شرح الورقات للجويني 16

الدرس في شرح الورقات للجويني 16، ألقاها

تعريف الإجماع وأدلته

الإجماع هو اتفاق علماء الشريعة في عصر معين على حكم شرعي بعد وفاة النبي، وهو حجة شرعية لإثبات الأحكام. استدل العلماء على ذلك بحديث "لا تجتمع أمتي على ضلالة" وآية "وَمَن يَشَاقِقِ الرَّسُولَ".

حجية الإجماع ومرتبته بين الأدلة

الإجماع حجة يجب الأخذ به إذا كان مستندا إلى النصوص الشرعية، وهو في المرتبة الثالثة بعد الكتاب والسنة. يعتبر الإجماع قطعيًا إذا كان على أمور معلومة بالدين بالضرورة.

شروط انعقاد الإجماع وأنواعه

اختلف العلماء في اشتراط انقراض عصر المجتهدين لصحة الإجماع، وتناولت آراء الجمهور وبعض العلماء حول هذا الشرط، وتطرقت أيضًا لأنواع الإجماع وحجية الإجماع السكوتي.

آراء العلماء حول الإجماع المنقول

اختلف العلماء في الإجماع المنقول، فمنهم من اعتبره حجة لكن ليس بإجماع، ومنهم من اعتبره حجة وإجماع، بينما رأى داود الظاهري أنه ليس بحجة ولا إجماع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: الإجماع. قال: وأما الإجماع، فهو اتفاق علماء العصر على حكم الحادثة. ونعني بالعلماء الفقهاء، ونعني بالحادثة الحادثة الشرعية. وإجماع هذه الأمة حجة دون غيرها، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تجتمع أمتي على ضلالة». والشرع ورد بعصمة هذه الأمة. والإجماع حجة على العصر الثاني وفي أي عصر، ولا يشترط انقراض العصر على الصحيح. فإن قلنا: انقراض العصر شرط، فيعتبر قول من ولد في حياتهم وتفقها وصارا من أهل الاجتهاد، ولهم أن يرجعوا عن ذلك الحكم. والإجماع يصح بقولهم، وفعلهم، وبقول البعض، وبفعل البعض، وانتشار ذلك، وسكوت الباقين عنه. هذا المبحث فيما يتعلق بذكر الإجماع. قال: والإجماع فهو اتفاق علماء العصر. الإجماع في اللغة له معنى. المعنى الأول بمعنى الاتفاق، كما ذكر: أجمعوا على كذا، بمعنى اتفقوا. والمعنى الثاني بمعنى العزم، فأجمعوا أمركم يعني اعزموا. والمراد هنا بمعنى الاتفاق. قال: هو اتفاق علماء العصر على حكم الحادثة، ويزاد أو يقال: على حكم الحادثة الشرعية، أو حكم شرعي بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام. وقوله: اتفاق، يخرج ما إذا وجد خلاف، ولو وجد مخالف واحد، فلا إجماع. الإجماع المعتبر كما قال الشافعي رحمه الله: إذا قال أجمعوا، لم تجد أحدا يخالفك. أما أن نجد المخالف، ولو واحدا، فلا إجماع. قوله: علماء العصر، يعني أن يقع هذا الاتفاق من علماء العصر. المراد بهم علماء الشريعة في هذا العصر الذي انعقد فيه الإجماع، فيخرج بذلك غيرهم من غير علماء الشريعة، كأهل النحو مثلا، علماء النحو. كذلك أيضا علماء العقيدة، على هذا الاصطلاح. علماء من كان مقصما بعلم الحديث، علم له بدراية الحديث وفقه، فهؤلاء كلهم يخرجون؛ لأن الإجماع إنما يقع من اتفاق علماء الشريعة الذين عندهم علم بأحكام الشريعة. قوله: على حكم الحادثة، كل المراد بالحادثة الحادثة الشرعية. أمر يحتاج أن يتفق على معرفة هل هو حلال أو حرام، أو مشروع أو غير مشروع، فيخرج بذلك الاتفاق على أمور دنيوية، هذا لا يعد إجماعا. ويضاف كما قلنا: بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه في حياته فالعبرة بسنته عليه الصلاة والسلام، العبرة بسنته القولية والفعلية والتقريرية. قال: ونعني بالعلماء الفقهاء، يعني فقهاء الشريعة. وقلنا بهذا يخرج غير الفقهاء من علماء نحو مثلا، علماء المصطلح ونحوه ممن لا علم له بأحكام الشريعة. ونعني بالحادثة الحادثة الشرعية. قال: وإجماع هذه الأمة حجة دون غيرها، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تجتمع أمتي على ضلالة». الإجماع، إجماع هذه الأمة حجة، يعني يستدل به في إثبات الأحكام، كما هو قول الجمهور من أهل الأصول. واستدل العلماء على حجية الإجماع بقول الله جل وعلا: ﴿وَمَن يَشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. فقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني غير ما أجمعوا عليه واتفقوا عليه، فهو معرض لهذا الوعيد: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. وهكذا أيضا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تجتمع أمتي على ضلالة». هذا الحديث رواه الترمذي، وهو ضعيف له طرق متعددة يرتقي بها إلى الاحتجاج. وبهذا حسنه جماعة من أهل العلم، منهم الإمام الألباني رحمه الله في الصحيحة، حسنه بمجموع طرقه. فهذا الحديث يدل على أن الأمة لا تجتمع على ضلالة، فدل على أن ما اجتمعت عليه فهو حق، وإذا كان حقا وجب الأخذ به، فدل على حجية الإجماع. قال: وإجماع هذه الأمة حجة دون غيرها، يعني دون غير هذه الأمة، فليس إجماعهم بحجة. قال: والشرع ورد بعصمة هذه الأمة، كما سمعنا في هذه الأدلة يدل على أن الأمة هذه معصومة، وما أجمعوا عليه فهو حجة يحتج به ويجب العمل به. لكن مرتبة الإجماع هي في المرتبة الثالثة من الأدلة الشرعية بعد الكتاب والسنة. الإجماع في المرتبة الثالثة بعد الكتاب والسنة. وبعضهم جعله مقدم على الكتاب والسنة، وهذا لا شك أنه ليس بصواب. فنصوص الكتاب والسنة مقدمة على الإجماع الذي هو عبارة عن اتفاق جماعة من مجتهدي العصر من البشر، فلا يكون اجتماعهم وقولهم مقدم على قول الله وقول رسوله عليه الصلاة والسلام. وإن كان الإجماع هو مستند إلى النص، نعم الإجماع لا بد أن يكون مستند إلى النص، وكذلك يوصلك إلى النص، لكن النص مقدم. قال: وهل الإجماع حجة قطعية أو ظنية؟ يقال: الإجماع على قسمين، منه ما هو إجماع قطعي، ومنه ما هو إجماع ظني. فالإجماع القطعي، الإجماع على الأمور المعلومة بالدين بالضرورة، كالإجماع على وجوب الصلاة، على تحريم الزنا، تحريم شرب الخمر، مثلا تحريم الربا، هذه أمور معلومة من الدين بالضرورة، فالإجماع فيها قطعي لا شك فيه. وأما ما كان غير معلوم من الدين بالضرورة، وإنما هو عبارة عن استنباط من أدلة الشرع، فهذا ظني يكون فيه الإجماع ظنيا لا قطعيا. وهل يعتبر الإجماع في كل عصر وفي كل زمان؟ أم أنه معتبر في الزمان الأول؟ من أهل العلم من قال: الإجماع المعتبر ما كان في زمان الصحابة رضوان الله عليهم؛ لأنهم في ذاك الوقت كانوا مجتمعين ويمكن حصر أقوالهم، فيكون إجماعهم معتبرا. وأما بعد عصر الصحابة، فقد تفرقت الأمة وتشتتت، فيصعب حصر أقوالها. ولهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله، كما في رسالته الواسطية: «والإجماع المعتبر ما كان في القرون المفضلة»، ما كان في القرون المفضلة؛ وذلك لأن الأمة بعدها انتشرت، فيصعب حصر أقوالها. ومع ذلك يقال: بل هو حجة في كل زمان، إن صح الإجماع، وكان الإجماع معتبرا، ولا يوجد له مخالف، فهو حجة يجب الأخذ به وعدم مخالفته. قال: والإجماع حجة على العصر الثاني وفي أي عصر، ولا يشترط انقراض العصر على الصحيح. هذه المسألة مسألة انقراض العصر، هل يشترط في حجية الإجماع وفي انعقاده انقراض العصر؟ معنى هذه المسألة: إذا عندنا مثلا في هذا العصر عشرة من العلماء أجمعوا على حكم مسألة، هل يعتبر إجماعهم هذا حجة بمجرد أن يجمعوا، أو لا بد أن ينقرض يعني يموت هؤلاء العشرة وينقرضوا؟ فإذا ماتوا صار إجماعهم حجة لا يجوز مخالفته. منهم من قال: لا يشترط انقراض العصر. ومنهم من قال: يشترط انقراض العصر، فلا يعتبر قولهم حجة ولا إجماعهم حجة حتى ينقرضوا حتى يموتوا. وعلى قولهم هذا لو وجد في هذه الفترة التي يوجد فيها هؤلاء العلماء من بلغ إلى رتبة الاجتهاد ثم خالف، فلا ينعقد الإجماع، ويجوز له مخالفة هذا الإجماع الذي أجمعه عليه؛ لأنه لم ينعقد بعد لعدم انقراضهم. والقول الثاني: أنه لا يشترط، وهو قول الجمهور. القول بعدم اشتراط انقراض العصر هو قول الحنفية، وكذلك أيضا بعض الشافعية. قول الجمهور: أنه لا يشترط انقراض العصر، فبمجرد انعقاد الإجماع فإنه يكون حجة، لا يجوز لأحد مخالفة هذا الإجماع للذين أجمعوا، ولا من يأتي بعدهم ممن يبلغ رتبة الاجتهاد، فلا يجوز له مخالفة هذا الإجماع. قال: فإن قلنا انقراض العصر شرط، فيعتبر قول من ولد في حياتهم وتفقها وصار من أهل الاجتهاد، ولهم أن يرجعوا عن ذلك الحكم. إذا عندنا الآن أمران يترتب على هذه المسألة، وهي مسألة انقراض العصر. إذا قلنا أن انقراض العصر شرط، فيعتبر قول من ولد في حياتهم إذا أجمع هؤلاء العلماء في هذا العصر على مسألة، ثم ولد في حياتهم من بلغ إلى رتبة الاجتهاد، تعلم حتى صار مجتهدا ثم خالف، قالوا: فيعتبر خلافه؛ لأن الإجماع غير منعقد بعد، ولم يستقر لعدم انقراض أهل العصر. والأمر الثاني: لهم أن يرجعوا عن ذلك الحكم. لو أن واحدا من هؤلاء الذين أجمعوا، لأن هذا الأمر مثلا محرم، ثم على ذلك ظهر له أنه يجوز، قال له ذلك؛ لأن الإجماع لم ينعقد بعد، ولم يستقر لوجود عدم انقراض العصر. والقول الثاني: وهو أن انقراض العصر ليس بشرط، فلا يعتبر قول من ولد في حياتهم وبلغ رتبة الاجتهاد، ولا يجوز لأحد منهم أن يخالف هذا الإجماع، بل يصير حجة عليهم، كما أنه حجة على سائر الناس. قال: والإجماع يصح بقولهم، وبفعلهم، وبقول البعض، وبفعل البعض، وانتشار ذلك، وسكوت الباقين عنه. يعني بقول أهل الإجماع، وبفعلهم، يعني إذا قالوا قولا ولم يخالفهم أحد، أو فعلوا فعلا ولم يخالفهم أحد، فإنه يعتبر حجة. قال: وبقول البعض، وبفعل البعض، يعني البعض يقول قولا والآخر يفعل فعلا. بعضهم يقول، وبعضهم يفعل، يعني مثلا جواز ركوب مثلا الطائرات أو السيارات، بعضهم يقول بالجواز، وبعضهم يركبها ولا ينكر أحد، فيكون هذا إجماعا بقول البعض، وبفعل البعض. قال: وانتشار ذلك، وسكوت الباقين عنه، يعني انتشار هذا القول أو الفعل، وسكوت الباقين وعدم إنكارهم، هذا ما يسمى بالإجماع السكوتي. اختلف العلماء في حجية هذا النوع من الإجماع، والإجماع السكوتي. منهم من قال: أنه حجة وليس بإجماع. ومنهم من قال: بأنه حجة وليس بإجماع، يعني يحتج به لكن لا يرقى درجة الإجماع. ومنهم من قال: هو حجة وإجماع. ومنهم من قال: ليس بحجة ولا إجماع، وهذا قول داود الظاهري. ليس بحجة ولا إجماع. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على