كتاب الجهاد 2

الدرس في كتاب الجهاد 2، ألقاها

حكم الجهاد ودليله

الجهاد فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، واستدل العلماء على ذلك بآيات من القرآن الكريم. يُشترط في ذلك أن يكون للمسلمين قوة وقدرة على قتال أعدائهم.

مراتب الجهاد وأنواعه

الجهاد له مراتب مختلفة تشمل جهاد النفس وجهاد الشيطان وجهاد الكفار والمنافقين. يختلف نوع الجهاد وأسلوبه باختلاف الخصم والمقصد، وهو فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين.

جهاد الطلب والدفع وفرضيتهما

جهاد الطلب هو فرض كفاية إذا توفرت الشروط وقويت شوكة المسلمين، بينما جهاد الدافع هو فرض عين على كل مسلم عند اعتداء الكفار. الجهاد يمكن أن يكون ببذل المال والنفس.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، ما زلنا في الباب الأول من كتاب الجهاد من كتاب الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة. قوله: باب أو بأحكامه، ودليل ذلك، أي حكم الجهاد في سبيل الله جل وعلا، ودليل ذلك. قالوا: الجهاد بمعناه الخاص، وهو جهاد الكفار، فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وصار في حقهم سنة، لقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، فقد دلت هذه الآية على أن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين؛ لأن الله فاضل بين المجاهدين والقاعدين عن الجهاد بدون عذر، وكلًا وعد الحسنى، وهي الجنة. ولو كان الجهاد فرض عين لاستحق القاعدون الوعيد. ولقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾. وقوله: وهذا مشروط بما إذا كان للمسلمين قوة وقدرة على قتال أعدائهم، فإن لم يكن لديهم قوة ولا قدرة سقط عنهم كسائر الواجبات، وأصبح قتالهم لعدوهم والحالة هذه إلقاء بأنفسهم إلى التهلكة. قولهم: حكمه كما تقدم، أي حكم الجهاد شرعًا، والدليل على ذلك الحكم. ومنه نستفيد أن الأحكام الشرعية إنما تثبت بالأدلة من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكذا بإجماع صحيح ثابت، أو قياس صحيح معتبر. فقولهم ها هنا: ودليل ذلك، يدل على هذا الأمر. قولهم: والجهاد بمعناه الخاص، وهو جهاد الكفار، فرض كفاية. وقولهم: بمعناه الخاص، يدل على أن الجهاد له معنى عام، وله معنى خاص. والجهاد بمعناه العام يتناول بذل الجهد، والسعي في تحقيق الوصول إلى طاعة الله جل وعلا، وإعلاء كلمة الله جل وعلا. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى، ومنهم العلامة ابن القيم رحمه الله، أن للجهاد أربع مراتب: المرتبة الأولى مرتبة جهاد النفس، والمرتبة الثانية مرتبة جهاد الشيطان، والمرتبة الثالثة مرتبة جهاد الكفار، والمرتبة الرابعة مرتبة جهاد المنافقين. فهذه أربع مراتب من مراتب الجهاد. وذكر رحمه الله تعالى أن جهاد النفس له أربع مراتب: المرتبة الأولى: جهاد النفس على تعلم العلم النافع الذي به يستضيء الإنسان للوصول إلى تحقيق طاعة الله جل وعلا، وترك معاصيه. والمرتبة الثانية من جهاد النفس: مرتبة العمل بذلك العلم، وإلا فالعلم بلا عمل ليس بنافع لصاحبه، بل قد يكون عليه وبالًا. والمرتبة الثالثة: مرتبة الدعوة إلى ذلك العلم الذي تعلمه. والمرتبة الرابعة: مرتبة الصبر على ذلك العلم، والعمل به، والدعوة إليه. وأما جهاد الشيطان، فله مرتبتان: المرتبة الأولى: جهاده في دفع الشبهات التي يلقيها الشيطان. وهذه لا تتأتى إلا باليقين، بمعنى أن من حقق هذا الجهاد فقد حقق اليقين بالله جل وعلا وبوعده. والمرتبة الثانية: مرتبة جهاد الشيطان فيما يلقيه على العبد من الشهوات. ومجاهدة المسلم للشيطان لهذا الأمر لا يتأتى ولا يكون إلا بالصبر. وأما جهاد الكفار، وجهاد المنافقين، فله كذلك مراتب. المرتبة الأولى: مرتبة جهادهم بالقلب. والثانية: مرتبة جهادهم باللسان. والثالثة: مرتبة جهادهم بالعلم النافع. ومرتبة جهادهم بالقتال. أو كما ذكر رحمه الله تعالى في هذا الأخير، قال: واختص جهاد الكفار باليد، كما أنه اختص جهاد المنافقين باللسان. بمعنى أن المنافقين يجاهدون ببيان الحجج والبراهين على باطلهم، أي من الزائغين من المنافقين الذين يطعنون في دين الله جل وعلا، فجهادهم يكون باللسان، وبالقلم، ببيان الحجج وظهور المحج عليهم. كما أن جهاد الكفار يكون بالسيف، أي يكون بالقتال، وذلك إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع. فالحاصل أن قولهم: الجهاد بمعناه الخاص، الذي إذا أطلق الجهاد في سبيل الله فإنه لا يتبادر إلا إليه، وهو الجهاد الذي هو قتال الكفار بضوابطه الشرعية. قالوا: فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وصار في حقهم سنة. وقول: فرض كفاية، أي أنه فرض فرضه الله جل وعلا. قد يقول قائل: ما الدليل على فرضيته؟ فالجواب: الدليل على فرضيته قول الله جل وعلا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾، كتب عليكم القتال، أي فرض ووجب عليكم القتال. فهذه الآية تدل على أن القتال في سبيل الله جل وعلا فرض، وأنه واجب. لكن الآيات الأخرى بيّنت أن هذا الوجوب، وهذا الفرض إنما هو من فروض الكفايات لا من فروض الأعيان. والفرق بين فروض الكفايات وفروض الأعيان: أن فروض الأعيان واجب على الأعيان، أي واجب على كل مكلف قادر مستطيع، إذا توفرت في حقه الشروط وانتفت الموانع. وفروض الكفايات النظر فيها إلى العمل، أي إلى أداء العمل على وجهه، وهو الذي إذا قام به البعض الذي يتم العمل بهم، ويقوم العمل بهم سقط عن الآخرين. والأمر ها هنا كذلك في الجهاد. وقالهم: فرض كفاية، المقصود بالجهاد ها هنا جهاد الطلب، لأن الجهاد يقسمه العلماء رحمهم الله تعالى على قسمين: جهاد طلب، وجهاد دفع. جهاد طلب معناه: أن يطلب المسلمون أعداءهم من الكفار، فيكون الغزو والهجوم من جهة المسلمين. هذا الأمر هو من فروض الكفايات، إذا توفرت الشروط وقويت شوكة المسلمين، واستطاعوا أن يفتحوا البلاد، بلاد الكفار، وأن يدخلوا الناس في دين الله جل وعلا، هذا أمر مطلوب. وأما الآخر، وهو جهاد الدافع، فإنه من فروض الأعيان، كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا، أي بأنه فرض عين على كل واحد، ذكر كان أو أنثى، صغير كان أو كبير، كل يدفع بما استطاع. هذا في جهاد ماذا؟ جهاد الدافع. ومعنى جهاد الدافع: أن يغزو الكفار بلاد المسلمين، يعتدي الكفار على بلاد المسلمين، فالآن في هذه الحالة كل واحد من أهل الإسلام يدفع بما استطاع، ويكون الوجوب عليهم جميعًا. فالمقصود هاهنا أن قولهم: أن الجهاد فرض كفاية، المقصود به جهاد الطلب. والدليل كما سمعتم على أنه من فرض كفاية هو إذا جمعنا بين قول الله جل وعلا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾، مع قول الله جل وعلا: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾، هذه الآية تدل على ماذا؟ على أن الأمر على السعة. والآية الأولى تدل على أن الأمر على الوجوب، فرض. فجمع العلماء رحمهم الله تعالى بين الآياتين بأن المقصود بالجهاد، أو بأن حكم الجهاد هو فرض، ولكنه على الكفاية، جمعًا بين الأدلة. وقولهم: وهذا مشروط بما إذا كان للمسلمين قوة، هذا مشروط بما إذا كان للمسلمين قوة وقدر على قتال أعدائهم، فإن لم يكن لديهم قوة ولا قدرة سقط عنهم كسائر الواجبات، وأصبح قتالهم لعدوهم والحالة هذه إلقاء بأنفسهم إلى التهلكة. والأمر كما ذكر، أي أنه يكون ويشرع هذا الجهاد عند القوة والقدرة، أما عند العجز وعند الضعف فإنه يسقط عنهم الوجوب لعدم القدرة على ذلك. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن هذا النوع من الجهاد، والنوع الآخر من الجهاد، تارة يكون بالمال والبدن، وتارة يكون بالمال دون البدن، وأخرى يكون بالبدن دون المال. قالوا: وذلك يكون في حق من كان عنده قدرة بدنية ومالية، الجهاد في حقه يكون ماذا؟ بالمال والبدن. ومن لم تكن عنده قدرة مالية، وكان عنده قدرة بدنية، فالجهاد في حقه يكون بالبدن. ومن كان عنده قدرة مالية، ولم تكن عنده قدرة بدنية، فالجهاد في حقه يكون بالمال. والجهاد أو حكمه في ذلك، أي حكم الجهاد بالمال أو بالبدن أو بالمال والبدن، يكون بحسب نوع الجهاد، أي تارة يكون فرض كفاية، وأخرى يكون من فروض الأعيان. ففي الجهاد الذي حكمه بأنه فرض عين يكون الجهاد بالمال والنفس فرض عين. والجهاد الذي يكون من فروض الكفايات يكون بذل المال والنفس من فروض الكفايات. نكتفي بهذا القدر في هذه الليلة إلى هنا. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على