الدرس في التعليق على مذكرة أحكام الصيام 42، ألقاها
ثلاثة أحاديث نبوية تتعلق بالصيام، الأول عن جواز قطع صيام النافلة، والثاني عن فضل صيام الشتاء، والثالث عن أهمية ليلة القدر في رمضان. يُفصّل الشرح معاني الأحاديث ودلالاتها الفقهية والعقدية.
المقطع يتضمن شرح أحاديث نبوية حول فضائل الصيام وأحكامه، مثل صيام ست من شوال، وصيام يوم عاشوراء، وحكم القيء أثناء الصيام، وتحذير من عدم نيل الأجر بسبب الذنوب والمعاصي أثناء الصيام والقيام، وفضل ليلة القدر.
المقطع يتحدث عن أحاديث نبوية متعددة حول فضائل شهر رمضان والصيام، مثل كثرة نزول الملائكة في ليلة القدر، وفضل الصيام لدخول الجنة، وعتق الله لعباده من النار في كل ليلة من رمضان. كما يشير إلى بعض الأحكام المتعلقة بالصيام، مثل الكفارة لمن جامع أهله في نهار رمضان.
يدل الحديث على وجوب القضاء لمن أفطر في رمضان بسبب الجماع، حيث يجب عليه صيام يوم آخر مكانه. يُشير ذلك إلى أن الكفارة لا تكفي وحدها بل يجب معها قضاء اليوم الذي تم فيه الإفطار.
الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله في ذكره لأحاديث صحيحة تتعلق بالصيام. قال السادس والثلاثون: عن أمي هانة، مولاة عبد الله بن عمرو، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر». الحديث أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. الصائم المتطوع يعني المتنفل بالصيام، الذي يصوم صوم نافلة وصوم مستحب، أمير نفسه يعني الأمر يرجع إليه، وهو مخير ما يريد، إن شاء صام يعني استمر في صيامه، وإن شاء أفطر إذا أراد أن يفطر فله أن يفطر. الصائم المتطوع أمير نفسه، فيدل على أن صيام التنفل يجوز أن يقطعه الإنسان وأن يفطر لأي سبب من الأسباب، بخلاف الصلاة مثلا، فإن الإنسان لا يقطعها إذا دخل فيها إلا إذا أقيمت الصلاة المكتوبة وكان في بداية صلاة النافلة، فإنه يخرج بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». والله عز وجل يقول: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾. وهكذا أيضا الحج والعمرة لا يجوز للإنسان أن يقطعهما، بقول الله جل وعلا: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾. حتى إذا فسد الحج وجب عليه إتمامه، بخلاف الصيام، الصيام النافلة فيجوز للإنسان كما سمعنا في هذا الحديث أن يقطعه إذا شاء وأراد أن يفطر. قال السابع والثلاثون: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة». الحديث أخرجه أحمد والضياء وأبو يعلى وابن بشيبة وغيرهم من حديث جابر، وجاء من حديث أنس عند الطبراني في الأوسط وابن عدي والبيهقي في الشعب، وحسنه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع. إذن هذا الحديث جاء من حديث جابر، ومن حديث أنس رضي الله تعالى عنهم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة». الصوم في الشتاء يعني في فصل الشتاء، الغنيمة الباردة غنيمة يغتنمها المسلم ويفوز بها، وهي باردة لأن الصوم في الشتاء يكون الجو فيه باردا، فلا يشعر الصائم بالتعب، مع قصر النهار، فالنهار قصير والجو بارد، فاغتنام مثل تلك الأيام غنيمة مباركة يغتنمها المسلم. قال الثامن والثلاثون: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخل رمضان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم». الحديث أخرجه ابن ماجه، وصححه العلامة الألباني رحمه الله. وهذا الحديث فيه إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بفضيلة ليلة القدر التي خصت في هذا الشهر بوجودها في هذا الشهر المبارك، وأنها ليلة خير من ألف شهر، أي العبادة فيها خير من عبادة ألف شهر. من حرمها يعني حرم إدراك هذه الليلة، من حرم إدراك هذه الليلة بطاعة الله جل وعلا بقيامها والصلاة فيها وذكر الله عز وجل، فقد حرم الخير كله. ولا يحرم خيرها إلا محروم، يعني من حرم إدراك هذه الليلة فقد حرم خيرا عظيما وخيرا كثيرا، ولا يحرم خير هذه الليلة إلا محروم من الخير والفضل والعطاء والمغفرة والرحمة، إذ أنه يعرض عن الإقبال على طاعة الله جل وعلا في هذه الليلة مع علمه بفضلها، وأن العبادة فيها خير من ألف شهر، ثم لا يبالي ولا يتحرى إدراكها والحرص على استغلالها، فلا شك أن هذا من الحرمان العظيم، نسأل الله عز وجل أن لا يحرمنا وإياكم من إدراك هذه الليلة، وأن يجعلنا جل وعلا ممن يدركها بطاعته وعبادته. قال التاسع والثلاثون: عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر». الحديث رواه مسلم. في استحباب صيام الست من شوال بعد رمضان قد مر الكلام عليه في الدروس الماضية. قال الأربعون: عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صيام يوم عاشوراء، قال: «يكفر السنة الماضية». حديث رواه مسلم. سئل عن صيام يوم عاشوراء يعني العاشر من محرم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يكفر السنة الماضية»، يعني يكفر ذنوب السنة التي مضت، والمراد بها صغائر الذنوب. فهذا الحديث فضيلة صيام يوم عاشوراء، وأن صيامه يكفر ذنوب سنة ماضية. قال الحادي والأربعون: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض». الحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة، وصححه شيخ الألباني رحمه الله. من ذرعه القيء يعني غلبه القيء، فخرج بغير اختياره وبغير قصده، قال وهو صائم فليس عليه قضاء، يعني صومه صحيح. ومن استقاء فليقضي يعني من تعمد القيء، تعمد القيء إما بأن يأكل شيء يثور به بطنه فيطرش، أو أن يضع أصبعه مثلا في حلقه في فمه فيطرش، فإذا فعل ذلك فإنه يفطر وعليه القضاء، وهذا قول جمهور أهل العلم. قال الثاني والأربعون: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر». الحديث أخرجه ابن ماجه، وصححه شيخ الألباني رحمه الله. رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر، هذا في حق من ضيع المقصود من الصيام، من ضيع المقصود من الصيام فصام عن الأكل والشرب ولم يصم عن المحرمات والذنوب والمعاصي، فهذا حاله أنه ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، والمعنى أنه محروم من الأجر، حرم نفسه من الأجر والثواب بسبب وقوعه في المحرمات. وكذلك أيضا رب قائم ليس له من قيامه إلا السهر، وذلك إذا أضاع صيامه وخدش صيامه بأنواع من الذنوب والمعاصي، أو أيضا قام على غير إخلاص وصدق، وإنما قام رياء أو قام وهو مستثقل للعبادة أو حياء أو عادة أو شيئا من هذه المعاني، فيحرم الأجر، فلا يكون له من القيام إلا السهر والتعب. وإنما ينال الأجر من قام مؤمنا محتسبا للأجر والثواب، يريد ما عند الله جل وعلا. قال الثالث والأربعون: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليلة القدر ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين، إن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى». الحديث أخرجه الطيالسي ومنخولم في صحيحه، وحسنه شيخ الألباني رحمه الله. ليلة القدر ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين، يعني ليلة السابعة والعشرين أو التاسعة والعشرين. وهل معنى هذا أنه نص بأن ليلة القدر تكون إما في ليلة سبعة وعشرين أو تسعة وعشرين؟ الجواب: لا، هذا يحمل على أنه أحرى ما تكون في هاتين الليلتين، أحرى ما تكون في هاتين الليلتين، وقد تكون في غيرهما، لكن أحرى ما تكون في ليلة السابع والعشرين، وقد تكون في التاسع والعشرين. وذلك أن في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه رأى أنه يسجد في صبيحتها، أي صبيحة ليلة القدر، على ماء وطين، فأمطرت في تلك الليلة في ليلة الحادي والعشرين، فرأى أبو سعيد النبي عليه الصلاة والسلام وعلى جبهته آثار الماء وطين في صبيحة اليوم الحادي والعشرين. ولذلك كان القول الصحيح من أقوال أهل العلم أن ليلة القدر تتنقل من سنة إلى أخرى، فقد تكون في سنة إحدى وعشرين، أو في أخرى ثلاث وعشرين، أو في أخرى خمس وعشرين، لكن أحرى ما تكون في سبع وعشرين أو تسع وعشرين. قال إن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى، أي في ليلة القدر، في ليلة القدر يكون نزول الملائكة بكثرة حتى تكون أكثر من عدد الحصى، وهذا لا شك يعني إنه مبالغة عظيمة في بيان كثرة تنزل الملائكة. والله عز وجل يقول: ﴿تنزل الملائكة والروح فيها﴾، أخبر الله بنزول الملائكة، فيكثر نزول الملائكة في ليلة القدر. قال الرابع والأربعون: عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ختم له بصيام يوم دخل الجنة». أخرجه أحمد والبزار، وصححه شيخ الألباني رحمه الله. من ختم له بصيام يوم دخل الجنة، يعني من مات على صيام، ختم له به دخل الجنة، وهذا فيه فضيلة الصيام إذا ختم به للإنسان ومات على هذه العبادة العظيمة، فإنه من أسباب دخول الجنة. قال الخامس والأربعون: عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله عز وجل عند كل فطر عتقاء، وذلك في كل ليلة». الحديث أخرجه ابن ماجه، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله. وفيه كثرة عتق الله جل وعلا لعباده من النار في هذا الشهر المبارك. إن لله عز وجل عند كل فطر عتقاء، عند كل فطر يعني من رمضان، عتقاء أي من النار، وذلك في كل ليلة، أي من ليالي رمضان، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم من عتقائه جل وعلا من النار في هذا الشهر العظيم. قال السادس والأربعون: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كانت أول ليلة من رمضان صفدت الشياطين ومرذت الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، ونادى مناد يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة». الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه، وحسنه إمام الألباني رحمه الله. وقد مر الكلام عليه في الأحاديث السابقة. قال السابع والأربعون: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر الذي جامع امرأته في نهار رمضان، قال: «وصم يوما مكانه». هذا الحديث رواه ابن ماجه، وصححه شيخ الألباني رحمه الله. وهذه زيادة في قصة الذي جامع أهله في نهار رمضان حين جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: هلكت. قال: وما أهلكت؟ قال: وقعت على امرأتي في نهار رمضان. فأمره النبي عليه الصلاة والسلام بالكفارة أن يعتق رقبة، فإن لم يجد فيصوم شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فيطعم ستين مسكينا، ولم يذكر فيه القضاء، لم يذكر فيه القضاء. وجاء الأمر بالقضاء في هذا الحديث، قال: «وصم يوما مكانه»، أي مكان اليوم الذي أفطره بسبب الجماع، فيدل على أن من أتى أهله أو جامع أهله في نهار رمضان فإنه يجب عليه مع وجوب الكفارة قضاء اليوم الذي أفطره. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.