الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 59، ألقاها
يبدأ الحديث بأهمية العلم النافع الذي يورث خشية الله وطاعته، مع التفريق بين العلم النافع والعلم الذي يزيد صاحبه تكبرا وبغيا. يُبين أن العلم النافع يزيل الشكوك والشبهات ويورث الخشية من الله.
يتناول فضل العلماء على العباد وخشيتهم لله، مستشهدا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم وآيات قرآنية وأحاديث نبوية. يُظهر أن العلماء يخشون الله أكثر من غيرهم لما لديهم من علم.
يُشير إلى صفات العلم النافع وأثره على صاحبه، ويبين أهمية الإخلاص في طلب العلم لتحقيق الانتفاع به. يُوضح أن الخلل في عدم الانتفاع بالعلم قد يكون إما من جهة العلم نفسه أو من جهة حامله.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على شرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه: باب من قال العلم الخشية وتقوى الله. وهذا الباب أيضا من أبواب المهمة، يذكر فيها المؤلف رحمه الله بعض الآثار الدالة على أن أصل العلم وأساس العلم هو خشية الله جل وعلا. فالعلم الذي يورث صاحبه الخشية، فهذا هو العلم النافع الذي ينتفع به صاحبه، العلم الذي يزيد صاحبه خوفا وخشية من الله جل وعلا، وبعداً عن الذنوب والمعاصي والمحرمات، فيؤثر في قلبه، فيجعله يقبل على الطاعة والعبادة والزهد في الدنيا والابتعاد عنها. فهذا هو العلم النافع. وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾، فأخبر الله جل وعلا أن أشد الناس خشية له هم أهل العلم. والذي يتعلم العلم ولا يزيده العلم إلا تكبرا وبغيا وحسدا وبعداً عن طاعة الله، أو ارتكابا لذنوب والمعاصي، ويكون في قلبه شيء من الكبر والغرور الآخر، ذلك هذا من تفع بهذا العلم وما أخلص فيه لأنه لو أخلص وصدق لأورثه العلم الخشية والخوف من الله جل وعلا. ولهذا قال علام السعد رحمه الله في منظومته: «أفضل المنن علم يزيل الشك عنك ودرا، ويكشف الحق لذي القلوب، ويوصل العبد إلى المطلوب». فأفضل المنن أن يمن الله جل وعلا عليك بطلب العلم، لكن العلم النافع الذي يزيل عنك هذين الدائين والمرضين: الشكوك والريب والشبهات. فهذه تدرأ بالعلم وتتضح بصاحب العلم وتبين له. والأمر الثاني: أدرا وهي الأوساخ والأقدار والموض بها الذنوب والمعاصي التي هي أدرا القلوب ومفسداتها. فهذا هو العلم النافع الذي يزيل عنك الشك من القلب، ويزيل عنك الشبهات، يدفع الشبهات ويزيل أو يدفع الشهوات ويزيل الشبهات. قال: أخبرنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية، عن عبد الرحمن بن جبير، عن جبير بن نفير، عن أبيه، عن أبي الدرداء، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشخص ببصره إلى السماء، ثم قال: «هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدرون منه على شيء». فقال زياد بن لبيد الأنصاري: يا رسول الله، وكيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنه ولنقرأنه نساءنا وأبناءنا. فقال: «فكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فماذا يغني عنهم؟». قال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت، فقلت: ألا تسمع ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ فأخبرته بالذي قال، فقال: صدق أبو الدرداء، إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيه رجلا خاشعا. وهذا الحديث صحيح، وإن كان بهذا السند عبد الله بن صالح، لكن الحديث صحيح بشواهده. فالشاهد منه قول عبادة بن الصامت رضي الله عنه: «أن أول علم يرفع من الناس الخشوع». وهذا هو أساس العلم، هو أساس العلم وأصله الخشوع. وصح عن نبي عليه الصلاة والسلام الإخبار بذلك بأن الخشوع يرفع عن الناس حتى قل أن تجد خاشعا. قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا يزيد بن هارون، وهو أبو خالد السلمي، وهو من الحفاظ، قال عن نفسه: أحفظ أربعة وعشرين ألف حديث بالإسناد، أربعة وعشرين ألف حديث بالإسناد ولا فخر. قال: وأحفظ للشاميين عشرين ألف حديث لا أسأل عنها. ومع ذلك فكان رحمه الله من العباد. قال أحمد بن سنان: ما رأيت عالما قط أحسن صلاة من يزيد بن هارون، فكان كثير الصلاة في الليل والنهار، فلا يفتر من الصلاة ليلا ونهارا. وهكذا ينبغي على طالب العلم أن يحرص أن يستعين على طلب العلم بالعبادة، يستعين بطلب العلم بالعبادة، بالإقبال على طاعة الله جل وعلا: الصلاة والذكر وفراءة القرآن، الصيام إن يسر ولم يكن فيه مشقة عليه أو سبب للتكاسل فيصوم. قال: حدثنا الوليد بن جميل الكناني، قال: حدثنا مكحول، وهو تلميذ ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم»، ثم تلى هذه الآية: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾، ثم قال: «إن الله وملائكته وأهل سماواته وأراضيه، ونون في البحر -يعني الحوت- يصلون على الذين يعلمون الناس الخير». الحديث مرسل، فمكحول لم يسمع من النبي عليه الصلاة والسلام ولم يلقَه، هو تابعي. لكن الحديث صح مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام كما في سنن الترمذي من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بفضل العالم على العابد، قال: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم»، يعني بينهما ماذا فرقا عظيما وبونا واسعا، كفضل النبي عليه الصلاة والسلام على واحد منا كما يقال، لا يعني لا مشابهة بيننا وبين النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا بين العالم والعابد، العابد الذي يكثر من الصلاة والصيام وقراءة القرآن والإقبال على طاعة الله جل وعلا، رغم أنه لا يفتر من صيام وصلاة، فالعالم أفضل منه. ثم تلا: ﴿وإنما يخشى الله من عباده العلماء﴾، ما قال الله جل وعلا: من عباده العابدون مثلا. قال العلماء: دل هذا على أن العالم أعرف بالله جل وعلا، ولذلك كان أشد له خشية. وهذا العامل بعلمه المنتفع به، فإن العلماء النافع كما سمعناه الذي يورث صاحبه الخشية والخوف من الله جل وعلا. ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فضل العالم، وأن العالم يصلي عليه -يعني يدعو له- رب العالمين جل وعلا: «إن الله وملائكته المقربين عنده سبحانه وتعالى، وأهل سماواته وأراضيه -يعني كل من في السماوات في العالم العلوي، وكل من في الأرض في العالم السفلي من جبال وأشجار وبحار وأنهار وحيوانات، حتى النون في البحر- يعني حتى العالم عالم البحار وما فيها من أسماك وحيتان، كلها يصلون على الذين يعلمون الناس الخير». هذه فضيلة عظيمة، فضيلة عظيمة ينالها العالم وطالب العلم الذي يتعلم ويعلم، ينال هذا الأجر والثواب الذي لا يناله غيره من الملوك الرؤساء والشرفاء ذوي الأموال، ما ينال هذا إلا صاحب العلم. قال: أخبرنا سعيد بن سليمان، عن أبي أسامة، عن مسعر بن كدام، قال: سمعت عبد الأعلى التيمي يقول: «من أوتي من العلم ما لا يبكيه لخليق ألا يكون أوتي علما ينفعه»، لأن الله تعالى نعت العلماء، ثم قرأ القرآن: ﴿إن الذين أوتوا العلم إذا يطلع عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا﴾، فاستدل بهذه الآية عبد الأعلى التيمي رحمه الله على أن من آثار العلم النافع أنه يورث صاحبه الخشوع والبكاء بين يدي الله جل وعلا. فيقول: إذا لم يورثك العلم هذه الصفة وهذه الحال من البكاء والخشوع من الله جل وعلا، فاعلم أنك لم تنتفع بهذا العلم ولم تؤت علما نافعا، لأن الله جل وعلا وصف أهله بهذا الوصف. قال: «من أوتي من العلم ما لا يبكيه لخليق» يعني حري ألا يكون أوتي علما ينفعه. وهذا الخلل الذي قد يحصل لصاحب العلم قد يكون إما من جهة العلم، وإما من جهة حامله. قد يكون العلم الذي يتعلمه ليس بعلم نافع، كبعض العلوم -يعني التي لا ينتفع بها صاحبها ولا تقربه إلى الله جل وعلا- العلوم الدنيوية كعلم مثلا الهندسة أو علم الحساب أو الطب أو نحوها. وقد يكون العلم في نفسه نافع كالعلوم الشرعية، وهو المقصود في الكلام على العلم النافع، ما كان من علوم الشريعة كعلم التوحيد وعلم الفقه وعلم العقيدة وعلم علوم الآلة وغيرها من العلوم الشرعية. فهذا إذا تعلمها ولم ينتفع بها ولم تورث له في قلبه الخشية والخوف، هنا الخلل من المتعلم، يراجع نفسه ويجدد النية ويخلص في طلبه لهذا العلم، ويريد ما عند الله جل وعلا. فهنا سيكون الخلل منه، فإذا أصلح نيته وأصلح قصده وأخلص في طلبه للعلم، فإن شاء الله سينتفع بهذا العلم، وسيرثه هذا العلم الخشية والبكاء بين يدي الله جل وعلا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.