الدرس في كتاب الجهاد 6، ألقاها
يتناول هذا الفصل أحكام الأسرى في الإسلام، حيث يشرح كيفية التعامل مع الأسرى من الرجال والنساء والصبيان، ويبين دور الإمام في تحديد مصيرهم. يعود أصل هذه الأحكام إلى القرآن والسنة النبوية.
يستعرض هذا الفصل استدلالات العلماء على جواز المن في الأسرى من خلال سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، مشيراً إلى مواقفه في يوم الفتح وغزوة حنين وبدر. يبرز الفصل صلاحية النبي في اتخاذ القرار بشأن الأسرى.
يختتم الفصل بالتذكير بذكر الله تعالى والاستغفار والتوبة إليه، حيث يشمل تسبيح الله وتمجيده والاعتراف بتوحيده، ثم طلب المغفرة والتوبة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، الباب الثاني في الأسر والغنائم، وفيه مسائل. المسألة الأولى: حكم الأسرى، أو حكم أسرى الكفار. ذهب أكثر أهل العلم، وهو الصحيح، أن أسرى الكفار من الرجال أمرهم إلى الإمام، فيخير فيهم بما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين. وكما تقدم معنا في الدرس الماضي أن مسألة التخيير ليست عائدة إلى شهوة الإمام ولا إلى مجرد الرأي، ولكنها عائدة إلى النظر في الأصلح للمسلمين. فمتى كانت المصلحة راجحة لأمر من الأمور، أو في أمر من الأمور للمسلمين، فعلها، فهو كالموكل عنهم في هذه الأمور، أي في أمور الغنيمة. والوكيل أو المفوض في أمر ما ينبغي له أن يراعي الأصلح لمن فوضه بذلك الأمر، ومنه الإمام في هذه المسألة، فينظر إلى ما هو الأصلح للإسلام وأهله، فيخير كما ذكر بين القتل، أي أن يرى أن المصلحة في قتل الأسرى، أي الرجال، أو الاسترقاق، أي أن يجعلهم أرقاء. قالوا: والمن بغير عوض، أن يمن عليهم دون أن يأخذ مقابلا، يتركهم، والفداء إما بمال أو منفعة أو أسير مسلم. فالأمور كما ذكر معنا في الدرس الماضي يرجع فيها إلى رأي الإمام واجتهاده، إلى اجتهاده في النظر ما هو الأصلح للمسلمين. فمثلا لو كان في المقاتلة الذين أسرهم المسلمون من هو معروف من أهل بأس وقوة وبطش بالمسلمين، فمثل هذا لا يترك، المصلحة في مثل هذا أن يقتل، بخلاف ما إذا كان في الأسرى مثلا بعض الناس من الضعفة، ولكن مثلا عندهم مال، فمثل هؤلاء يفادون، أو بعض الناس يرجى إسلامهم، ظهرت عليهم سيماء الخير، فيمن عليهم حتى يسلموا. كما حصل من النبي صلى الله عليه وسلم في أمر ثمامة بن أثال، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة. النبي صلى الله عليه وسلم جاءه في المرة الأولى، سأله: «يا ثمامة، ما عندك؟» فقال: «يا محمد، إن تقتل، تقتل ذا دم، وإن تعف، تعف عن كريم، وإن أردت المال، أعطيناك». فتركه النبي صلى الله عليه وسلم، جاءه في المرة الأخرى، «يا ثمامة، ما عندك؟» فأعاد عليه المرة الثانية والمرة الثالثة، فلما كرر عليه في المرة الثالثة، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «أطلقوا ثمامة». وكان سيد قومه، لكن تفرس فيه النبي صلى الله عليه وسلم الخير والإسلام، مع أنه سيد قومه. قال: «فانطلق إلى بعض النخل، فاغتسل». في بعض الرواية: «اغتسل»، وفي بعض الرواية: «أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن اغتسل»، فقال له: «يا رسول الله»، قال: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله». الحديث. أشهد منه أن النبي صلى الله عليه وسلم من عليه من غير فداء، لمصلحة، ما هي هذه المصلحة؟ أنه تفرس فيه الإسلام، وكان إسلامه سببا لإسلام من وراءه. فالحاصل أن هذا يرجع إلى أمر الإمام، وسيأتي أدلة ذلك بإذن الله جل وعلا. أما النساء والصبيان، فكما تقدم، قالوا: فإنهم يسترقون بمجرد السبي، أن يصيروا أرقاء بمجرد أن يسبوا، يصيرون أرقاء للمسلمين، ويصيرون كجملة المال، يضمون إلى الغنيمة، ولا يخير فيهم الإمام، ولا يجوز قتلهم، لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك. كما تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء والصبيان. هذا من حيث النص، ومن حيث المعنى أيضا، قول: أن في قتلهم إضاعة للمال، لأنهم في حكم المال، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال. قالوا: والدليل على القتل، أي على قاتل المقاتلة من الكفار، أو على قاتل أسرى الكفار، قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾، فأخبر الله تعالى أن قتل المشركين يوم بدر كان أولى من أسرهم وفدائهم. قالوا: ولحديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عام الفتح، وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه، جاء رجل، فقال: «إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة»، فقال: «اقتلوه». الشاهد منه: «اقتلوه»، وهو كان في حكم الأسرى. قال: والحديث متفق عليه. قال: وقتل صلى الله عليه وسلم رجال بني قريظة، قتل النبي صلى الله عليه وسلم رجال بني قريظة، كما جاء في قصة تحكيم سعد، سعد بن معاذ، في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ورضاه. قالوا: والدليل على الاسترقاق، حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في قصة بني قريظة، لما نزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه، فحكم أن تقتل المقاتلة، أي الرجال الذين يقاتلون، وهم من كان فوق سن البلوغ، من كان من أهل البلوغ فما فوق، هؤلاء حكم فيهم سعد بأن يقتلوا، وأن تسبى الذرية. ولما حكم بهذا الحكم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حكمت بحكم الله من فوق سبع سماوات»، إقرارا له أنه حكم بحكم الله جل وعلا. قال: والدليل على المن والفداء، أي المن أن يمن عليهم من غير مقابل، قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾، الشاهد منه: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾، أي دل على أنهم أسرى، ثم قال: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾، إما أن يمن عليهم فيطلقهم من غير مقابل، وإما أن يكونوا فداء، إما فداء لغيرهم من المسلمين، أن يكونوا مبادلا، يبادلهم، يستبدلهم بغير من أهل الإسلام ممن أسرهم الكفار، أو يفادون بمال أو بمنفعة من المنافع. وهذا كله عائد إلى ماذا؟ إلى الإمام. ومما استدل به العلماء رحمهم الله تعالى كذلك على مسألة المن، ما حصل منه صلى الله عليه وسلم يوم الفتح. ففي يوم الفتح، كما تعلمون، النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة على الصحيح فاتحا غازيا، فكانوا تحت حكمه وتحت سلطته صلى الله عليه وسلم، ومع هذا حكم فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من دخل بيته فهو آمن، ومن دخل بيت أبي سفيان فهو آمن، إلى آخر ما ذكره وما جاء في ذلك. الحديث الشاهد منه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمنهم في ذلك، أي أمنهم باعتبار أنهم أطلقهم، وباعتبار أنه من عليهم. وكذلك ما حصل منه صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين، حينما غنم من الذرية، فالنبي صلى الله عليه وسلم من عليهم بعد أن رجعوا وأسلموا. إلى غير ذلك، فأشهد أن الوقائع كثيرة تثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحكم بما يراه مناسبا. أقول: إن الناظر في سنته صلى الله عليه وسلم، وفي سيرته أيضا، يجد أن النبي صلى الله عليه وسلم تارة يقتل من يستحق القتل من المقاتلة، كما جاء في ابن خطل، ومن أمر النبي صلى الله عليه وسلم يقتله يوم الفتح. ومنهم من يمن عليه النبي صلى الله عليه وسلم من غير ما فداء، ومنهم من يفاديهم بأموال، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في أسرى بدر، ففادهم النبي صلى الله عليه وسلم أو أطلقهم النبي صلى الله عليه وسلم بمقابل فداء، مقابل أموال تدفع لأهل الإسلام. مع أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء في الحديث أنه قال: «لو كان عدي بن مطعم حيا، فسألني هؤلاء الأسرى لأعطيتهم له». في إشارة إلى أن أمر الأسرى راجع إلى الإمام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لو سألني لأعطيتهم إياهم من غير ما فداء»، ثم أخذ النبي صلى الله عليه وسلم منهم الفداء. فنستفيد من وقعة بدر الأحكام الثلاثة: أنه إن قتلهم له ذلك، وإن عفا عنهم له ذلك، وإن فاداهم له ذلك، لأن وقعة بدر اجتمع فيهم الأمور الثلاثة. الأمر الأول بالقتل، كما جاء في سبب نزول قول الله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾، تأييدا لما ذكره أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه من أن هؤلاء يقتلون. ثم نزلت الآية الأخرى المبينة أن للنبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذهم أسرى، وفاداهم النبي صلى الله عليه وسلم، فدل على الفداء. وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث المذكور: «أنه لو كان عدي بن مطعم حيا فسأله أولئك الأسرى لأعطاهم»، فدل على أنه كان يمكن أن يمن عليهم من غير ما مقابل. فاجتمعت الأمور الثلاثة في أسرى بدر. نكتفي بهذا القدر لانتهاء الوقت إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليه.