الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 22، ألقاها
يروي تفاصيل وفاة النبي ودفنه وتأثير ذلك على الصحابة، حيث تأثروا بشدة لكن ثبتوا بذكر القرآن وتأكيد أبو بكر أن النبي مات مثل غيره من البشر.
يوضح كيفية توجيه النبي للمؤمنين لمواجهة المصائب بتذكر مصيبتهم بفقده، وأهمية هذا التذكر في التخفيف من وقع المصائب عليهم.
يُنصح بتذكير الشخص المصاب بموت قريب أو حبيب بمصاب النبي لتخفيف مصيبته، لأن النبي أحب الخلق إلى المسلم، وهذا التذكير يهون من مصيبته ويخفف عنه حزنه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه، في باب وفاة النبي عليه الصلاة والسلام: أخبرنا سليمان بن حر، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، فحبس بقية يومه وليلته والغد حتى دفن ليلة الأربعاء. وقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمت، ولكن عُرج بروحه كما عُرج بروح موسى. فقام عمر فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمت، لم يمت، ولكن عُرج بروحه كما عُرج بروح موسى، والله لا يموت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقطع أيدي أقوام وألسنتهم. فلم يزل عمر يتكلم حتى أزبد شدقاه مما يوعد ويقول. فقام العباس فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات، وإنه لبشر، وإنه يأسن كما يأسن البشر. أي قوم، فادفنوا صاحبكم. أي قوم، فادفنوا صاحبكم، فإنه أكرم على الله من أن يميته إماتتين. أي يميت أحدكم إماتة، ويميته إماتتين، وهو أكرم على الله من ذلك. أي قوم، فادفنوا صاحبكم، فإن يكوا كما تقولون، فليس بعزيز على الله أن يبحث عنه التراب. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما مات حتى ترك السبيل نهجا واضحا، فأحل الحلال، وحرم الحرام، ونكح وطلق، وحارب وسالم. ما كان راعي غنم يتبع بها صاحبها رؤوس الجبال، يخبط عليها العضاه بمخبطه، ويمدر حوضها بيده، بأنصب ولا أدأب من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيكم. أي قوم، فادفنوا صاحبكم. قال: وجعلت أم أيمن تبكي، فقيل لها: يا أم أيمن، تبكين على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: إني والله ما أبكي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أكون أعلم أنه قد ذهب إلى ما هو خير له من الدنيا، ولكني أبكي على خبر السماء إن قطع. قال حماد: خنقت العبرة أيوب حين بلغها هنا. هذا الحديث مرسل، فعكرمة لا يذكر هذه الحادثة في وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يدركها، لكن هذا المرسل له طرق يحسن بها، وقد حسنه العلامة الألباني رحمه الله في «الصحيحة»، وفيه بيان الحادثة. وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه توفي عليه الصلاة والسلام يوم الاثنين، وذلك في شهر ربيع الأول من السنة الحادي عشر من الهجرة، في أوائل السنة الحادي عشر من الهجرة. فحبس النبي عليه الصلاة والسلام في اليوم الذي توفي فيه، يوم الاثنين والثلاثاء، ودفن يوم الأربعاء. والسبب في ذلك هو أنه لم يدفن عليه الصلاة والسلام حتى ينظر في أمر الخلافة، ومن يقوم بعده بهذا الأمر. فلما أبايع لأبي بكر رضي الله عنه بالخلافة، صلي على النبي عليه الصلاة والسلام، ثم دفن في الموضع الذي مات فيه عليه الصلاة والسلام. ففي هذا الأثر، هذا المرسل، بيان كيف كانت مصيبة وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، والفاجعة بموته وفراقه عليه الصلاة والسلام عظيمة على أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، حتى إن بعضهم، بل من أفاضلهم، أبو عمر رضي الله عنه، كان يقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يمت، وإنما عرج به كما عرج بروح موسى، وأنه سيرجع ويعاقب أقواما قالوا بأنه قد مات. وفي بعض الآثار: أنه لم يزل يقول ذلك حتى جاء أبو بكر رضي الله عنه، فقال له: يعني أسكت أو صه، فلم يسكت عمر، فتكلم أبو بكر رضي الله عنه، فقال: من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت. ثم ذكر قول الله عز وجل: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾. فلما سمع عمر جثى على ركبتيه رضي الله تعالى عنه، فكأنه لم يسمع هذه الآية إلا تلك اللحظة التي ذكرها فيها أبو بكر رضي الله تعالى عنه. وهذا من شدة المصيبة وعظم الخطب الذي أصابهم بوفاته عليه الصلاة والسلام. وفي هذا الأثر المرسل: أن العباس هو أيضا ممن قام وذكر موت النبي عليه الصلاة والسلام، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بشر يصيبه ما يصيب البشر من الموت والزوال والفناء عن هذه الدنيا. والله عز وجل يقول: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، ويقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾، ويقول جل وعلا: ﴿مَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾. فذكرهم بموت النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه أصابهم ما يصيب غيرهم من البشر، ثم أمرهم بدفنه، وقال: فادفنوا صاحبكم، فإنه أكرم على الله أن يميته إماتتين. يعني أن يميته ثم يحييه، ثم يميته مرة أخرى. فالإماتة الواحدة كافية، مع شدتها وعظم مصيبتها، فكيف يميته الله جل وعلا إماتتين؟ والله عز وجل يميت سائر الخلق إماتة واحدة، والنبي عليه الصلاة والسلام أكرم عنده من غيره من الخلق. فأراد بذلك أن يؤكد لهم أن النبي عليه الصلاة والسلام قد مات، وأصابه ما كتبه الله عز وجل عليه من الموت. ثم بين أن النبي عليه الصلاة والسلام ما مات حتى بين السبيل والطريق الهدى، قال: بين السبيل نهجا واضحا، أحل الحلال، وحرم الحرام، ونكح وطلق، وحارب وسالم. يعني وقع منه ما يقع من غيره من الأنبياء والرسل. وهكذا أيضا لم يكن عليه الصلاة والسلام مجرد راعي يرعى الغنم، يتبع بها رؤوس الجبال، يتتبع مواضع القطر ومحل العشب، يضرب بعصاه العضاه -يعني الشوك أو الأشجار ذات الشوك التي يتتبعها الراعي لأجل أن ترعى منها الأغنام- وإنما كان النبي عليه الصلاة والسلام قائدا لهذه الأمة، يرعاها ويحوطها بنصحه، ويوجهها إلى سبيل الهدى وسبيل النجاح والفوز. فما مات عليه الصلاة والسلام إلا وترك هذه الأمة على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزغ عنها إلا هالك. بين لهم طرق الهداية التي توصلهم إلى الله جل وعلا، وبين لهم طرق الغواية والضلالة، فحذرهم منها التي تبعدهم عن الله جل وعلا. ثم بكت أم أيمن، وهي حاضنة النبي عليه الصلاة والسلام، فقيل لها: أتبكين على رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ فبينت أنها لم تبك على النبي عليه الصلاة والسلام لموته وفراقه، وإن كان هذا مما يبكى عليه، لكن بينت أن بكاءها على شيء أعظم، وهو انقطاع الوحي، لأن الوحي كان ينزل في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا مات عليه الصلاة والسلام، معنى ذلك انقطاع الوحي واكتمال الشريعة، وعدم نزول الوحي بعد ذلك. وفي بعض الروايات: أنها لما أخبرتهم بذلك، بكى أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما. وقوله: قال حماد، خنقت العبرة أيوب حين بلغها هنا، يعني لما حدث أيوب بن أبي تميم السختياني بهذا الأثر، لما بلغ هذا الموضع، خنقته العبرة، يعني ما استطاع أن يكمل من التأثر بهذه الحادثة، فأخبر بذلك حماد بن زيد رحمه الله. قال: أخبرنا عبد الوهاب بن سعيد الدمشقي، قال: حدثنا شعيب -هو ابن إسحاق- قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثني يعيش بن الوليد، قال: حدثني مكحول: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصيبته بي، فإنها من أعظم المصائب». هذا الحديث صحيح إلى مكحول، وهو أيضا مرسل. مرسل صحيح، وقد صح مرفوعا كما سيأتي الإشارة إلى ذلك في الأثر الذي بعده. قال: وأخبرنا أبو نعيم، قال: حدثنا فطر، عن عطاء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي، فإنها من أعظم المصائب». وهذا أيضا مرسل، مرسل عطاء، وهو كذلك صحيح إلى عطاء. ولهذا الحديث طرق يحسن بها، وقد حسنه العلامة الألباني رحمه الله في «السلسلة الصحيحة»، فهو ثابت وصح رفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام من قوله: «إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي، فإنها من أعظم المصائب». فمصيبة موت النبي عليه الصلاة والسلام من أعظم المصائب، لأن ذهابه عليه الصلاة والسلام معناه انقطاع الوحي وعدم نزول الوحي بعده. كذلك أيضا موته عليه الصلاة والسلام، كذلك سبب لذهاب سدا عظيما كان موجودا بحياته عليه الصلاة والسلام. لذلك لما مات النبي صلى الله عليه وسلم، وقعت ما وقعت من المصائب بعد موته، ومن ذلك، ومن أعظمها: ما حصل من ردة كثير من العرب الذين ارتدوا بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا أيضا فقد النبي عليه الصلاة والسلام، فكذلك ثلم عظيم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم مع كونه هو رسول الله وأفضل خلق الله جل وعلا، فكان هو العالم عليه الصلاة والسلام المربي والمعلم الذي كان يلتف الناس حوله، ويأخذ الصحابة العلم من فيه عليه الصلاة والسلام. فلا شك أن موته مصيبة عظيمة. فالنبي صلى الله عليه وسلم يذكر بمصيبة موته، وأن من أصيب بمصيبة فليذكر مصيبة موت النبي عليه الصلاة والسلام، فإن موته من أعظم المصائب، فتهون عليه المصيبة التي أصابته. إذا مات قريب له، ومات حبيب له، ومات حبيب له من أب أو أخ أو ابن أو صديق أو زوجة، فيذكر مصابه بموت النبي عليه الصلاة والسلام، الذي هو أحب الناس وأحب الخلق إلى الإنسان وإلى المسلم. فلا شك أن مصيبته تهون عليه، تهون مصيبته التي أصيب بها بتذكره بمصابه بوفاة النبي عليه الصلاة والسلام. صلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.