الدرس في كتاب الجهاد 4، ألقاها
يشترط لوجوب الجهاد عدة شروط منها الإسلام والبلوغ والعقل والذكورية والحرية والاستطاعة. الجهاد لا يجب على من لا يستطيع حمل السلاح أو من يعجز عن أدائه.
الاستطاعة المالية والبدنية شرط أساسي لوجوب الجهاد، فلا يجب على الفقير أو المريض أو من به عجز. الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها.
تنوعت آراء أهل العلم حول الاستعانة بالكفار في القتال بين المنع والجواز، مستدلين بأدلة شرعية ونظرية مختلفة. النبي صلى الله عليه وسلم استعان بمشركين في بعض المواقف.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، المسألة الثانية من المسائل المتعلقة بالباب الأول من كتاب الجهاد. قالوا: شروط الجهاد يشترط لوجوب الجهاد سبعة شروط، وهي: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والذكورية، والحرية، والاستطاعة المالية والبدنية، والسلامة من الأمراض والأضرار. وكما ذكر، هذه هي الشروط المعتبرة في وجوب الجهاد، بمعنى أن من لم تتوفر فيه هذه الشروط فإنه لا يجب عليه الجهاد. لا يجب عليه الجهاد إلا ما تقدم من الجهاد العين، والجهاد العين كما تقدم، الذي هو فرض عين. هذا كما يقول العلماء، تسقط معه جميع الشروط، فكل يجاهد بحسب قوته وبحسب استطاعته، لعموم قول الله جل وعلا: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾. لأنه من الواجبات العينية، ولكن الكلام ها هنا في الجهاد الذي هو من فرض الكفايات. فيشترط لوجوبه سبعة شروط، كما ذكر ذلك العلماء رحمهم الله، ونقل من نقل الاتفاق على ذلك. وجملتها سبعة، كما ذكرها هنا، وهي: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والذكورية، والحرية، والاستطاعة المالية والبدنية، والسلامة من الأمراض والأضرار. قالوا: فلا يجب الجهاد على الكافر؛ لأنه عبادة، أي لأن الجهاد عبادة، فالضمير في قوله لأنه عائد على الجهاد؛ لأنه عبادة، والعبادة لا تجب عليه، أي لا تجب على الكافر لكفره، أي لوجود المانع من صحة العبادة في حق الكافر، ومن صحة قبولها وهو الكفر؛ لأن الكفر مانع من صحة العبادة، ومانع كذلك من قبولها. وإن كان الكافر كما ذكر مرارا بأنه مخاطب بفروع الشريعة وأنه كذلك، هذا الخطاب الذي هو مخاطب به بفروع الشريعة لا يصح منه إلا بشرطه وهو الإسلام، فلابد أولا من الإسلام، ثم يتوجه عليه بقية أو تجب عليه بقية الأمور والواجبات بحسبها وبحسب استطاعته. فإذن الجهاد لا يجب على الكافر؛ لماذا؟ لأنه ليس أهلا، أو لأنه قد وجد فيه المانع من صحة العبادة، وهي أو وهو الكفر بالله جل وعلا الذي يمنع من صحة العبادة، والذي يمنع كذلك من قبولها. قالوا: لأنه لا يتوافر فيه الإخلاص والأمانة والطاعة، يعني كذلك الأصل في الكافر أنه لا يتوافر فيه الإخلاص، أي لا يكون عمله خالصا لله جل وعلا. كيف يكون خالصا لله جل وعلا وهو كافر به؟ وهو كافر بالله جل وعلا. وأيضا الأمانة بمعنى أن الكافر لا يؤمن عليه، بمعنى أنه ربما إذا استخدمه واحتاج إليه المسلمون ربما حصل منهم الخيانة؛ لماذا؟ لكفره؛ لأنه مظنة لها، مظنة للخيانة. وكذلك الطاعة، أي ربما استعصى الكافر وقت الحاجة إليه، يأمره الأمير إن احتاج إليه في أمر ما، فيعصي أمر الأمير عند الحاجة إليه إذا خرج في الجهاد. فلأجل هذه المعاني، مع ما تقدم، كان لا يجب عليهم، على ما تقدم ذكره. قالوا: فلا يؤذن له بالخروج مع جيش المسلمين. وقبل هذا، يعني تقدم معنا أن الجهاد شرعا هو بذل الجهد في قتال الكفار لإعلاء كلمة الله جل وعلا. فإذا لا يتأتى هذا المعنى في حق الكافر؛ لماذا؟ لأنه كافر أولا، وثانيا لأنه إن قاتل لا يقاتل لإعلاء كلمة الله جل وعلا، فلا يصدق عليه الجهاد لا من قريب ولا من بعيد. فكما ذكر، قالوا: فلا يؤذن له بالخروج مع جيش المسلمين، لقوله صلى الله عليه وسلم للرجل المشرك الذي اتبعه في بدر، أي في غزوة بدر، قال: «فارجع فلن أستعين بمشرك». وفي هذا إشارة إلى مسألة يذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى، يعني هذا الحديث الأخير المذكور، في إشارة إلى مسألة ذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى في كتب الفقه، وهي: هل يجوز الاستعانة بالكفار؟ هل يجوز الاستعانة بالمشركين في الجهاد؟ أم لا يجوز؟ لأهل العلم في هذه المسألة قولان. فذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى، والإمام أحمد في رواية، وطائفة من أهل العلم، وهو الذي اختاره الإمام ابن المنذر رحمه الله، إلى أنه لا يستعان بمشرك، لا يستعان بمشرك مطلقا، مستدلين بأدلة منها هذا الحديث المذكور، الذي هو من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وهو في الصحيحين: «لا أستعين بمشرك»، «لا أستعين بمشرك»، هذا باعتبار الأثر، وباعتبار الدليل الأثر. وأيضا عللوا من حيث النظر، عللوا من حيث النظر بالتعليلات المذكورة، من أن المشرك والكافر لا يؤمن معه على جيش المسلمين، فلا يؤمن الخيانة، وأن يكون سببا لتفريق الكلمة، أو لحصول البلابل والقلاقل بين جيش المسلمين. قالوا: إذا كان يمنع المسلم الذي يسبب الإرجافات، والذي يخذل الجيش، فكيف بالكافر؟ فإنه يمنع من باب أولى؛ لأنه مظنة لذلك. فهذا ما استدل به هؤلاء جملة، باعتبار ما ذكروه من الدليل النظر، ومن الدليل الأثر. وذهب آخرون من أهل العلم إلى جواز الاستعانة بالكفار، أو المشركين. منهم من قال: للحاجة، ومنهم من قال: للضرورة. والحاجة كما هو معلوم أوسع من الضرورة. قالوا: والحاجة، يعني الحاجة كأن يحتاج إليه في أمر يحسنه، أو مع وجود كثرة في جيش الكفار، فيحتاجون إلى من يعينهم، أو قوة في جيش الكفار، فيحتاجون إلى من يعينهم من غيرهم. والقائلون بهذا القول، أو من ذهب إلى هذا القول جماعة كذلك من أهل العلم، ومنهم الإمام الشافعي رحمه الله، وكذلك الإمام أحمد في رواية، وكذلك ذهب إليه أبو حنيفة، وفي آخرين. واستدل هؤلاء كذلك بأدلة نظرية، وأدلة من النقل. فمما استدلوا به من النقل بعض الأحاديث التي هي محل نزاع بين أهل العلم، أي في ثبوتها من عدمها. منها ما رواه الإمام أبو داود رحمه الله في كتابه المراسيل، من حديث الزهري، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم استعان ببعض المشركين في قتاله في يوم خيبر. وكذلك استدلوا بما كذلك روي عن ابن عباس، وهذا الحديث كما سمعتم مختلف فيه، وهو مرسل. ومن أهل العلم من قواه بشواهده، ومنهم من لم يرتض ذلك. وكذلك جاء بمعناه عن ابن عباس رضي الله عنهما، لكن في بني قريضة، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم استعان ببعض المشركين في قتاله في يوم قريضة، في قتاله مع بني قريضة. وأيضا استدلوا بأشياء وإخبارات، منها أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن المسلمين سيصالحون الروم، وسيقاتلون معهم من وراءهم، أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. هذا باعتبار المنصوص في القتال. واستدلوا كذلك بعمومات، استدلوا كذلك بعمومات، منها ما استدلوا به بما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم استعان بصفوان بن أمية في أخذ ذروع وعدة الحرب، وكان مشركا حينها. قالوا: فهذا فيه معنى الاستعانة بهذه الأشياء. وكذلك مما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم يوما أن خرج مهاجرا مع أبي بكر، استعان بمشرك من بني الديل، يدله على الطريق إلى المدينة. والحديث في البخاري وغيره، من حديث أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه. هذا مجمل ما استدل به هؤلاء على هذه المسألة، هذا من حيث النقل والأثر، ومن حيث النظر. ومن حيث النظر استدلوا كذلك بأدلة، منها أن أولا باعتبار إن كان ضرورة، إن كان ضرورة، فقالوا: كما هو معلوم القاعدة أن ضرورة تبيح المحظورات، لو كان محرما لجاز. وباعتبار أنه حاجة، أنه حاجة، فجعله العلماء رحمه الله تعالى أن مصلحة تقوية المسلمين عند الحاجة بمن يعينهم على غيرهم من المقاتلة من أعدائهم، ولو كان المستعان به مشركا كافرا، فالحاجة والمصلحة في الاستعانة بذلك المشرك على قتال ذلك الكافر المقاتل أعلى وأعظم. والشريعة جاءت بماذا؟ بتحصيل أعلى المصلحتين، ودرأ أعظم المفسدتين. وهذا من هذا الباب. والله أعلى وأعلم. وهذا هو الأظهر، إلا أنه مقيد بقيود. مقيد بقيود، من هذه القيود ما ذكره الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، أن المستعان به لابد أن يكون مأمونا، أي قد علم أنه ليس من أهل الخيانة، ليس من أهل الغدر، ليس ممن يتربص بالمسلمين الدوائر، وما شابه ذلك. فيستعان به، وأيضا للحاجة، والحاجة كما هو معلوم أنها تقدر بقدرها، فلا يتجاوز القدر المحتاج إليه. وما شابه ذلك. والله تعالى أعلى وأعلم. قالوا: وكذلك لا يجب على الصبي، أي من الشروط أنه لا يجب على أنه يجب أن يكون ماذا؟ أن يكون بالغا، فلا يجب على الصبي غير البالغ؛ لأنه غير مكلف. وكما هو معلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رفع القلم عن ثلاثة»، وذكر منهم: «الصبي حتى يحتلم»، فهو غير مكلف، فلا يجب عليه الجهاد كغيره من العبادات. وقالوا أيضا كدليل خاص: ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما، أنه عرض نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزه في المقاتلة. مع أنه ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزه النبي صلى الله عليه وسلم في المقاتلة. قال علماء: ولعل السبب في هذا أنه ما زال صبيا لم يبلغ. قال: وكذلك المجنون لا يجب عليه الجهاد؛ لأنه مرفوع عنه القلم، وليس من أهل التكليف. كذلك الحديث المذكور، كما جاء في حديث علي، وكذلك جاء من حديث عائشة، وأنس، وطائفة من الصحابة رضي الله عنهم، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة»، وذكر منهم: «المجنون حتى يفيق». قالوا: ولا يجب على العبد؛ لأنهم أملوك لسيده، ولا المرأة، لحديث عائشة رضي الله عنها، قالت: يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ فقال: «جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة». والحديث كما ذكر في التخريج، رواه النسائي وغيره، صححه العلامة الألباني. وفي لفظ: وفي لفظ: «نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ فقال: لكن أفضل الجهاد حج مبرور». وهذا في البخاري. والشاهد منه أنه لا يجب على النساء الجهاد. قال: وغير المستطيع، وهو الذي لا يستطيع حمل السلاح؛ لضعف أو كبر، وكذلك الفقير الذي لا يجد ما ينفق في طريقه، فضلا عن نفقة عياله، لا يجب عليهم الجهاد؛ لقوله تعالى: ﴿ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج﴾. وكذلك من به ضرر أو مرض، أو غير ذلك من أعذار، لا يجب عليه الجهاد؛ لأن العجز ينفي الوجوب، ولقوله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج﴾، ولقوله: ﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله﴾. طيب، هذا كذلك الشرط هو الشرط الاستطاعة المالية والبدنية من شروط الجهاد، يكون مستطيعا ببدنه أو بماله. وكما تقدم أن الجهاد قد يكون بالمال، وقد يكون بالنفس، وقد يكون بهما جميعا. وهو في فرض الكفاية فرض كفاية، وهو في فرض العين فرض عين، كما تقدم ذكره في أوائل الكلام على هذا الكتاب. فمن لم يكن مستطيعا، من لم يكن مستطيعا، إما بنفسه لا يستطيع حمل السلاح، إما لأنه ضعيف أو أنه كبير السن لا يستطيع معه أن يحمل السلاح، فهذا لا يجب عليه الجهاد. وكذلك الفقير، إنسان قد يكون قويا، لكن ما عنده ما يستطيع أن ينفق على نفسه في أثناء الجهاد، ولا يجد من ينفق عليه لسيره في الجهاد، أو عنده نفقة إنما تكفي لعياله، فهذا كذلك لا يجب عليه الجهاد؛ لأنه معدم للنفقة التي يستطيع بها أو تجب به أو تجب بها عليه الجهاد، فهو ليس عنده ما ينفق للجهاد. كما قال الله جل وعلا: ﴿ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج﴾، ليس عليهم حرج؛ لأنهم ليس عندهم ما ينفقون به في الجهاد. وكذلك مما ذكروا الفقهاء رحمهم الله تعالى أيضا مسألة أن يجد الراحلة أو المركوب إذا كان السفر بعيدا. إذا كان في سفر. فإنه يحتاج إلى راحلة أو إلى مركوب. أما إذا كان السفر قصيرا لا يحتاج إلى ذلك، فلا يحتاج إلى ذلك. فأما إذا كان السفر بعيدا ويحتاج إلى حمل، ويحتاج إلى ما يحمله، ولا يجد، فإنه كذلك لا يجب عليه؛ لقول الله جل وعلا: ﴿ولعل الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون﴾. قال: وكذلك من به ضرر أو مرض، أو غير ذلك، من كان به ضرر، من كان به مرض، أو غير ذلك من الأعذار، لا يجب عليه الجهاد؛ لماذا؟ قال: لأن العجز ينفي الوجوب. وكما هي القاعدة عند العلماء: لا واجب مع عجز، ولا محرم مع الضرورة. فإنسان إذا عجز عن فعل المأمور، فإنه يسقط عنه الوجوب؛ لعموم قول الله جل وعلا: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، ولعموم قول الله جل وعلا: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾، وما شابه ذلك. إذن لا يجب عليه؛ لماذا؟ لأنه عاجز، والعجز يسقط عنهم الوجوب. وأيضا لقوله تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج﴾. وهذا نص في المسألة، نص في المسألة على أن الله جل وعلا رفع الحرج عن هؤلاء للأعذار المذكورة. وهل هذه الأعذار منصوص عليها، لا يتعداها إلى غيرها؟ بمعنى: هل يتوقف على هذه الأعذار فحسب، فلا تتعدى إلى غيرها؟ أم أنها يتعدى الحكم إلى غيرها من الأعذار؟ الجواب: أنه يتعدى إلى غيرها من الأعذار مما هي مثلها أو أشد. يعني قال الله عز وجل: ﴿ولا على الأعرج﴾. إن كان إنسان مقعد أصلا لا يمشي، هذا يجب عليه الجهاد؟ لا يجب عليه. إذا كان الأعرج لا يجب، فمن لا يستطيع المشي أصلا لا يجب عليه الجهاد. وما شابه ذلك. والله تعالى أعلى وأعلم.