الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 43، ألقاها
يتناول التحذير من طلب العلم للتباهي أو الشهرة أو الدنيا، ويشدد على أن طلب العلم يجب أن يكون لله وللعبادة. يوضح أن المقصود من العلم هو العمل به وتعبد الله به.
يتناول خطورة التساهل في الشبهات وارتكاب المحرمات، ويحذر من ذهاب العلماء وآثاره على المجتمع. يشرح كيف يصبح الناس أكثر ميلا إلى القياس والرأي دون اتباع العلم الصحيح.
يحذر من قياس الأمور في الدين برأي الشخص دون علم أو حجة، ويشرح أنواع القياس ومتى يكون صحيحا أو فاسدا. يستشهد بقصة إبليس لتوضيح خطورة القياس بغير علم.
يذم القياس الفاسد الذي يخالف النص أو تكون علة القياس فيه غير واضحة، ويحذر من الغلو في استخدام القياس في معظم المسائل. يشير إلى أن السلف رحمهم الله ذموا هذه الممارسات.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه، في باب تغير الزمان وما يحدث فيه: «قال أخبرنا أبو المغيرة وعبد القدوس من الحجاج، قال حدثنا الأوزاعي -هو عبد الرحمن بن عمر- قال: أنبئت أنه كان يقال: ويل للمتفقهين لغير العبادة، والمستحلين للحرمات بالشبهات». هذا الأثر صحيح، وقوله: «ويل للمتفقهين لغير العبادة» يدل على هذا الوعيد، وأن من تفقه لغير الله أنه على خطر. ما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «من طلب العلم ليماري به السفهاء، أو ليباهي به العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه، فهو في النار». رواه ابن ماجه من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وصححه العلامة الألباني. «من طلب العلم ليماري به السفهاء» أن يجادل، يجادل بهذا العلم، ويباهي به العلماء، يفتخر به عند أهل العلم، وأنه صاحب علم، وأنه عنده معرفة بأحكام الشريعة، «وليصرف وجوه الناس إليه» يعني أن يشتهر ويعرف ويشار إليه بالبنان، وأن فلان ابن فلان، قال: «فهو في النار». لماذا؟ لأنه ما أخلص فيه، هذه العبادة طلب العلم عبادة عظيمة، فهو ما أخلص فيها، طلب العلم غير الله، ما أراده ما عند الله جل وعلا من الأجر والثواب، وإنما أراد به الدنيا، لمماراة السفهاء وجدالهم، ولمباهاة العلماء والافتخار به، وهكذا أيضا لأجل أن يمدح ويثنى عليه ويشتهر به، قال: «فهو في النار». وفي حديث أبي هريرة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من طلب علما مما يبتغى به وجه الله -أي من علوم الشريعة- فقوله: مما يبتغى به وجه الله خرج به علوم الدنيوية التي تبتغى بها الدنيا، فليست هي داخلة في الحديث، إنما المراد بالعلم هنا العلم الشرعي، علم الكتاب والسنة- لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا، لم يرح رائحة الجنة، لم يرح رائحة الجنة». رواه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما، وكذلك صححه العلامة الألباني رحمه الله. هذا أيضا وعيد شديد فيمن طلب العلم غير الله. من طلب علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا، يعني مقصده ونيته أنه يريد به الدنيا، قال: «لم يرح رائحة الجنة» يعني أنه يحرم دخول الجنة. فمن تفقه لغير الله ولغير العبادة، لأن من معاني الإخلاص في الطلب هو رفع الجهل، أن ينوي رفع الجهل عن نفسه، وذلك بتحصيل هذا العلم والعمل به. فإن المقصود من العلم هو العمل، المقصود من العلم هو العمل، العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل. فالمخلص في طلبه للعلم ينوي بذلك أن يرفع الجهل عن نفسه، وأن يعمل بهذا العلم، أن يعمل بهذا العلم، فيتعبد لله جل وعلا به، يعبد الله على علم وبصيرة، ثم يدعو الناس إلى هذا العلم، ثم يدعو الناس إلى هذا العلم. فإذا لم يقصد ذلك، وإنما أراد كما سمعنا شيئا من أعراض الدنيا من المدح والثناء والشهرة والفخر والمباهاة، فهذا ابتغى الدنيا بعمل الآخرة، ابتغى الدنيا بعمل الآخرة، فيحرم -يعني الأجر والثواب- ويكون خاسرا في الدنيا والآخرة، يكون خاسرا في الدنيا والآخرة، وإن ربح شيئا من الدنيا من متاعها، فهو ماذا في الحقيقة؟ خسران وليس ربح، سيحاسب عليه، وسيعذب على ما يتحصل عليه في هذه الدنيا بعمل الآخرة، ثم في الآخرة يكون من الخاسرين الهالكين. قال: «والمستحلين للحرمات بالشبهات» يعني كذلك الويل لمن استحل الحرمات بالشبهات، يعني بالأمور المشتبهة، فيقول هذه شبهة لا يتورع، وما يبالي، فيرتكب هذه الشبهة، وهذه الشبهة، وتلك الشبهة، حتى يقع في الحرام، بل يتوصل إلى الوقوع في الحرام باسم الشبهات، يقول: يا فلان هذا أمر لا يجوز، وهذا أقل أحواله أنه شبهة، يقول: خذ شبهة، لا بأس، ليس بحرام، يعني صريح لا بأس، وهكذا يتساهل في الشبهات حتى يقع في الحرام، يتوصل إلى الوقوع في الحرام بالشبهات. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام». من وقع في الشبهات وقع في الحرام. فالذي يتساهل في الشبهات، فإن ذلك يوقعه في ارتكاب المحرمات. قال: «وأخبرنا صالح بن سهيل مولى يحيى بن أبي زائدة، قال: حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن مجالد -وهو ابن سعيد، وهو ضعيف- عن الشعبي، عامر المشراحيل، عن مسروق بن الأجدع، عن عبد الله -وهو ابن مسعود- قال: لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر من الذي كان قبله، أما إني لست أعني عاما أخصب من عام، ولا أميرا خيرا من أمير، ولكن علماؤكم وخياركم وفقهاؤكم يذهبون، لا تجدون منهم خلفا، ويجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم». هذا الأثر بهذا الإسناد ضعيف، لكن معناه صحيح، وقد ورد آثار كثيرة في هذا المعنى، وسيذكر المؤلف رحمه الله منها جملة بعد هذا الأثر، في ذم العمل بالقياس والرأي. فابن مسعود رضي الله عنه يقول: «لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر من الذي كان قبله». وهذا مصداق ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيح من حديث أنس، أنه قال: «لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه». وكلما بعد الزمن عن زمن النبوة، كلما كان الشر فيه أكثر، كلما كان الشر فيه أكثر، والخير أقل. فهذا معنى قول: «لا يأتي عليكم عام إلا هو شر من الذي كان قبله». أما إني لست أعني عاما أخصب من عام، ولا أميرا خيرا من أمير، يعني لم يقصد بذلك -يعني قلة الخيرات الدنيوية من قلة الأمطار أو نحو ذلك- وإنما أراد بقلة الخيرية بذهاب حملة العلم، العلماء، ذهاب العلماء. قال: «ولكن علماؤكم وخياركم وفقهاؤكم يذهبون». كيف يذهبون؟ يموتون، وذهاب العلم بذهاب حمله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء -بقبض العلماء- أي بموتهم، إذا ماتوا مات العلم الذي معهم، وإذا ذهبوا لم يوجد من يخلفهم، وإن كان هناك من يوجد من أهل العلم، لكن لا يكون مثل من ذهب، لا يكون مثل من ذهب». فذهاب العلماء المراد بهم العلماء الراسخون، العلماء الكبار الذين يشاء إليهم بالبنان، ويلتف الناس حولهم، يستفيدوا من علمهم، موتهم يعني فجوة، كما قال الحسن رحمه الله: «لا تسد ما بقي الليل والنهار، موت العالم ثلمة في الإسلام، لا تسد ما بقي الليل والنهار». نعم، يوجد هناك غيرهم من أهل العلم من أهل الفضل، لكن لا يكون مثلهم، لا يكون مثلهم. فابن مسعود رضي الله عنه يقول: «لكن علماؤكم وخياركم وفقهاؤكم يذهبون، ثم لا تجدون منهم خلفا» يعني من يقوم مقامهم، وإن وجد ذلك فليسوا مثلهم، وكذلك أيضا هم دونهم في المنزلة وفي العلم، وهكذا أيضا ربما كانوا قليلين. قال: «ويجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم» يعني يتكلمون في هذا الدين بآرائهم وعقولهم وبالأقيسة، ليس بعلم وبرهان وحجة من كتاب الله، ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعلم بأقوال الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ولكن بما يرونه بآرائهم وعقولهم، فيضلون ويضلون. قال رحمه الله: «وأخبرنا محمد بن أحمد بن أبي خلف، قال: حدثنا يحيى بن سليم، ويحيى بن سليم صدوق سيء الحفظ، قال: سمعت داود بن أبي هند، عن ابن سيرين، قال: أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس». قال: «واخبرنا محمد بن كثير، عن ابن شوذب وعبد الله -ثقة- عن مطر -وهو ابن طهمان الوراق، حسن الحديث كما قال الذهبي رحمه الله- قال: عن الحسن -هو البصري- أنه تلا هذه الآية: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ قال: قاس إبليس، وهو أول من قاس» يعني أول من عمل بالقياس. المراد بالقياس: إلحاق النظير بنظيره، وهو عند أهل الأصول: إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة بينهما. والقياس فيه تفصيل، فما كان قياسا صحيحا -إذا لم يكن في المسألة نص من كتاب الله أو سنة رسوله أو إجماع من العلماء- فحينئذ يلجأ إلى القياس. فإذا كان الفرع مشابها للأصل، مشابها للأصل، والعلة واحدة، وهي منصوص عليها أو مجمع عليها، فحينئذ يلحق هذا الفرع بالأصل، ويأخذ حكمه، هذا هو القياس المعتبر، القياس الجلي، القياس الجلي: ما كان علته منصوص عليها أو مجمع عليها، أو كان مقطوعا بنفي الفارق بين الأصل والفرع، فهذا يعمل به ويحتج به، لكن ما يصار إليه إلا عند عدم وجود النص. وهو كما قال إمام الشافعي رحمه الله: بمنزلة الميتة للمضطر، يعني الميتة متى يضطر إليها الإنسان؟ إذا لم يكن هناك أكل حلال غيرها، وسيهلك إن لم يأكلها، فحينئذ تحل الميتة، وهكذا القياس، لا يصار إليه إلا عند الضرورة، عند عدم وجود نص من الكتاب أو السنة أو وجود إجماع. وأما إن كان القياس مع وجود الفارق، هذا الفرع لا يشبه ذاك الأصل، والعلة خفية غير معلومة، ليست منصوص عليها، ولا هي مجمع عليها، وهناك فوارق بين الفرع والأصل، فحينئذ لا يلحق الفرع بالأصل، ويكون هذا القياس قياسا خفيا أو ضعيفا. أو كذلك أيضا القياس مع وجود النص، هذا يسمى قياس فاسد الاعتبار، يأتي إنسان يقيس والنص موجود، هذا قياس فاسد. ومثل قياس إبليس الذي هو أول من قاس، قياسا فاسدا، لما أمر الله عز وجل الملائكة بالسجود لآدم، قال إبليس: أنا خير منه، خلقتني من نار وخلقته من طين، يعني يقول: الذي ينبغي أن يكون الأولى بالسجود لي -يعني لإبليس- لماذا؟ قال: لأني خلقت من نار، والنار أفضل من الطين، النار أفضل من الطين، إذن إبليس يقول: إنه أولى بالسجود من آدم. فقياس هذا باطل وفاسد، لأنه أولا مصادم للنص، مصادم للنص، جاء النص من الله جل وعلا، والأمر من الله بالسجود لآدم، حينئذ ما بقي قياس، فالواجب أن يسجد له كما سجد الملائكة. والأمر الثاني: أن المعنى الذي قاس فيه هذا القياس باطل، وهو كونه جعل النار أفضل من الطين، هذا أمر كذلك غير صحيح، لأن النار من صفاتها الطيش والإحراق والإفساد، وليس الطين كذلك، الطين ليس فيها معنى الطيش والإحراق، بل هي فيها معنى الثبات والرسوخ، وفيها كذلك المنافع والإبراد وغير ذلك من المعاني التي هي أفضل بلا شك من معاني النار. فقياسه هذا قياس باطل وفاسد، فهذا الأثر ونحوه من الآثار التي وردت عن السلف في ذم القياس، يراد به هذا النوع من القياس، القياس المصادم للنص والمخالف للنص، أو الذي كذلك أيضا تكون لا تضبط فيه علة القياس، وتخفى فيه العلة، فمثل هذا القياس قياس ضعيف، وهو الذي ذمه السلف رحمهم الله، فيما ورد من الآثار في ذم القياس. أو كذلك أيضا الغلو في باب القياس، يعني في كل المسائل أو أكثر المسائل يقيس، هذا أيضا ذمه السلف، كما سيأتي إن شاء الله في الآثار التي ذكرها المؤلف رحمه الله في هذا الباب. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.