الدرس في التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 25، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يناقش آراء الفقهاء في وقوع الطلاق عند تعليقه على شرط أو وقت محدد، وتحليل الآثار المترتبة على كل قول. يتناول أقوال الإمام أحمد وسعيد بن المسيب والزهري في هذه المسألة.
يناقش تعليق الطلاق على شرط مثل 'إن دخلت الدار فأنت طالق' وآراء الفقهاء حوله، ثم ينتقل إلى مسألة الوضوء عند الشك في انتقاضه. يختلف الفقهاء بين وجوب إعادة الوضوء احتياطا وبين جواز الصلاة بالوضوء السابق.
يفرق بين الشك في بقاء الوضوء والشك في النجاسة، ويبين أن الجمهور يرون أن الشك في الطهارة لا يبطل الصلاة إذا كان هناك وضوء متيقن سابق. كما يوضح حكم غسل الثوب عند العلم أو الشك في موضع النجاسة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام القيم رحمه الله في كتابه "إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان": قال، والقول الثالث -أي في مسألة تعليق الطلاق أو فيما يتعلق بالطلاق- أنه إن كان الطلاق المعلق بمجيء الوقت المعلوم ثلاثا، وقع في الحال -أي وقع الطلاق في الوقت الذي طلق فيه- وإن علقه، إن كان الطلاق المعلق بمجيء الوقت المعلوم ثلاثا، وقع في الحال. يعني لو قال: "أنت طالق ثلاثا بعد شهر"، فإن تطلق من أول ما أوقع الطلاق. قال: "وإن كان رجعيا لم يقع قبل مجيئه"، يعني إذا كان الطلاق رجعيا -كان يطلق طلقة واحدة- لم يقع قبل مجيئه، أي قبل مجيء الوقت الذي علق فيه الطلاق. وهذا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، نص عليه في رواية مهنة: إذا قال: "أنت طالق ثلاثا قبل موتي بشهر"، هي طالق الساعة -يعني في هذا الوقت الذي ذكر فيه الطلاق- فإن تطلق. قال: "كان سعيد بن المسيب والزهري لا يوقتون في الطلاق"، يعني لا يرون توقيت الطلاق بوقت محدد، فمتى ما أوقع الطلاق فإنه يقع. قال: قال مهنة: "فقلت له: أفتتزوج هذه التي قال لها: أنت طالق ثلاثا قبل موتي بشهر؟ قال: لا، ولكن يمسك عن الوطء أبدا حتى يموت"، هذا لفظه. يعني قيل لسعيد بن المسيب: أفتتزوج هذه التي قال لها: "أنت طالق ثلاثا إذا كان الطلاق يقع بمجرد أن يوقعه إذا كان ثلاثا قبل مجيء الوقت الذي أوقع فيه الطلاق؟" فقوله: "أنت طالق ثلاثا قبل موتي بشهر"، قال: "لا تزوج هذه المرة إذا قلت بأن الطلاق يقع". قال: "لا، ولكن يمسك عن الوطء أبدا"، يعني لا يقربها حتى يموت. لماذا؟ لأنه لا يدري متى يأتيه الموت، لا يدري متى يأتيه الموت. قال: "وهو في غاية الإشكال؛ فإنه قد أوقع عليها الطلاق منجزا -يعني في الحال من غير تعليق- فكيف يمنعها من التزويج؟" يعني إذا كانت قد طلقت، معنى هذا أنه جاز لها أن تتزوج إذا انتهت عدتها. وقوله: "يمسك عن الوطء أبدا" يدل على أنها زوجته، إلا أنه لا يطأها. قال: "وهذا لا يكون مع وقوع الطلاق"، يعني إذا وقع الطلاق في الشرع، فإن كان الطلاق بائنا، بانت منه، وإذا انتهت عدتها جاز لها الزواج. وإن كان الطلاق لم يقع، إذن هي زوجته، ويجوز له أن يطأها. أما أن يقال: إن الطلاق واقع، وفي نفس الوقت هي لا تتزوج، وهو كذلك لا يقربها، فهذا لا يقع في الشريعة. قال: "فهذا لا يكون مع وقوع الطلاق؛ فإن الطلاق إذا وقع زالت أحكام الزوجية كلها". فقد يقال: أخذ بالاحتياط، فأوقع الطلاق، ومنعها من التزويج للخلاف في هذه المسألة في وقوع الطلاق وعدمه، فحرم وطأها -وهو أثر الطلاق- ومنعها من التزويج؛ لأن النكاح لم ينقطع بإجماع ولا نص -يعني الوجود الشبهة في حصول هذا الطلاق أو في انتهاء هذا النكاح-. قال: "وجه هذا أنه إذا كان الطلاق ثلاثا لم يحل وطأها بعد الأجل -يعني بعد انقضاء أجلها- فيصير حال الوطء مؤقتا". وإن كان رجعيا، جاز له وطأها بعد الأجل، فلا يصير مؤقتا. وهذا أفقه من القول الأول؛ لأن الرجعية للزوج أن يراجعها بعد وقوع الطلاق، بخلاف المطلق بائنا. قال: "والقول الرابع: أنها تطلق إلا عند مجيء الأجل، وهو قول الجمهور". وإنما تنازع: هل هو مطلق في الحال، ومجيء الوقت شرط لنفوذ الطلاق؟ كما لو وكله في الحال، وقال: "لا تتصرف إلى رأس الشهر"، يعني وكل شخصا بالقيام بتصرف من التصرفات في ماله، لكن قال: "لا تتصرف إلى رأس الشهر". إذا جاء رأس الشهر فلك أن تتصرف في هذا المال، فمجيء رأس الشهر شرط لنفوذ تصرفه. إذا جاء رأس الشهر، حينئذ له أن يتصرف في هذا المال، وقبل مجيء رأس الشهر ليس له تصرف. قال: "لا لحصول الوكالة"، بخلاف ما إذا قال: "إذا جاء رأس الشهر فقد وكلتك"، يعني أن التوكيل وقع في بداية رأس الشهر. قال: "لهذا يفرق الشافعي بينهما، فيصحح الأولى ويبطل الثانية". أو يقال: ليس مطلقا في الحال، وإنما هو مطلق عند مجيء الأجل، فيقدر حينئذ أنه قال: "أنت طالق"، فيكون حصول الشرط وتقدير حصول "أنت طالق" معا. فعلى التقدير الأول: السبب تقدم، وتأخر شرط تأثيره. السبب تقدم -يعني سبب الفراق أو منع الوطأ هو الطلاق- وتأخر شرط التأثير -وهو مجيء الأجل- قال. على التقدير الثاني: نفس السبب تأخر تقديرا إلى مجيء الوقت. وكأنه قال: "إذا جاء رأس الشهر فحينئذ أنا قائل لك: أنت طالق". فإذا جاء رأس الشهر، قدر قائلا لذلك اللفظ المتقدم. قال: "فمذهب الحنفية أن الشرط يمتنع به وجود العلة، فإذا وجد الشرط وجدت العلة، فيصير وجودها مضافا إلى الشرط". وقبل تحققه لم يكن المعلق عليه علة. بخلاف الوجوب؛ فإنه ثابت قبل مجيء الشرط. فإذا قال: "إن دخلت الدار فأنت طالق"، فالعلة للوقوع -أي لوقوع الطلاق- التلفظ بالطلاق، والشرط الدخول -يعني شرط وقوع هذا الطلاق هو الدخول؛ لأنه علق الطلاق بدخولها إلى هذه الدار- "إن دخلت الدار" هذا شرط. ما الذي يحصل؟ "أنت طالق". قال: "وتأثيره في امتناع وجود العلة قبله"، يعني إذا لم تدخل لم يقع الطلاق. إذا لم تدخل لم يقع الطلاق؛ لأن علة الطلاق لم توجد. قال: "فإذا وجد وجدت". وأصحاب الشافعي يقولون: أثر الشرط في تراخي الحكم، والعلة قد وجدت. أثر الشرط في تراخي الحكم، والعلة قد وجدت، وإنما تراخى تأثيرها إلى وقت مجيء الشرط. فالمتقدم علة قد تأخر تأثيرها إلى مجيء الشرط. قال: "وأما ما أفتى به الحسن وإبراهيم النخعي ومالك في إحدى الروايتين عنه: أن من شك هل انتقض وضوءه أم لا، وجب عليه أن يتوضأ". إذن، هذه مسألة التعليق -الطلاق بالشرط- "إن دخلت الدار فأنت طالق"، فهذه على قول جمهور أهل العلم أنها لا تطلق إلا إذا دخلت. لا تطلق إلا إذا دخلت؛ لأن الطلاق هنا معلق بشرط، وهو الدخول. إذا وجد هذا الشرط وجد المشروط، وإذا انتفى هذا الشرط انتفى المشروط. قال: "وأما ما أفتى به الحسن وإبراهيم النخعي ومالك في إحدى الروايتين عنه: أن من شك هل انتقض وضوءه أم لا، وجب عليه أن يتوضأ احتياطا، ولا يدخل في الصلاة بطهارة مشكوك فيها". قال: "فهذه مسألة نزاع بين الفقهاء"، يعني إذا توضأ ثم شك هل انتقض وضوءه أم لا، هو متيقن أنه على طهارة، وإنما شك في الحدث. فذكر رحمه الله عن هؤلاء العلماء أنهم قالوا: يتوضأ احتياطا. قال: "وقد قال الجمهور -منهم الشافعي وأحمد وأبو حنيفة وأصحابهم، ومالك في الرواية الأخرى عنه- الرواية الأولى عنه قال: يتوضأ احتياطا، والرواية الأخرى قال بقول الجمهور: أنه لا يجب عليه الوضوء، وله أن يصلي بذلك الوضوء الذي تيقنه وشك في انتقاضه، وهذا هو الصحيح". قال: "واحتجوا بما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا، فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا»». وهذا يعم المصلي وغيره، يعني من كان في الصلاة ومن كان خارج الصلاة. إذا شك هل خرج منه شيء أم لا، وهو متيقن أنه على طهارة، فإنه يبقى على هذا الأصل، وهو بقاء الطهارة. قال: "وأصحاب القول الأول يقولون -أي الذين قالوا يتوضأ احتياطا- يقولون: الصلاة ثابتة في ذمته بيقين، وهو يشك في براءة الذمة منها بهذا الوضوء"، يعني لو صلى بالوضوء الأول، وهو قد شك في الطهارة، يقولون: هنا قد شك في براءة ذمته من أداء هذه الصلاة بهذا الوضوء المشكوك فيه. قال: "فإنه على تقدير بقائه هي صحيحة -أي بقاء الوضوء الأول المتيقن- وعلى تقدير انتقاضه باطلة -تكون الصلاة باطلة- فلم يتيقن براءة ذمته". ولأنه شك في شرط الصلاة -أي الوضوء- هل هو باق أم لا؟ فلا يدخل فيها بالشك. هكذا قالوا. قالوا: "والآخرون -يعني الجمهور- يجيبون عن هذا بأنها صلاة مستندة إلى طهارة معلومة، قد شك في بطلانها، فلا يلتفت إلى الشك، ولا يزيل اليقين به". كما لو شك هل أصاب ثوبه أو بدنه نجاسة، فإنه لا يجب عليه غسله. وقد دخل في الصلاة بالشك. ففرقوا بينهما بفرقين -يعني بين اجتناب النجاسة وصلاته بالثوب الذي فيه النجاسة، وبين صلاته بوضوء هو شاك فيه-. قال: "أحدهما: أن اجتناب النجاسة ليس بشرط، ولهذا لا يجب نيته -يعني نية إزالة النجاسة- فلو زالت النجاسة من غير نية، فإنه تزول". قال: "وإنما هو مانع، والأصل عدمه"، يعني أن النجاسة مانعة من الصلاة، والأصل عدم النجاسة. فإذا وجدت -لو أنه صلى بثوب نجس ناسيا أو جاهلا- صلاته صحيحا. بخلاف لو صلى من غير الوضوء جاهلا أو ناسيا، فعليه إعادة الوضوء والصلاة. ففرق بين الأمرين. قال: "بخلاف الوضوء؛ فإنه شرط، وقد شك في ثبوته". فأين هذا من هذا؟ الثاني: "أنه قد كان قبل الوضوء محدثا، وهو الأصل فيه"، يعني قالوا: بأن الأصل أنه محدث قبل الوضوء. فإذا شك في بقائه -أي بقاء الوضوء- كان ذلك رجوعا إلى الأصل -أي الحدث- يعني قالوا: هو قبل الوضوء محدث. طيب، هو الآن متيقن أنه على حدث، توضأ، فزال الحدث. شك في هذا الوضوء، قالوا: يرجع إلى الأصل، وهو كان قبل الوضوء -وهو الحدث-. قالوا: "وليس الأصل فيه النجاسة حتى نقول: إذا شك في حصوله رجعنا إلى أصل النجاسة". فهنا يرجع إلى أصل الطهارة، وهناك يرجع إلى أصل الحدث. قال: "الآخرون -أي الجمهور- أصل الحدث قد زال بيقين الطهارة، فصارت هي الأصل"، يعني الطهارة المتيقنة صارت هي الأصل. فإذا شككنا في الحدث رجعنا إليه -أي رجعنا إلى الأصل- وهو يقين الطهارة. قال: "فأين هذا من الوسواس المذموم شرعا وعقلا وعرفا؟" إذن، صحيح أنه إذا شك في الطهارة، فإنه إذا شك في الحدث، وهو قد تيقن الطهارة، فإنه يكون على الأصل، وهو بقاء الطهارة؛ لأن اليقين لا يزول بالشك. وعلى هذا، فيصلي بهذا الوضوء، وصلاته صحيحة، ولا يلزمه أن يعيد الوضوء. قال: "فصل: أما قولكم: إن من خفي عليه موضع النجاسة من الثوب وجب عليه غسله كله، فليس هذا من باب الوسواس، وإنما ذلك من باب ما لا يتم الواجب إلا به". فإنه قد وجب عليه غسل جزء من ثوبه، ولا يعلمه بعينه، ولا سبيل العلم بأداء هذا الواجب إلا بغسل جميعه. يعني كأن معترض يقول: كيف تقولون: إن من خفي عليه موضع النجاسة من الثوب وجب عليه أن يغسله كله؟ أليس هذا من الوسواس؛ لأن الواجب هو غسل الموضع الذي أصابه النجاسة؟ قال: "في جواب ذلك: أن هذا ليس من باب الوسواس، وإنه من باب ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب". فالواجب تطهير الثوب، وأن يصلي بثوب طاهر. وهو يعلم ويوقن بأن هذا الثوب قد أصابته نجاسة، لكن لا يعلم الموضع الذي أصابته النجاسة، ولا يمكن أن تزال هذه النجاسة إلا بغسل الثوب كله. إذن، هنا يجب أن يغسله كله، ليس من باب الوسوسة، وإنما من باب ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب. لكن لو علم موضع النجاسة، هل يلزم أن يغسل الثوب كله؟ الجواب: لا، يغسل الموضع الذي أصابه النجاسة فقط. بخلاف هذه المسألة إذا خفي الموضع الذي وقعت فيه النجاسة، فإنه يغسل الثوب كله من باب ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.