الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 33، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع مسائل النذر من باب الشرك، مبيناً وجوب الوفاء بنذر الطاعة دون المعصية، وأن صرف النذر لغير الله شرك ثابت بالقرآن والسنة. ثم ينتقل لتعريف الاستعاذة بأنها طلب الالتجاء والاعتصام، وأنها لا تكون إلا مما يخاف منه، محذراً من الاستعاذة بغير الله.
يشرح المقطع الفرق بين العوذ (الالتجاء إلى الله مما يخافه الإنسان) واللوذ (الالتجاء إليه فيما يرجوه ويأمله)، مستشهداً ببيت شعر يوضح ذلك. ويبين أن الاستعاذة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله تعد شركاً، بينما الاستعاذة الجائزة تكون فيما يقدر عليه المخلوق.
يفسر المقطع آية سورة الجن السادسة موضحاً كيف كان العرب في الجاهلية يستعيذون بسادة الجن عند نزول الأودية، فزادهم ذلك خوفاً وذعراً شديداً بلغ الأبدان. ويبين أن هذا من شؤم الشرك، فالتجأ إلى غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله لا يزيل الخوف بل يزيده ضعفاً وذلاً.
أعلن المتحدث انتهاء المسائل المطروحة في هذا الدرس، وقرر تأجيل استكمال الحديث وما تبقى من مسائل إلى الدرس القادم. وبذلك يكون قد أغلق باب النقاش في مسائل النذر والاستعاذة مؤقتاً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: فيه مسائل، يعني في بابه: النذر، من الشركة: النذر لغير الله. قال: الأولى: وجوب الوفاء بالنذر. وهذا مقيد إذا كان نذر طاعة، تمام؟ ليخرج بذلك نذر المعصية، فلا يجب الوفاء به، واضح؟ وجوب الوفاء بالنذر، وهذا يؤخذ من قوله: «ومن نذر أن يطيع الله فليطعه». الثانية: إذا ثبت كونه عبادة لله فصرفه إلى غيره فهو شرك. أين ثبت أنه عبادة؟ في كل الآيات وفي الحديث. الآية الأولى: مدح الله من أوفى بالنذر، ﴿مِنْ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾، والمدح يدل على أن هذا الفعل يحبه الله، وما أحبه الله فهو عبادة، كما قال شيخ الإسلام: العبادة هي اسم جامع لكل ما يحب الله ويرضاه. طيب، فلا يمدح ولا يستحق دخول الجنة إلا بفعل شيء يكون عبادة. فهذه الآية الأولى ثبت أنه عبادة. والآية الثانية: كذلك في قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾، وتعليق الشيء بعلم الله دليل على ماذا؟ على أنه محل جزاء، على أنه محل جزاء. طيب، فهذا الجزاء يدل على أنه عبادة، إذن الله عز وجل لا يجازي بالإحسان إلا ما كان عبادة، واضح؟ وأما الحديث فواضح: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، فسماه طاعة، وهذا أمر. الثالثة: أن نذر المعصية لا يجزي الوفاء به، وإنما فيه الكفارة، وذلك في قوله: «ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه»، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه. باب من الشرك: الاستعاذة بغير الله. والاستعاذة: طلب الإعاذة، فإن الألف والسين والتاء تدل على الطلب، تدل على الطلب. فتقول: استغاث، طلب الإغاثة؛ استعاذ، طلب الإعاذة. وهكذا قس، وقس مثل ذلك. فمعنى الاستعاذة: طلب الالتجاء والاعتصام. تقول: أعوذ بالله، أي ألتجئ وأعتصم بالله. هذا هو معنى الاستعاذة. والعوذ يكون مما يخاف منه، العوذ يكون مما يخاف منه. وأما مما يؤمل فلا يقال فيه عوذ، وإنما يقال فيه لوذ، يقال فيه لوذ. ولذلك قال الشاعر يخاطب ربنا سبحانه وتعالى: يا من ألوذ به مما أؤمله يا من ألوذ به فيما أؤمله ومن أعوذ به مما أحاذره انظر: قال: «ألوذ به مما أؤمله» لأن اللوذ يكون مما يؤمل. ثم قال: «ومن أعوذ به فيما أحاذره»... لا يجبر الناس عظما أن تكاسره، ولا يهيضون عظما أن تجابره. الشاهد من هذا البيت: «يا من ألوذ به فيما أؤمله، ومن أعوذ به فيما أحاذره». «أحاذره» يعني أخافه، طيب. و«أؤمله» يعني أرجوه. إذا ترجو شيء... ما تخاف منه، إنما ترجوه. ترجو مالا، ترجو علما، ترجو خلقا، فتلتجئ إلى الله، هذا يسمى لوذ. إذا تخاف من عدو، تخاف من شيطان، تخاف من الجن، فهذا تلوذ، فهذا تعوذ بالله، هذا هو العوذ، واضح؟ هذا الآن: فالعوذ يكون مما يخاف منه، مما يخاف منه. فقوله: «من الشرك الاستعاذة بغير الله»، يعني: طلب العون، الالتجاء والاعتصام بغير الله، شرك. لماذا شرك؟ لأن فيه تعلق بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله. ولذلك بعض العلماء فضل أن يقال: باب من الشرك: استعاذة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله. فلك أن تستعيذ بشيء يعيدك مما يقدر عليه. وإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن وجد ملجأ أو معاذ فليعذ به»، في حديث أبي بكر: «تكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الساعي، من استشرف لها تستشرف له، ومن وجد ملجأ أو معاذ فليعذ به». فذلك على أن من استطاع أن يلتجئ إليه ويقدر على ذلك، فهذا من الاستعاذة الجائزة. فهذا من الاستعاذة الجائزة، مثل الاستغاثة، كما سيأتي معنا: أن هناك استغاثة شرك، واستغاثة جائزة. «فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه»، ثم ذكر هذه الآية. وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. هذه الآية في سورة الجن، الآية السادسة. فبين الله عز وجل فيها أن العرب كانوا إذا نزلوا واديا خافوا من الجن الذين يسكنون هذا الوادي، خافوا منهم، فكيف يزيلون عنهم هذا الخوف؟ يستعيذون بعظيم وسيد هذا الوادي، بعظيم وسيد هذا الوادي. فكانوا ينادون فيقولون بأصواتهم: «أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه». فكان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن، يعوذون يعني: يلتجئون إليهم ويعتصمون بهم، ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. زادوهم رهقا، ومعنى زادوهم رهقا: يعني زادوهم خوفا وذعرا، زادوهم خوفا وذعرا. هم الآن خائفون من الجن، ها فجاءوا هذا الوادي وهم خائفون، فاستعاذوا بسيد الجن، فازدادوا ذعرا وخوفا. بل قال المفسرون: أن رهق معناه أشد من الخوف والذعر، أشد من الخوف والذعر. رهقا قالوا: كأنهم من ذعرهم وخوفهم أرهقهم وأضعفهم، فصار الذعر والرهق يصل إلى الأبدان، مش إلى القلوب، وصل بهم هذا الخوف إلى الأبدان فأثر في صحتهم. وهذا من شؤم الشرك: أن المشرك يكون خائفا ذليلا مخذولا، كما قال عز وجل: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾، وكما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي مر معنا: «أنزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا»، يعني ضعفا. طيب، الذي يظن أنه إذا التجأ بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله يزيل عنه هذا الخوف، هذا ما عرف حقيقة التوحيد، بل يزيده ماذا؟ خوفا وذعرا، خوفا وذعرا. هذا معنى الآية: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. طيب، ما وجه الشاهد من إرادة هذه الآية؟ وجه الشاهد من إرادة هذه الآية: ذم المستعيذين بغير الله، ذمهم الله عز وجل هنا، صح؟ أنه قال: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾، فزادوهم رهقا. هذا هو وجه الشاهد من إرادة هذه الآية. وإن شاء الله الحديث وما في هذا الباب من المسائل نتركه إلى الدرس القادم. إلى هنا المسائل.