الدرس في التعليق على كتاب كشف الشبهات 2، ألقاها
المقطع الأول يعرف برسالته "كشف الشبهات" للعلامة محمد بن عبد الوهاب، ويشرح معنى التوحيد كإفراد الله بالعبادة. يبدأ المؤلف رسالته بتعريف التوحيد وأهميته.
التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، وهو دين الرسل جميعًا الذين دعوا أممهم إلى عبادة الله وحده. ينقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات.
المقطع يشرح كيف وقع الشرك بسبب الغلو في الصالحين، وأن اتخاذ الوسائط بين العبد وربه هو سبب للكفر والشرك. يُبين أن عبادة الصالحين باطلة وتتعارض مع تعاليم الله، وأن هؤلاء الصالحين بريئون من هذه العبادة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذه الرسالة التي بين أيدينا للعلامة محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله، واسمها "كشف الشبهات". وهذه الرسالة هي، كما يتبين من عنوانها، عبارة عن شبهات. هذه الشبهات ذكرها خصوم الشيخ رحمه الله من غلاة المتصوفة والمبتدعة الظلالة، الذين غلوا في الصالحين ووقعوا في عبادة القبور. فلما دعا الشيخ رحمه الله إلى دعوة التوحيد وإفراد الله جل وعلا بالعبادة ونبذ الشرك بجميع صوره وأنواعه، عرضه هؤلاء المعارضون بهذه الشبه التي وضعوها وأرادوا أن يدافعوا بها عن الباطل. فرد عليهم الشيخ رحمه الله بهذه الرسالة وأسماها بـ "كشف الشبهات". والكشف الشبهات: الكشف هو إزالة الغطاء، إزالة الغطاء عن الشيء. فمثلا الإناء أو القدر يكون له غطاء، إذا أزلت أو رفعت هذا الغطاء فقد كشفت عما في داخله. فالكشف إزالة الغطاء عن الشيء، ومنه قول الله جل وعلا: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾، أي: ما كان مغطى على قلبك قد كشف ورفع. والشبهات جمع شبهة، والشبهة هو الأمر الذي يشتبه، الذي يكون فيه اشتباه: هل هو من الحلال أو من الحرام؟ هل هو من الحق أو من الباطل؟ كما في قول النبي عليه الصلاة والسلام: "إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات"، يعني: أمور تشتبه، لا يدرى: هل هي من الحلال أو من الحرام؟ فهذه الشبه يعرفها أهل العلم، فيعرفون: هل هي من الحلال أو من الحرام أو من الحق أو من الباطل؟ بما أتاهم الله سبحانه وتعالى من علم يميزون به بين الحق والباطل. فكشف الشيخ رحمه الله هذه الشبهات التي وضعها عباد القبور للدفاع عن الباطل وعن غلوهم في الصالحين وما وقعوا فيه من أنواع الشرك. فقال رحمه الله في مقدمة هذه الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم، اعلم رحمك الله أن التوحيد هو إفراد الله سبحانه بالعبادة، وهو دين الرسل الذين أرسلهم الله به إلى عباده". فأولهم نوح عليه السلام، أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين: ودا وسواعا ويغوثا ويعوقا ونسرا. وآخر الرسل محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين. أرسله الله إلى أناس يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرا، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله، يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده، مثل الملائكة وعيسى ومريم وأناس غيرهم من الصالحين. فبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم عليه السلام، ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله تعالى، لا يصلح منه شيء لغير الله، لا لملك مقرب ولا نبي مرسل، فضلا عن غيرهما. وإلا، فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله هو الخالق الرزاق وحده لا شريك له، وأنه لا يرزق إلا هو، ولا يحيي ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السماوات ومن فيهن والأراضين السبع ومن فيهن كلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره. بدأ المؤلف رحمه الله بذكر البسملة في ابتداء رسالته اقتداء بكتاب الله جل وعلا، فإنه مبدوء بالبسملة، وبسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يبدأ رسائله بذكر البسملة. وتذكر البسملة عند ابتداء سائر الأعمال تبركا باسم الله جل وعلا، واستعانة بالله جل وعلا. قال: "اعلم رحمك الله أن التوحيد هو إفراد الله سبحانه بالعبادة". اعلم، أي: بمعنى تعلم وعرف، أو تعلم وعرف هذه المسائل التي ستذكر، فينبغي أن تتعلمها وأن تفهمها. والعلم: إدراك الشيء أو معرفة الشيء على ما هو عليه معرفة جازمة. فكأنه يقول: اعلم واعرف هذه الأمور معرفة يقينية جازمة لأهميتها. وكثيرا ما يستعمل المؤلف رحمه الله هذا الأسلوب في رسائله: أن يبدأها بعد البسملة والمقدمة أن يقول: "اعلم رحمك الله". وهذا للتنبيه لأهمية ما سيذكر. وقوله: "رحمك الله"، هذا دعاء من المؤلف رحمه الله للمتعلم أن يرحمه الله جل وعلا. وهذا مما يدل على سلامة سريرة المؤلف ومحبته للخير للمتعلم والقارئ والسامع. قال: "أن التوحيد هو إفراد الله سبحانه بالعبادة". أي: التوحيد مصدر من وحد يوحد توحيدا إذا جعل الشيء واحدا. وقوله: "هو إفراد الله سبحانه بالعبادة"، هذا التعريف هو لتوحيد الألوهية. توحيد الألوهية: وهو إفراد الله سبحانه بالعبادة، بمعنى أن تصرف سائر العبادات لله جل وعلا، سواء كانت العبادة قلبية أو كانت قولية أو كانت فعلية. والعبادة كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة". الأقوال أو الأعمال الباطنة كالخوف والخشية والرهبة والإنابة والتوكل وغيرها من أعمال القلوب، كلها يجب صرفها لله. والأعمال الظاهرة القولية كقراءة القرآن والتسبيح والتكبير والتحميد والاستغفار إلى آخره، والدعوة إلى الله، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والفعلية كالصلاة والصيام والزكاة والحج وجهاد وغيرها من الأعمال، هذه العبادات كلها يجب أن تكون لله وأن تصرف لله جل وعلا وحده. هذا معنى إفراد الله سبحانه بالعبادة. والتوحيد كما نعلم من قسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات. توحيد الألوهية كما سمعنا: إفراد الله جل وعلا بالعبادة. وتوحيد الربوبية: إفراد الله جل وعلا بالخلق والملك والتدبير وسائر أمور الربوبية، أي: المتفرد بالخلق والملك والتدبير هو الله سبحانه وتعالى وحده، فلا رب غير الله ولا خالق إلا الله. كما قال الله جل وعلا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. وتوحيد الأسماء والصفات: هو إثبات ما أثبته الله جل وعلا لنفسه أو أثبته له رسوله من الأسماء والصفات من غير تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. والتوحيد المراد الكلام عليه في هذا الباب وفي هذا الكتاب هو توحيد الألوهية، وهو إفراد الله جل وعلا بالعبادة. قال: "وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده". أي: التوحيد الذي هو إفراد الله بالعبادة وتوحيد الألوهية هو دين الرسل جميعا. فدين الرسل جميعا كلهم يدعون إلى هذا التوحيد، وهو إفراد الله جل وعلا بالعبادة. قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. وهكذا غيرها من الآيات كثير في بيان دعوة الرسل أنهم يدعون إلى توحيد الله وإلى إفراد الله جل وعلا بالعبادة. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول كما في الصحيحين: "الأنبياء إخوة لعلات دينهم واحد". الأنبياء إخوة لعلات: الإخوة لعلات هم الإخوة لأب، الإخوة لأب يكون أبوهم واحدا وأمهاتهم مختلفة. فالأنبياء إخوة لعلات دينهم واحد، أي: أصل دعوتهم ودينهم هو التوحيد ودعوة إلى توحيد الله وإفراد الله بالعبادة، هذا دين الأنبياء جميعا. وأمهاتهم شتى، شرائعهم مختلفة، ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. قال: "أرسلهم الله به إلى عباده، فأولهم نوح عليه السلام". أول الرسل نوح عليه السلام، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾. فأول رسول أرسله الله جل وعلا يدعو إلى توحيد الله ونوح عليه السلام. وكان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلها على التوحيد. فوقع الشرك بعد ذلك في زمن نوح عليه السلام. قال: "أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين: ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا". هؤلاء كما قال ابن عباس كما في صحيح البخاري: أسماء رجال صالحين من قوم نوح، لما ماتوا أوحي الشيطان إلى أوليائهم أن ينصبوا إلى مجالسهم أنصابا وسموها بأسمائهم. قال: "حتى إذا هلك أولئك القوم ونسي العلم عبدت". سول الشيطان لأولياء هؤلاء الصالحين أن يصوروا صور هؤلاء الصالحين حتى يتذكروهم فينشطوا للعبادة والطاعة. فلما ماتوا وجاء من بعدهم زين لهم الشيطان عبادتهم، فوقعوا في عبادتهم. فكان هذا ابتداء وقوع الشرك في هذه الأرض بسبب الغلو في الصالحين. قال: "وآخر الرسل محمد صلى الله عليه وسلم". وآخر الرسل محمد صلى الله عليه وسلم، فآخر الرسل والأنبياء ونبينا عليه الصلاة والسلام، كما قال الله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. وفي الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: "أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي". فالله عز وجل ختم النبوة والرسالة برسالة نبينا عليه الصلاة والسلام. ومن ادعى النبوة بعده فهو كاذب وكافر، كما أخبر عليه الصلاة والسلام: "سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي ولا نبي بعدي". قال: "وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين". أي: نبي عليه الصلاة والسلام هو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين، وذلك لما فتح الله عز وجل عليه مكة، فهدم عليه الصلاة والسلام الأصنام التي كانت حول الكعبة وأزال صور هؤلاء الصالحين وطمسها عليه الصلاة والسلام. قال: "أرسله الله إلى أناس يتعبدون ويحجون ويتصدقون" إلى آخره. أي: بعث النبي عليه الصلاة والسلام إلى أناس عندهم عبادات، عندهم عبادات يتقربون بها إلى الله جل وعلا من حج وصدقة وذكر لله، لكن هذه الأعمال التي كانت عندهم من بقايا دين إبراهيم ما تنفعهم بسبب كفرهم. وكما هو معلوم أن من شرط قبول العمل الإسلام، لا بد من قبول العبادة أن يكون صاحبها مسلما، هذا شرط بصحة العبادة. فإذا فعل الكافر عبادة لم تقبل منه، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. فمع كون ما عندهم من هذه الأعمال والطاعات، كانوا يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله، يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده، مثل الملائكة وعيسى ومريم وأناس غيرهم من الصالحين. فجعلوا بينهم وبين الله وسائط، فيدعونهم ويتوكلون عليهم ويطلبون منهم الشفاعة. فكان هذا الذي فعلوه سبب في كفرهم ووقوعهم في الشرك، فإنه لا يجوز اتخاذ وسائط مع الله جل وعلا. والواجب على العبد أن يعبد الله عز وجل وحده ويخلص له العبادة له وحده دون غيره. وهؤلاء كما أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، يعني: حجتهم في اتخاذ هذه الوسائط أنهم يقربونهم إلى الله. فكفرهم الله سبحانه وتعالى بذلك، وكان فعلهم هذا من الشرك والكفر. منهم من يتقرب إلى الملائكة، ومنهم من كان يعبد عيسى عليه السلام، ومنهم من يعبد مريم، وغيرهم من الصالحين. كما أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم في آيات كثيرة، من قول الله جل وعلا: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾. وهكذا في عيسى عليه السلام: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ الآيات. وهكذا مريم وغيرها من الصالحين، فعبادتهم لهم عبادة باطلة، وفعلهم هذا من الشرك والكفر كما علمنا.