التعليق على مذكرة أحكام الصيام 19

الدرس في التعليق على مذكرة أحكام الصيام 19، ألقاها

حكمة تشريع الصيام وأهميته

يشرح هذا الفصل حكمة الله تعالى في تشريع الصيام، ويبين أن الصيام عبادة تقرب العبد إلى ربه وتحقق التقوى. الصيام ليس فقط عن الطعام والشراب بل عن المحرمات والذنوب.

فوائد الصيام الروحية والجسدية

يفصل هذا الفصل الفوائد العديدة للصيام، مثل ضبط النفس، كسر الكبرياء، وتنمية الصبر، بالإضافة إلى الفوائد الصحية الناتجة عن إراحة الجهاز الهضمي وتقليل الطعام.

آثار الصيام على سلوك الصائم وتقواه

يناقش هذا الفصل كيف أن الصيام يقطع عن الصائم الشواغل التي تصده عن الخير وتجرّه إلى الشر، ويحبب إليه الإحسان وبذل المعروف، مما يجعل الصائمين يتسابقون إلى الخيرات.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: الدرس العاشر من حكم الصيام. قال الشيخ من عثيمين رحمه الله: من أسماء الله تعالى الحكيم، والحكيم من اتصف بالحكمة، والحكمة إتقان الأمور ووضعها في مواضعها. ومقتضى هذا الاسم العظيم من أسمائه تعالى أن كل ما خلقه الله تعالى أو شرعه فهو لحكمة بالغة، عليمها من عليمها وجهلها من جهلها. فالله عز وجل سمى نفسه الحكيم في آيات كثيرة في كتاب الله جل وعلا، كقوله: ﴿وهو العليم الحكيم﴾، وقوله: ﴿وكان الله عليما حكيما﴾، ﴿والله عليم حكيم﴾، وغيرها من الآيات كثيرة بكتاب الله جل وعلا. في ذكره جل وعلا لهذا الاسم الحكيم المتضمن لصفة الحكمة هو أن الله عز وجل حكيم في أفعاله وفي شرعه، ولا يأمر بشيء إلا لحكمة، ولا ينهى عن شيء إلا لحكمة. فكل أفعال الله جل وعلا فهي لحكمة. وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله جل وعلا لا يشرع شيئا إلا لحكمة. وهذه الحكمة قد تكون ظاهرة للخلق يعلمونها، وقد تكون خفية لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، خلافا للجهمية وغيرهم من أهل البدع الذين نفوا الحكمة عن الله، وقالوا: إن الله عز وجل يأمر وينهى لغير حكمة، فيجوز أن يعذب المؤمن وأن يثيب الكافر. وهذا لا شك أنه قول باطل. قال: وللصيام الذي شرعه الله وفرضه على عباده حكم عظيمة وفوائد جمه. فمن حكم الصيام أنه عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه بترك محبوباته المجبول على محبتها من طعام وشراب ونكاح، لينال بذلك رضا ربه والفوز بدار كرامته. فيتبين بذلك إيثاره لمحبوبات ربه على محبوبات نفسه، وللدار الآخرة على الدار الدنيا. هذا من حكم الصيام أن المسلم يصوم عن الأشياء المباحة التي تحبها نفسه وتتطلع إليها رغبته من مأكل ومشرب ومنكح، فيتركها لله مع كونها مباحة، يتركها طاعة لله وإرادة لما عند الله جل وعلا من الثواب والأجر، فهو عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه جل وعلا. قالوا: من حكم الصيام أنه سبب للتقوى، إذا قام الصائم بواجب صيامه. قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾، فأخبر الله عز وجل أن فرض الصيام كان من حكمه العظيمة أنه سبب لتحقيق تقوى الله جل وعلا بفعل أوامره واجتناب نواهيه. قال: فالصائم مأمور بتقوى الله عز وجل، وهي امتثال أمره واجتناب نهيه، وذلك هو المقصود الأعظم بالصيام. ليس المقصود تعذيب الصائم بترك الأكل والشرب والنكاح، ليس المقصود من الصيام أن تترك الطعام والشراب فتبقى جائعا وعطشانا. كما أن المقصود هو تحقيق تقوى الله جل وعلا بفعل أوامره واجتناب نواهيه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» الحديث رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. قال: وقول الزور قول كل قول محرم من الكذب والغيبة والشتم وغيرها من الأقوال المحرمة. الزور يعني الباطل، قول الزور قول الباطل كما في قوله جل وعلا: ﴿والذين لا يشهدون الزور﴾ يعني لا يشهدون الباطل. ويدخل في ذلك الكذب والغيبة والشتم والنميمة وشهادة الزور وغير ذلك من الأمور المحرمة. والعمل بالزور العمل بكل فعل محرم من العدوان على الناس باليد أو باللسان أو بأخذ أموالهم أو أخذ متاعهم بخيانة وغش، وضرب الأبدان وأخذ الأموال ونحوها. ويدخل فيه الاستماع إلى ما يحرم الاستماع إليه من الأغاني والمعازف وهي آلات اللهو، لأن هذا من العمل بالزور. فالأغاني من اللهو الباطل، فكون الصائم يستمع للغناء وللمزامير هذا يعتبر من العمل بالزور، ويجب على الصائم أن يجتنب ذلك. قال: والجاهل هو السفيه، وهو مجانبة الرشد في القول والعمل، يعني أن يكون المرء عنده شيء من السفه في الأقوال من السف والشتم والاحتقار والسخرية، وفي الأفعال من بطش وضرب ونحو ذلك من مثل هذه الأفعال. قال: فإذا تمشى الصائم بمقتضى هذه الآية وهذا الحديث، كان الصيام تربية لنفسه وتهذيبا لأخلاقه واستقامة لسلوكه، ولم يخرج شهر رمضان إلا وقد تأثر تأثرا بالغا يظهر على نفسه وأخلاقه وسلوكه. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» يعني ليس هذا هو المقصود أن تدع الطعام والشراب وهي أمور مباحة تتركها لله عز وجل، ثم تقع في الأمور المحرمة. هذا عكس ما يراد من الصيام من تحقيق تقوى الله جل وعلا. فإذا فعل الصائم ذلك ترك المحرمات وترك الذنوب والمعاصي وأقبل على طاعة الله جل وعلا، أثر هذا الصيام في نفسه وفي أخلاقه وفي أقواله وفي أفعاله، فيرى فيه تغيرا ظاهرا عما كان عليه قبل الصيام. وهذا هو المقصود الذي يجب تحقيقه في الصيام، هو تهذيب النفس وتربيتها على الأخلاق الفاضلة والأخلاق الكريمة. قالوا: من حكم الصيام أن الغني يعرف قدر نعمة الله عليه بالغنى، حيث إن الله تعالى قد يسر له الحصول على ما يشتهي من طعام وشراب ونكاح مما أباح الله شرعا ويسره له قدرا، فيشكر ربه على هذه النعمة ويتذكر إخوانه الفقراء الذين لم يتيسر لهم الحصول على ذلك، فيجود عليهم بالصدقات والإحسان. فيكون فيه معنى ارتباط المسلمين بعضهم ببعض وإحساس بعضهم ببعض. فلما يذوق الغني طعم الجوع والعطش يشعر بحاجة إخوانه المساكين الذين لا يجدون ما يسر الله عز وجل له من طعام وشراب، فيحثه ذلك ويرغبه على الجود والعطاء والصدق والإنفاق مما أتاه الله جل وعلا. فيحصل بذلك إعانة المسلم لأخيه وإحساس المسلم بحاجة أخيه، فيكون بذلك ارتباط المجتمع المسلم بعضه ببعض وتكاتفه وتعاونه. قالوا: من حكم الصيام التمرن على ضبط النفس والسيطرة عليها حتى يتمكن من قيادتها لما فيه خيرها وسعادتها في الدنيا والآخرة، ويبتعد عن أن يكون إنسانا بهيميا لا يتمكن من منع نفسه عن لذاتها وشهواتها لما فيه مصلحتها. نعم، أيضا من حكم الصيام التمرن على ضبط النفس والسيطرة عليها، وذلك أن الصائم يمسك عن الطعام والشراب مع رغبته فيه وميل نفسه إليه، فيتركه لضبط نفسه ويصبر على ترك هذه المباحات. فهذا يعوده أن يضبط نفسه عن الشهوات والأمور المحرمة التي ربما تميل إليها النفس. والله عز وجل يقول: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي﴾، فالنفس قد تطلب فعل شيء من المحرمات وفعل شيء من الشهوات والملذات. لكن الواجب على المسلم أن يضبط نفسه وأن لا يجعل نفسه منقادا لشهواتها ولذاتها، فتوقعه في المزالق وتردي به في المهالك. بل الذي ينبغي أن يقودها بالصبر ومراقبة الله جل وعلا وإرادة الثواب والأجر من الله، وكذلك أيضا الخوف من عقوبة الله سبحانه وتعالى. فالصيام يعود الصائم على ضبط نفسه عن أن تجري خلف شهواتها. والنفس إن أعطيتها كل ما تريد فإنها تردي بصاحبها، كما قال القائل: وإنك مهما تعطي بضنك سؤله، وفرجك نال منتهى الذنب أجمعا. نعم، وهكذا أيضا الله عز وجل يقول: ﴿فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾، إذا نهى المسلم نفسه عن هواها وصبر واحتسب لأجل الثواب والأجر من الله، كان الجزاء من جنس العمل أن الله عز وجل يدخله الجنة ويعوضه خيرا مما ترك في هذه الدنيا لأجل الله سبحانه وتعالى. قال: ومن حكم الصيام ما يحصل من الفوائد الصحية الناتجة عن تقليل الطعام وإراحة الجهاز الهضمي فترة معينة، وترسب بعض الفضلات والرطوبات الضارة بالجسم إلى غير ذلك. هذه فائدة صحية في الصيام. عندما يصوم الصائم فالجهاز الهضمي يقف فترة من الزمن، فيحصل بذلك راحة له. ثم أيضا يخرج الجسم ما يبقى من فضلات متعلقة بالأمعاء، فتخرج ويحصل بذلك تصفية للبدن ونظافة له، وبذلك يحصل للصائم من الصحة والعافية ما لا يحصل لغيره. بل ذكر بعض الأطباء أن من طرق العلاج الذي ثبت نفعه بالتجربة الصيام، أن يصوم الإنسان عن الطعام فترة من الزمن قدر أربعين يوما ويحصل له بذلك نفع كثير. وذكر بعض أهل العلم أنه جرب ذلك، الشيخ الألباني رحمه الله ذكر عن نفسه أنه صام أربعين يوما لا يشرب إلا ماء، ترك الطعام لمدة أربعين يوما ووجد أثرا نافعا، وذهبت عنه بعض الأمراض التي كان يشتكي منها. فالصيام فيه فوائد صحية عظيمة. قال: وقال الشيخ عبد الله بن صالح القصير في كتابه تذكرة الصوام: شرع الشرع الصيام لحكم عظيمة كثيرة استوجبت أن يكون فريضة من فرائض الإسلام وركنا من أركانه. فكم فيه من المنافع الجمة، وكم له من الآثار المباركة. فالصيام عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه بترك محبوباته ومشتهياته طاعة لربه وإيثار لمحبته، فيقدم ما يحبه خالقه ومولاه على ما تحبه نفسه وتهواه. فيظهر صدق إيمانه وكمال عبوديته لله وخالص محبته وعظيم طمعه ورجائه فيما وعد الله به أهل طاعته من الرحمة والرضوان والمغفرة والإحسان والأجر العظيم والنعيم المقيم في الجنان. وفي الصيام ممارسة ضبط النفس والسيطرة عليها والتحكم فيها والأخذ بزمامها إلى ما فيه خيرها وسعادتها وفلاحها في العاجل والآجل، في العاجل في الدنيا والآجل في الآخرة، حيث يصبر المرء نفسه على فعل الطاعات وترك الشهوات. قال صلى الله عليه وسلم: «ما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر»، هذا جزء من حديث أبي سعيد الخدري رواه الإمام البخاري، وكذلك الإمام مسلم في صحيحيهما. فكون المسلم يتحلى بالصبر هذا من العطاء العظيم الذي يوفق الله عز وجل لعباده من شاء. وفي التنزيل: ﴿والله يحب الصابرين﴾، وقال الله تعالى: ﴿إن الله مع الصابرين﴾، وقال الله تعالى: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾. وفي الصيام من كسر النفس والحد من كبريائها حتى تضع حتى تخضع للحق وتتواضع للخلق ما لنظير له. فإن الشبع والري ومباشرة النساء يحمل كل منها جملة من الناس غالبا على الأشر والعلو وبطر الحق وغمط الناس في كثير من الأحوال. وهذا على جهة الغالب أن كثيرا ممن يغلب عليه الأكل والشرب ومعاشرة النساء والتمتع في أمور الدنيا والتوسع فيها، أنه يجلب له خلق الكبر وكذلك التعالي وعدم التواضع للخلق، كما قال الله عز وجل: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى﴾، إذا أغناه الله عز وجل طغى. والقليل من يوفقه الله عز وجل للتواضع وخفض الجناح مع كونهم من أهل الغنى والسعة. قالوا: في الجوع والضمأ وهجر الشهوات، فالصيام يكسر هذه النفس عن مثل هذه الأمور عن الكبر والترفع، فيجعل صاحبها متواضعا منكسرا. قالوا: في الجوع والضمأ وهجر الشهوات خصوصا على وجه العبودية لله، لأن الإنسان قد يترك الطعام والشراب ليس تعبدا لله، قد يتركه لعدم رغبة أو لمرض أو لكونه لا يجده. فالذي يحصل به هذا المقصود وهذا المطلوب من تركه تعبدا لله، قال: ما يكسر من حدتها ويكبح من جماحها ويكون عونا للمرء عليها، ويجعلها تستعد لطلب وتحصيل ما فيه غاية سعادتها وقبول ما تزكو به في حياتها الأبدية. قال الله تعالى: ﴿قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها﴾، وقال الله تعالى: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾. والصيام يذكر العبد بعظيم نعم الله عليه وجزيل إحسانه إليه، فإنه إذا جاع وعطش وهجر شهوته ذكر الأكباد الجائعة والأنفس المحرومة، فكان ذلك من دواعي حمده لربه على نعمته وشكره له على جوده وكرمه. وكان ذلك من أسباب رقة قلبه مما يجعله يعطف على المساكين ويغيث الملهوفين فيواسيهم ويجود عليهم، وذلك من أسباب حفظ النعم وزيادتها واندفاع النقم والسلامة من آفاتها. فالصيام من أعظم أسباب تطهير النفوس من أدرانها وتزكيتها بتهذيب أخلاقها وتنقيتها من عيوبها، مع ما فيه من إصلاح القلوب وترقيقها وزرع التقوى فيها وتقوية خشيتها من خالقها وباريها. قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾، فبين سبحانه أن الحكمة من فرض الصيام تحقيق التقوى. والتقوى كلمة جامعة لكل خصال الخير من فعل الطاعات وترك المعاصي والسيئات والحذر من مزالق الشهوات واتقاء الشبهات. وللصوم أثر واضح في الإعانة على ذلك، فإنه يلين القلب ويذكره بالله، لأنه متعلق بعباده هي سر بينه وبين الله. من الذي يعلم أن هذا الإنسان صائم؟ من الذي يطلع عليه؟ الله سبحانه وتعالى، الله عز وجل الذي يعلم هل هو صائم حقيقة أم لا؟ لأنه يستطيع أن يظهر الإنسان أمام الناس ويتظاهر بالصيام، وفي الباطن وفي السر يأكل ويشرب. هذا بالحقيقة ليس بصائم، لكن الصائم حقيقة الذي يراقب الله عز وجل في هذه العبادة في سره وفي علانيته. فالصوم يذكره بالله جل وعلا ويعلم أن الله مراقبه ومطلع عليه. قال: ويقطع عنه الشواغل التي تصده عن الخير أو تجره إلى الشر، ويحبب إلى الصائم الإحسان وبذل المعروف. ولذا يشاهد تسابق معظم الصائمين إلى الخيرات وتجافيهم عن المحرمات وبعدهم عن الشبهات وتنافسهم في جليل القربات. انتهى. صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على