كتاب المعاملات 21

الدرس في كتاب المعاملات 21، ألقاها

مفهوم الضمان وأحكامه العامة

الضمان هو التزام ما وجب على غيره، وهو جائز في حق المضمون ومستحب في حق الضامن إذا كان قادرا على الوفاء. لا يجوز أخذ العوض على الضمان.

شروط صحة الضمان وتفاصيل أحكامه

يشترط لصحة الضمان رضى الضامن وأن يكون جائز التصرف. يجوز ضمان شخص غير معروف والضمان بأي لفظ يؤدي معناه. يصح ضمان الحق المعلوم والمجهول إذا كان مآله إلى العلم.

مطالبة الورثة في الضمان وتطبيقاته العملية

يجوز للمضمون له مطالبة ورثة الضامن أو ورثة المضمون عنه بالحق المضمون؛ لأن هذا الحق في الأصل في ذمة المضمون عنه وقد تكفل به الضامن.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف - قده الله -: المسألة الرابعة في الضمان. قال: الضمان هو التزام ما وجب على غيره، التزام ما وجب على غيره. وبعض أهل العلم زاد في التعريف: التزام جائز التصرف ما وجب على غيره، بمعنى أن يلتزم هذا الحق الذي وجب على غيره، فيضمنه هذا الضامن، ويلتزم به. مثلا، يطالب زيد عمرا بعشرة آلاف، فيأتي علي فيقول: أنا أضمن، أنا أضمن هذا الحق، هذا المال الذي عند عمر، فيلتزم بهذا الحق بضمانه، فيسمى علي ضامنا، وعمر مضمونا عنه، وزيد مضمونا له. قال: وهو جائز جائز في حق المضمون، ومستحب بحق الضامن؛ لأنه من التعاون على البر والتقوى، هذا إذا كان قادرا على الضمان، وعنده استطاعة. أما إذا كان ما عنده استطاعة فالأولى لا يضمن شيئا من الحقوق، وهو غير مستطيع لوفائها. قال: لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حَمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، أي ضامن. ومنه قال: وقوله صلى الله عليه وسلم: «الزعيم غارم»، الزعيم بمعنى الكفيل والضمين، غارم بمعنى ضامن. ومنه ضمان أبي قتادة رضي الله عنه لدين الميت الأنصاري، لما جاء به ليصلي عليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعليه دين؟» قالوا: نعم، هل ترك ما يوفي به؟ قالوا: لا. قال: «صلوا على صاحبكم». فقال أبو قتادة رضي الله عنه: علي دينه يا رسول الله، أنا ضامن. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فنعم». فصل عليه. وكان هذا في أول الأمر، كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلي على من عليه دين حتى فتح الله جل وعلا عليه بعد ذلك، فصل على من كان عليه دين. قال: وقد أجمع العلماء على جوازه؛ لأن الحاجة تدعو إليه، وهو من باب قضاء الحاجات، والتعاون المأمور به شرعا، فهو من الإحسان. قد يكون الإنسان، يعني المطلوب، لا يتوفر عنده هذا الحق في ذلك الوقت، ويستطيع أن يوفره في وقت لاحق، ويطالبه صاحب الحق ويشدد عليه في الطلب، فتأتي تفرج عنه، تقول: أنا أضمنه، فتعطيه فرصة لإيتاء هذا الحق لصاحبه، فهذا من باب الإحسان والتعاون على الخير. قال: أحكام الضمان وشروطه. أولا: لا يجوز أخذ العوض عليه، لا يجوز أخذ العوض على الضمان، يعني أخذ العوض على الضمان. ما تقول: شامت، أنا أضمنك، أضمن الحق الذي عليك، لكن تعطيني كذا وكذا، هذا لا يجوز؛ لأنه إذا أخذ عليه عوض لم يكن يعني إحسانا، بل صار معاوضة، وإنما الضمان هو عقد إحسان وإرفاق وتبرع. وهل له أن يرجع إلى صاحب الحق إذا ضمنه ودفع ما عليه؟ يعني إذا ضمن زيد عمر، ثم لم يدفع عمر، فدفع زيد الحق الذي على عمر، هل يرجع ويطالب عمر بهذا الحق؟ الجواب في تفصيل: إذا كان قد نوى التبرع، أن يتبرع عنه، هذا في نيته، أنه دفع عنه هذا الحق متبرعا، فهنا ليس له أن يرجع ويطالبه. وإن دفع عنه هذا الحق وهو ينوي الرجوع، فإنه يرجع عليه. وإذا لم ينو دفع عنه هذا الحق، وهو لم ينو الرجوع ولا التبرع، قال بعض أهل العلم: ليس له الرجوع. وقال آخرون: له أن يرجع، وهو الصحيح، له أن يرجع ويطالبه بهذا الحق الذي دفعه وسلمه له أو سلمه عنه. قال ثانيا: يجوز تعدد الضامنين، فيجوز أن يضمن الحق اثنان فأكثر، يجوز أن يتعدد الضامنون. مثلا، سعد يطالب أبا طاهر بحق، فقال: يا أبا طاهر، ادفع هذا الحق وإلا أخذتك إلى المحكمة. فأتيت أنا وسامح، قلنا: نحن نضمنه، نضمن هذا الحق الذي عليه، نحن اثنان نضمنه، هل يجوز؟ الجواب: نعم، يجوز. يجوز أن يكون الضامن، الضامن أكثر من واحد. وإذا ضمن أكثر من واحد، فإنه يرجع إلى من شاء منهم، إذا شاء يطالبني، وإن شاء يطالب سامح، أو يطالب أبا طاهر، يطلب من شاء من الضامنين أو صاحب الحق. وبعض أهل العلم قال: إن ما يطلب الأصل، يطلب الأصل الذي أخذ الدين منه، والحق منه، فإذا لم يتمكن من ذلك أو تعذر الاستيفاء منه، فيرجع على الضامنين. قال ثالثا: لا يشترط في صحته معرفة الضامن للمضمون عنه، يعني يأتي إنسان يضمن شخصا ما يعرفه، هل يجوز؟ الجواب: نعم، يجوز. كما ذكرنا في درس الماضي في الكفالة، وهكذا في الضمان، تجد شخصا يطالب شخصا بحق وأنت ما تعرفه، فتقول: أنا أضمنه، أنا أضمن الحق الذي عليه. أو مثلا يريد أن يبيع له شيئا بالدين، يأتي شخص إلى صاحب دكان ويقول: بيع لي هذه البضاعة بالآجل، فيقول: سأفعل، لكن من يضمنك؟ من يضمن لي هذا الحق؟ أنا ما أعرفك. فتقول: أنا أضمنه، أنا أضمن هذا الحق، وأنت ما تعرفه، هل يجوز؟ الجواب: نعم، يجوز. بل ويجوز كذلك أن تضمن الحق الذي عليه وإن لم تعرف ما هو، هذا جائز. لكن الأولى أنك تتعرف على الحق الذي عليه حتى ما توقع نفسك في الحرج. قال رابعا: يصح ضمان المعلوم والمجهول إذا كان يأول إلى العلم، وكذلك يصح ضمان عهدة البيع أو عهدة المبيع. يصح ضمان المعلوم والمجهول إذا كان يأول إلى العلم. المعلوم واضح، يكون هذا الحق الذي تضمنه شيئا معلوما، إما سلعة، يعني ثمن سلعة، مثلا يكون مثلا مال ألف أو خمسة آلاف أو عشرة آلاف، هذا شيء معلوم. أو يكون شيئا مجهولا يقول إلى العلم، مثل حمل البعير، حمل البعير شيء مجهول لكن مآله إلى العلم، مآله إلى العلم، يعني أن ما يحمله البعير في الغالب معلوم، قد يزيد وقد ينقص شيئا ما، فمثل هذا يجوز. والدليل قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حَمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، يعني ضمن حمل البعير، وحمل البعير يعني مجهول لكن يؤول إلى العلم، فإذا كان كذلك فيجوز. أما إذا كان مجهولا لا يمكن العلم به، هنا لا يجوز؛ لما فيه من الجهالة. قال: وكذلك يصح ضمان عهدة المبيع، عهدة المبيع يعني صحة البيع، وكون هذا المبيع ثابتا ملكه لصاحبه. مثلا عندي سيارة وعند شخص آخر مثلا قطعة أرض، فأقول: بيع لي هذه القطعة بهذه السيارة، سأبيع لك سيارتي على أن تعطيني الأرض التي معك التي لك، فيقول مثلا: رضيت، لكن من يضمن لي أن هذه السيارة هذه ملكك وأنك تسلمها لي؟ أريد من يضمن عهدة هذا البيع، من يضمن عهدة هذا البيع أن هذه السيارة ملكك وأنك تسلمها لي. فيأتي من يضمن عهدة هذا البيع، أو العكس، العكس بأن يطالب صاحب السيارة صاحب الأرض، إذا قال صاحب الأرض لصاحب السيارة: أنا عندي أرض، أرض يعني كبيرة مساحتها كذا وكذا في المكان الفلاني، أبيعها لك بمقابل هذه السيارة التي معك، فيقول صاحب السيارة: أرضا، لكن من يضمن لي عهدة البيع أن هذه الأرضية لك وأنها ملكك وأنك تسلمها لي؟ فيأتي من يضمن عهدة البيع، هذا معنى عهدة البيع، يعني صحة البيع وثبوت الملك لصاحبه، فهذا أيضا يجوز ضمانه. قال خامسا: يصح الضمان بكل لفظ يؤدي معناه، كأنا ضامن أو ضمين أو زعيم أو نحو ذلك، كل لفظ يدل على الضمان فيصح، أنا ضامن، أنا مضمون، أو أنا ضمين، أنا زعيم، أنا متكفل بذلك، مثلا أو نحو ذلك من العبارات التي تؤدي هذا المعنى. قال سادسا: لا تبرأ ذمة الضامن إلا إذا برئت ذمة المضمون عنه من الدين بإبراء أو قضاء. لا تبرأ ذمة الضامن إلا إذا برئت ذمة المضمون عنه، يعني ذمة الأصل، فلا تبرأ ذمة الفرع إلا إذا برئت ذمة الأصل. فإذا برئت ذمة الأصل برئت ذمة الفرع، الضامن فرع والمضمون أصل، فلا يبرأ الضامن إلا إذا برئ المضمون عنه. كيف يبرأ؟ قال: بإبراء أو قضاء، بإبراء، لو أن صاحب الدين، صاحب الحق، قال للمضمون عنه: قد عفوت عنك وأنا أبرئك من الدين وتنازلت عنه، فهنا يبرأ الضامن. يبرأ الضامن لأن المضمون قد برئ، وتنازل صاحب الحق. أو يكون الإبراء بالقضاء، بأن يوفي هذا الدين المضمون عنه، يعطي صاحب الحق حقه، وحينئذ يبرأ هذا الضامن. قال سابعا: يشترط لصحته رضى الضامن، فإن أكره على الضمان لم يصح، ولا يشترط رضى المضمون عنه ولا رضى المضمون له. وهذا بلا خلاف، كما قال ابن قدامة - رحمه الله -: إنه لا يشترط في الضمان إلا رضى الضامن؛ لأنه هو الذي سيتحمل هذا الحق، ولأن الضمان عقد، ولا بد في جميع العقود من الرضا. فإن أكره على الضمان لم يصح، لو أكره على الضمان لم يصح، لو جئ بإنسان بالقوة وقيل له: اضمن فلانا وإلا سنضربك أو سنفعل بك كذا وكذا، قال: أنا أضمنه، فضامنه وهو مكره، لا يصح هذا الضمان، وليس عليه شيء لو ترك بعد ذلك، فلا يتحمل هذا الحق لأنه لم يكن برضاه. فلابد من رضى الضامن أن يتحمل هذا الحق ويضمنه برضاه. ولا يشترط رضى المضمون عنه، يعني لو قال المضمون عنه: أنا ما أرضى، نقول: رضى غير معتبر. يعني لو جاء مثلا كما مثلنا عندما وجد البائع يطلب من المشتري الضمان: من يضمنه؟ فجاء هذا الضامن، قال: أنا أضمن، فقال المضمون عنه: أنا ما أرضى، قال: لا يعتبر رضاك، لا يعتبر رضاك. فإذا ضمن فإنه يضمن هذا الحق وإن لم يرض المضمون عنه، فلا يعتبر رضاه، ولا المضمون له، وهو البائع مثلا، صاحب الحق، المعتبر هو رضى الضامن. قال: كما يشترط لصحته أن يكون الضامن جائز التصرف، بأن يكون بالغا عاقلا رشيدا. وهذا في جميع التصرفات، لا بد في صاحبها أن يكون على هذا الوصف، أن يكون عاقلا بالغا رشيدا. فإذا جاء صبي يضمن، ما يصح ضمانه؛ لأنه غير بالغ، حتى لو كان يحسن التصرف، حتى لو كان يحسن التصرف وهو غير بالغ، فإنه لا يصح ضمانه؛ لأن الله عز وجل يقول في اليتامى: ﴿فَإِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ وَابْتَلُوا الرُّشْدَ﴾، ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، فاشترط الله جل وعلا شرطين بدفع الأموال لهم، أولهما البلوغ والثاني الرشد، فلابد من هذين الشرطين، البلوغ والرشد، حتى يكون جائز التصرف. قال: أن يكون بالغا عاقلا، خرج به المجنون، فالمجنون لا يستتصرفه، فلا يصح أن يكون ضامنا. قد يكون مجنونا عنده أموال، قد يكون عنده أموال ربما غني، فيأتي يضمن شخصا، يضمن حقا لشخص، يقول: أنا ضامن، هل صح؟ الجواب: لا، لعدم العقل، لا بد في الضامن أن يكون عاقلا. والشرط الثالث أو الوصف الثالث، ينبغي أن يكون في الضامن الرشد، أن يكون رشيدا. قد يكون بالغا ويكون عاقلا، لكنه سفيه لا يحسن التصرف، لا يحسن التصرف، يبعثر بالأموال ويعبث بها. كما ذكر بعض العلماء: إذا روى مثلا إذا كانت معه أموال أوراق، فأخذتها الريح ورهاها، طارت، أعجبه هذا المنظر، فجعل يرمي بالأوراق النقدية واحدة تلو الأخرى، ينظر إليها ويتفرج بالهواء، هذا يعتبر سفيها، مثل هذا لا يعني يجوز تصرفه. فلابد أن يكون رشيدا يحسن التصرف، من حسن التصرف في البيع والشراء، أنه إذا باع واشترى لم يغبن غبنا فاحشا، لم يغبن غبنا فاحشا، فلا يشتري الشيء الزهيد بالثمن الكبير، ولا يبيع الشيء الغالي بالثمن الزهيد، إذا فعل ذلك فهذا ليس برشيد، هذا ليس برشيد. أما إذا باع واشترى وحصل غبن يسير، شيء قليل يسير، هذا ما يضر. أما إذا كان غبنا فاحشا فهذا يعتبر من السفه وعدم حسن التصرف. ويزاد أيضا أمر رابع، شرط رابع، وهو الحرية، أن يكون حرا؛ لأن المملوك لا يتصرف إلا بإذن سيده، إذا فيكون يشترط في الضامن أن يكون عاقلا بالغا حرا رشيدا، فإذا وجد فيه هذه الشروط صح ضمانه. طيب إذا مات المضمون، إذا مات الضامن أو المضمون عنه، فصاحب الحق المضمون له، هل له أن يطالب الورثة؟ الجواب: نعم، يطالب الورثة، ورثة الضامن أو ورثة المضمون عنه، فله أن يطالب هؤلاء أو هؤلاء؛ لأن هذا الحق له، وقد تكفل الضامن بضمان هذا الحق، وهو أيضا في الأصل أنه في ذمة المضمون عنه، فله أن يطالب ورثة هؤلاء أو أولئك. طيب هذا ننتهي من ما يتعلق بالضمان إلى هنا. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على