الدرس في كتاب الأيمان والنذور 1، ألقاها
يشرح هذا الفصل تعريف الأيمان لغة وشرعا، ويتناول أقسام اليمين الثلاثة. يبين أن الأيمان هو الحلف أو القسم بالله أو بصفة من صفاته.
يناقش هذا الفصل أحكام أقسام اليمين الثلاثة، حيث يشير إلى أن اليمين اللغو لا كفارة فيه، بينما اليمين المنعقدة تجب فيها الكفارة، واليمين الغموس كبيرة من الكبائر وتتطلب التوبة وإرجاع الحقوق.
يتناول هذا الفصل كفارة اليمين وشروط وجوبها، ويختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف: وقال الله: كتاب الأيمان والنذور، ويجتمع على بابين: الباب الأول الأيمان، والباب الثاني النذور. قال: الباب الأول الأيمان، وفيه مسائل. المسألة الأولى في تعريف الأيمان. قال: أيمان لغة جمع يمين، وهو الحلف أو القسم، ويسمى الحلف يمينا؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل واحد منهم بيمينه على يمين صاحبه في الأجل، ذلك سمي الحلف يمينا. فالأيمان جمع يمين، وهو الحلف أو القسم عندما يحلف الإنسان أو يقسم، فتسمى هذا الحلف أو القسم يمينا. قال: وشرعا توكيد الشيء المحلوف عليه بذكر اسم الله أو صفة من صفاته. توكيد الشيء المحلوف عليه بذكر اسم الله أو صفة من صفاته. فتبين من هذا أن الحلف لا يكون إلا بالله، لا يكون إلا بالله أو صفة من صفات الله، ولا يجوز الحلف بغير الله، كما سيأتي في الحلف أو أنواع الحلف المحرم. وإنما يكون الحلف بالله جل وعلا، والله، أو يزاد بعد قول أو صفة من صفاته بحرف من حروف القسم: والله بالواو، أو التاء، الله، نعم، أو الهمزة، أو الها أحيانا. فتؤكد هذا الشيء بذكر اسم الله، والله مثلا: لا أسافر إلى البلد الفلاني، أو والله لا أكلم فلانا، أو والله لا أدخل المكان الفلاني، ونحو ذلك، أو بصفة من صفات الله: كعزة الله، وقدرة الله، والذي نفسي بيده، كان هذا من حلف النبي عليه الصلاة والسلام، أو كذلك أيضا تقسم بوجه الله جل وعلا بسبب صفات الله الخبرية الذاتية: أقسم بوجه الله، أو أقسم بعظمة الله. قال: المسألة الثانية أقسام اليمين. تنقسم اليمين من حيث انعقادها وعدم انعقادها إلى ثلاثة أقسام. الأول: اليمين اللغو، وهو الحلف من غير قصد اليمين، كأن يقول: لا والله، وبلا والله، وهو لا يريد بذلك يمينا، ولا يقصد به قسما، فهذا يعد لغوا. أو يحلف على شيء يظن صدقه فيظهر خلافه، لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قالت عائشة رضي الله عنها: أنزلت هذه الآية: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ في قول الرجل: لا والله، وبلا والله. والحديث في البخاري. وهذه اليمين لا كفارة فيها، ولا مؤاخذة، ولا إثم على صاحبها. الآن عندنا لغو اليمين له صورتان: الصورة الأولى جريان اليمين على اللسان من غير قصد عقد اليمين فيما يحلف به الإنسان في بيته مع أولاده أو مع صاحبه، يقول مثلا: والله لا أضربكم، أو والله لا أفعل كذا وكذا، يقول لأولاده مثلا إذا أزعجوه فيحلف، ويجري اليمين على لسانه من غير قصد عقد اليمين، هذا لغو اليمين. أو قد يكون مثلا يقول لصاحبه إذا أراد أن يخرج: لا، لا تخرج، يقول: سأخرج، والله، الله ما تخرج، ويقول: والله يخرج، كل يحلف من غير قصد عقد اليمين، فهذه من لغو اليمين. وصورة ثانية: أن يحلف على الشيء يظنه أنه كما قال فيتبين خلافه، يتبين خلافه. مثلا يتناقش طالب العلم مع صاحبه في مسألة من المسائل، فيقول: هذه المسألة في الكتاب الفلاني، فيقول صاحبه: لا، يقول: والله، والله إنه في الكتاب الفلاني، على حسب ظنه، على حسب علمه وما يغلب على ظنه، فينظر إلى الكتاب إذا المسألة غير موجودة، فيكون هذا من لغو اليمين. أو مثلا يسأل: متى سيأتي فلان من السفر؟ يقول: سيأتي غدا، والله سيأتي غدا، على حسب علمه وما أخبره به هذا المسافر أنه سيأتي في الغد، ثم تخلف فلم يأتي في اليوم الذي حلف عليه، فيعد هذا من لغو اليمين. طيب أن يحلف على شيء يظن صدقه فيظهر خلافه، فهذا من لغو اليمين التي لا كفارة فيها. لغو اليمين لا كفارة فيها، ولا مؤاخذة، يعني من حيث الإثم والوقوع في الذنب، فليس عليه شيء في ذلك. الله عز وجل أسقط عن الإنسان المؤاخذ في لغو اليمين: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. والله غفور حليم. وفي آية المائدة: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾. قال: ثانيا اليمين المنعقدة. قال: وهي اليمين التي يقصدها الحالف ويصمم عليها، وتكون على المستقبل من الأفعال، وتكون على أمر ممكن، فهذه يمين منعقدة مقصودة، فتجب فيها عند الحنث كفارة، لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾. هذه اليمين المنعقدة التي يؤاخذ عليها الإنسان إذا عقدها، فإن خالف ما حلف عليه وقع في الحنث. قال: وهي اليمين التي يقصدها الحالف ويصمم عليها، يعني يحلف وهو قاصدا عقد اليمين، ناويا لعقدها. فقوله: التي يقصدها الحالف، خرج بذلك ما لم يقصده، خرج بذلك ما لم يقصده، فإن ذلك لا يؤاخذ به إذا جرى اليمين على لسانه خطأ أو نسيانا، أراد أن يتكلم بشيء فحلف من غير قصد، أخطأ في ذلك، فإنه لا يؤاخذ لعموم قول الله جل وعلا: «ربنا لا تواخذنا إن نسينا أو أخطأنا»، «وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم». ويبدو أن تكون هذه اليمين على شيء مستقبل سيفعله في المستقبل: والله لا أكلم فلانا، والله لا آكل كذا، والله لا أذهب في المكان الفلاني، والله لا ألبس كذا، يكون شيء في المستقبل. أما إذا كان على شيء ماضي وهو كاذب، فهذه اليمين الغموس كما سيأتي. وإن كان صادقا، فهذه ليس فيها كفارة، وليست هي اليمين المنعقدة. اليمين المنعقدة تكون في الشيء المستقبل الذي سيفعله في المستقبل. قال: وتكون على أمر ممكن، تكون على أمر ممكن: لا أكلم، لا أذهب، لا أفعل كذا، شيء باستطاعته. أما إذا كان شيء غير ممكن، شيء مستحيل، فهذه لا تنعقد بها اليمين، وتكون من لغو اليمين. لو قال: والله سأطير مثلا غدا في الجو وأصير إلى مكة، هذا شيء مستحيل، هذا لغو. أو والله سأرجع شابا، هو في الكهل أو الشيخوخة، هذا شيء مستحيل، معتبر هذا لغو، لا تنعقد بها اليمين؛ لأنها على شيء مستحيل. قال: فهذه يمين منعقدة مقصودة، إذا كانت بقصد وبأمر مستقبل وفي أمر ممكن، فهذه التي تنعقد، تجب فيها عند الحنث كفارة. عند الحنث، يعني إذا لم يف بهذه اليمين، لم يف بهذه اليمين، ففعل ما حلف على تركه، أو ترك ما حلف على فعله، فهنا تجب عليه الكفارة. فيقال: فلان حنث في يمينه، حنث في يمينه، أي خالف ما حلف عليه، ولم يف بهذه اليمين. قال: ثالثا اليمين الغموس، وهي اليمين الكاذبة التي تهضم بها الحقوق، أو التي يقصد بها الغش والخيانة، فصاحبها يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب. طيب قال: اليمين الغموس، وهي اليمين الكاذبة التي تهضم بها الحقوق، أو التي يقصد بها الغش والخيانة، فصاحبها يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب، وهي كبيرة من الكبائر، ولا تنعقد هذه اليمين، ولا كفارة فيها؛ لأنها أعظم من أن تكفر، ولأنها يمين غير منعقدة، فلا توجب الكفارة كاللغو، وتجب التوبة منها، ورد الحقوق إلى أصحابها إذا ترتب عليها ضياع الحقوق. وسميت هذه اليمين غموسا؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ثم في نار جهنم، عياذا بالله. ودليل حرمتها قول تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس». ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وبهت مؤمن، ويمين صابرة يقطع بها مال امرئ مسلم بغير حق». هذا النوع الثالث من أنواع اليمين: اليمين الغموس، وهي اليمين الكاذبة التي تهضم بها الحقوق، أو يقصد بها الغش والخيانة، يحلف الإنسان على الشيء كاذبا، يقول: والله هذا المال لفلان، هو يعلم أنه ليس له، يعلم أنه ليس له. هذا يمين غموس. أو يقول: والله ما قلت كذا وكذا، هو قال. أو والله إن هذه الأرض لفلان، هو يعلم أنه ليس له، فهذه يمين غموس. صاحبه يحلف على الشيء، هو يعلم أنه كاذب، يعلم أنه كاذب. أما إذا كان لا يعلم، قال ذلك على سبيل الجهل، إذا قال: والله إن فلان جاء، فتبين الذي جاء غيره، هذا لا يكون يمين غموس؛ لأنه حلف على شيء يظنه، فتبين خلاف ذلك، بخلاف الذي يعلم بحقيقة الشيء، ثم يحلف على خلافه، يحلف على خلافه. واليمين الغموس كبيرة من كبائر الذنوب، كبيرة من كبائر الذنوب، كما ذكر في الأدلة، في حديث ابن عمر: «الكبائر: الإشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس»، يعني هذه من الكبائر، هذه من الكبائر العظيمة. فذكر اليمين الغموس مع قتل النفس، وعقوق الوالدين، والإشراك بالله. وفي حديث أبي هريرة: «خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وبهت مؤمن»، بهت مؤمن يعني أن تقول فيه شيئا ليس فيه، أن تنسب إليه شيئا أو تتهم بشيء هو منه بريء، «ويمين صابرة يقطع بها مال امرئ مسلم بغير حق». يمين صابرة: الصابرة يعني من الصبر والحبس، ومعنى ذلك أن صاحبها يلزم بها، ويحبس عليها، وتكون لازمة له، ويؤاخذ عليها، يقطع بها مالا بغير حق؛ لأنه يحلف في باب الدعاوى، في باب الدعاوى: البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، فلو كان المدعي محقا، والمنكر كاذبا، لكن المدعي ما عنده بينة، يقال له: هات البينة، يقول: ما عندي، يقال له: لك ما لك إلا يمين المدعى عليه، فيحلف، يحلف المدعى عليه أن هذا له، أو أن هذا الحق له وليس له، فماذا يقضي الحاكم والقاضي؟ يقضي بأنه له؛ لأنه حلف بأنه له، هذه اليمين يمين غموس، يقطع بها مال إمرئ مسلم بغير حق، وهي كما سمعنا كبيرة من كبائر الذنوب. وهذه اليمين، اليمين الغموس، ليس فيها كفارة، ليس فيها كفارة. ما يقول قائل: أنا سأحلف ثم أتوب وأكفر مثل ما أكفر في اليمين العادية التي تنعقد، يقال: لا، اليمين الغموس ما فيها كفارة، ما فيها إلا التوبة الصادقة النصوح، وإرجاع الحقوق إلى أهلها وأصحابها، لا تنفع فيها الكفارة، فهي أعظم من أن تكفر؛ لأنها حلف بالله جل وعلا، وكذب على الله، وأخذ أموال الناس بغير حق، بالباطل، فلابد فيها من توبة صادقة، وإرجاع الحقوق إلى أصحابها. وسميت هذه اليمين غموسا؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم، تغمس صاحبها في الإثم. وقيل: تغمس صاحبها في النار، فهي بسبب عظم أمرها قد تصل بصاحبها إلى دخول النار. وكذلك أيضا أن صاحبها جمع بين أمرين: صاحب اليمين الغموس جمع بين أمرين: الأمر الأول الكذب، والأمر الثاني وهو الاستهانة بيمين الله، وبالحلف بالله، فشابه في ذلك أهل النفاق، شابه في ذلك أهل النفاق. فالمنافقون يحرفون بالله، ويكذبون، ولا يبالون، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾. ثم قال: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. جنة وقاية، يحلفون حتى لا يؤخذون، ولا يعاقبون، فصار هذا الحالف باليمين الغموس مشابها لأهل النفاق في هاتين الصفتين، فاستحق هذا الذنب العظيم. وقول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾. دخلا أي خديعة ومكرا، دخلا أي خديعة ومكرا، أي لا تتخذوا الأيمان بينكم مكرا وخديعة، تكذب على أخيك وتأخذ ماله بغير حق عن طريق الأيمان والحلف، ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ أي بعد استقامتها وبعد حسن حالها، فتزل وتنحرف بسبب ذلك. ثم ذكر بعد ذلك المسألة الثالثة، وهي كفارة اليمين وشروط وجوبها. وانتهى الوقت الذي يفيد بهذا القدر إلى هنا. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.