئًا؛ لأنها تعتبر كالوقف، لا يجوز أن يبيع منها شيء حتى جلدها، لا يجوز بيعه. في حديث علي رضي الله عنه في الصحيحين قال: "أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه وأمرني أن لا أعطي الجزار منها شيئًا". قال: "ونحن نعطيه من عندنا" يعني أجرة الذبح. وجاء عند البيهقي مثل بهريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من باع جلد أضحيته فلا أضحية له". صححه الشيخ الألباني رحمه الله. فلا يجوز بيع شيء من الأضحية حتى الجلد، لا يجوز أن يبيعه، لا يعطي الجزار أجرته من الأضحية، لكن له أن يعطيه إذا كان محتاجًا أو يهديه هدية ليس أجرة، أما أن يعطيه أجرة فلا. قال: ويطعم الفقراء والمساكين. نعم، على المذهب أنه يجب التصدق ببعضها، يجب أن يتصدق ولو على فقير واحد. واستدلوا بقول الله جل وعلا: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَةَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. وجمهور أهل العلم على أن التصدق بها مستحب وليس بواجب، يستحب أن يتصدق بشيء من الأضحية، وأن الآية محمولة على الاستحباب. وكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كلوا وتصدقوا وادخروا". وغيرها بالصحيح، هذا على جهة الاستحباب. لو أن الإنسان يحتاج إلى أضحية كلها، يعني خاصة بمثل هذه الأزمة في كثير من البلاد، ربما ما يذبح أو يطعم اللحم إلا في مثل هذه المناسبة في أيام العيد، فيكون يعني هو أولى بهذا اللحم وأولاده من غيرهم وأحوج إليه، فلا بأس لو جعلها لنفسه وأولاده، ولا يأثم حينئذ إذا لم نصدق بشيء. لكن هناك من هو أحوج، فالأفضل الأكمل أن يتصدق بشيء. قال فصل: والعقيقة مستحبة، وهي الذبيحة عن المولود يوم سابعه، ويذبح عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة، ويطعم الفقراء والمساكين. قال: والعقيقة مستحبة، العقيقة في اللغة من العق وهي الشق والقطع، وهي اسم للشعر الذي يكون على رأس المولود حين ولادته، سمي بذلك لأنه يحلق ويقطع. ثم استعمل هذا الاسم على الذبيحة التي تذبح عند ولادة المولود وإن لم يحلق شعره. والعقيقة مستحبة، هذا قول جمهور أهل العلم أن العقيقة سنة مؤكدة لحديث سمرة في قوله عليه الصلاة والسلام: "كل غلام رهين بعقيقته". وقوله عليه الصلاة والسلام: "من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فلينسك عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة". وفي لفظ: "عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة". يدل هذا على التخير، يدل على التخير، وهذا يدل على عدم الوجوب. قال: وهي الذبيحة عن المولود يوم سابعه، يعني تذبح عنه في اليوم السابع من ولادته لحديث سمرة قال: "كل غلام رهين بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى ويحلق رأسه". وهو حديث أحمد وأبي داود، إذا المستحب في هذه الذبيحة أن تذبح في اليوم السابع. ويدخل وقتها وقت الذبيحة هذه العقيقة بانفصال جميع الولد، بانفصال جميع الولد. ولا تستحب قبل الولادة، لو أراد إنسان أن يعق قبل الولادة هذا خلاف السنة، إنما تستحب بعد الولادة، ولو قبل اليوم السابع، ولو قبل اليوم السابع لكن بعد الولادة. والمستحب أن يكون في اليوم السابع. فإذا خرج هذا المولود قبل نفق الروح، إذا خرج قبل نفق الروح يعني السقط، أسقطت المرأة قبل إتمام 120 يوم، يعني في اليوم المئة مثلًا أو 80 يوم له فأسقطت، هل يعق عنه؟ الجواب: لا، قبل نفق الروح لا يعق عنه. وأما إذا خرج بعد نفق الروح، إذا خرج بعد نفق الروح ميتًا أو حيًا فيه قولان لأهل العلم، منهم من قال: يعق عنه، ومنهم من قال: لا يعق إذا كان ميت فقد يقال بعدم العق عنه. وأما إذا خرج حيًا ثم مات فإن القول بالعق أقوى، إذا خرج حيًا ثم مات يعني بعد نفق الروح فالقول بالعق أقوى. أما إذا بقي إلى اليوم السابع ثم مات فهذا يعق عنه، إذا بقي إلى اليوم السابع ثم مات في اليوم الثامن فهذا يعق عنه من غير خلاف. قال: ويذبح عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة، يعني الذكر يذبح عنه شاتان وعن الجارية شاة واحدة كما جاء بحديث سمرة وحديث عبد الله بن عمر: "عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة". وإذا لم يكن عنده إلا شاة واحدة أجزأ ذلك، يكلف الله نفسًا إلا وسعها. قال: ويطعم الفقراء والمساكين، يعني من هذه العقيقة. وإن أبقاها، وإن أبقاها مثلًا لأهل بيته ولزوجته مثلًا لا بأس، ليس عليه حرج بذلك. ويسن في اليوم السابع أن يذبح عن المولود، وكذلك أن يحلق رأسه إن كان ذكرًا غلامًا يحلق رأسه وتصدق بوزنه فضة كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة عند ولادة الحسن بن علي رضي الله عنهما. وكذلك أيضًا اختيار الاسم الحسن، أن يسمى به. حديث سمرة قال: "يذبح عنه يوم سابع ويسمى ويحلق رأسه". ويجوز أن يسمى قبل ذلك، يجوز أن يسمى قبل الولادة أو في أول الولادة، وإن أخر إلى اليوم السابع فلا بأس. ويختار له الاسم الحسن، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن". والاسم له أثر على مسمى، فإختار له الاسم يعني الحسن من أسماء الصحابة وأسماء أهل العلم أهل الفضل أهل الصلاح.