الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 22، ألقاها
ذكر حوض النبي صلى الله عليه وسلم ووصف الصراط الذي يمر عليه الناس يوم القيامة. وتواترت الأحاديث في ذكر الحوض وثبوته بالسنة والإجماع، كما ثبت الصراط بالكتاب والسنة والإجماع.
يصف المقطع مرور الناس على الصراط وفق أعمالهم ويشرح ورود النار كما ورد في القرآن. ويبين أنواع الشفاعة يوم القيامة وشفاعة النبي خاصة، مؤكدًا على أهميتها لأهل الكبائر.
يشرح المقطع شفاعة النبي لأهل الكبائر من أمته، حيث يشفع لهم بعد دخولهم النار ليعذبوا ثم يخرجوا إلى الجنة. يُثبت هذا النوع من الشفاعة بالأحاديث والآيات التي تشرط إذن الله ورضاه.
يذكر أهل العلم أهمية الشفاعة خاصة لأهل الكبائر ردًا على من ينكرها مثل الخوارج والمعتزلة، ويؤكدون ثبوتها بالسنة والإجماع.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله في كتابه «لمعة الاعتقاد»: ولنبينا محمد صلى الله عليه وسلم حوض في القيامة، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأباريقه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا. ذكر رحمه الله في هذا الموضع ما يتعلق بحوض نبينا عليه الصلاة والسلام. والحوض لغة هو الجمع، يقال: حاض الماء يحوضه إذا جمعه. والمراد به حوض النبي عليه الصلاة والسلام الذي ينزل من الجنة من الكوثر، وهو ثابت في السنة والإجماع، وتواترت الأحاديث في ذكر حوضه عليه الصلاة والسلام. من ذلك قوله عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيح من حديث سهل بن سعد وأبي سعيد الخدري: «إني فرطكم على الحوض»، يعني أتقدمكم. وهكذا قوله عليه الصلاة والسلام: «وحوضي ما بين بيتي ومنبري». وأحاديث كثيرة أيضًا وردت في ذكر صفة حوضه عليه الصلاة والسلام. من ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد، ومن حديث ابن عمر، ومن حديث عبد الله بن عمر، ومن حديث أنس، ومن حديث ثوبان في ذكر صفة حوض النبي عليه الصلاة والسلام. ومن صفة حوضه أنه طوله شهر وعرضه شهر، وآنيته كعدد نجوم السماء، وله ميزابان من الجنة يمدانه من الجنة، أحدهما من ذهب والآخر من فضة، ومن شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا. وكذلك أيضًا قام الإجماع على إثبات هذا الحوض، وأن النبي عليه الصلاة والسلام له حوض يوم القيامة يشرب منه المؤمنون، ويذاد عنه من ارتد عن دين الإسلام، وأهل الأهواء والبدع. يدل عليه حديث ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «فيذاد ناس من أمتي عن الحوض، فأقول: أمتي أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، لقد غيروا وبدلوا، فأقول: سحقًا سحقًا لمن غير وبدل». هل هذا الحوض خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، أو كذلك للأنبياء؟ الجواب: نعم، إنه لكل نبي حوض. ويدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: «إن لكل نبي حوضًا، وإنهم ليتباهون أيهم أكثر واردة»، يعني من يرده من الناس، «وإني لأرجو أن أكون أكثرهم واردة». والحديث رواه الإمام الترمذي في سننه، وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري، وصححه الألباني رحمه الله في الصحيحة، وهو حديث صحيح بشواهده وطرقه. ومر معنا ذكر الميزان، فهل الحوض بعد الميزان أو قبله؟ فيه قولان لأهل العلم. والأقرب أن الحوض قبل الميزان، هذا الذي يناسب المقام والحال أن الناس يخرجون من قبورهم، وبعد وقوفهم في أرض المحشر يكونون في غاية من العطش، فيشربون من حوض النبي عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك يكون الميزان. قال القرطبي رحمه الله: الحوض ثم الميزان ثم الصراط. قال: والصراط حق، يجوزه الأبرار، ويزل عنه الفجار. أيضًا مما يتعلق بأمور الآخرة ويجب الإيمان بها أمر الصراط. والصراط لغة: الطريق، وشرعًا هو الجسر الذي ينصب على متن جهنم، ويجوزه الناس وأهل الإيمان إلى الجنة، وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. قال الله جل وعلا: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ على تفسير أن الورود هو المرور على الصراط. وفي السنة جاء بحديث أبي سعيد، وحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما وغيرهما من الصحابة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ثم يضرب الصراط أو الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: أي الأنبياء: اللهم سلم سلم». وذكر النبي صلى الله عليه وسلم من صفة الصراط أنه مدحضة مزلة، له خطاطيف وكلاليب وحسك مفلطحة، ولها شوكة عقيفاء، يقال تكون بنجد، يقال لها السعدان. هذه الخطاطيف والكلاليب بمنزلة الشوك والحديد الذي تكون منعطفة الطرف، وهي حادة تأخذ الناس الذين كتب الله عز وجل عليهم الشقاء، وأن يقعوا في النار. وهذا الجسر جاء أيضًا في حديث أبي سعيد في المسلم، قال: «بلغني أنه أرق من الشعر، وأحد من السيف». والناس يمرون على الصراط على قدر أعمالهم، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: منهم من يمر كالبرق، منهم من يمر كطرف العين، منهم من يمر كالريح، منهم من يمر كأجاويد الخيل، ومنهم من يجري جريًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يزحف زحفًا. وكما قال عليه الصلاة والسلام: «فناج المسلم، ومكردس في النار». ولا يجوز الصراط إلا أهل الإيمان من ينتسب إلى الإيمان. وأما الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم من ملل الكفر، فهؤلاء يساقون بهم إلى النار قبل ورود الصراط. قال: والصراط حق، يجوزه الأبرار -يعني من أهل الإيمان وأهل الأعمال الصالحة وأهل الطاعات- ويزل عنه الفجار -أهل المعاصي والذنوب-، فهؤلاء تخطفهم هذه الكلاليب وهذه الخطاطيف، فتلقي بهم في نار جهنم عياذًا بالله. وقوله جل وعلا: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ اختلف أهل العلم في معنى الورود. ما معنى ﴿إِلَّا وَارِدُهَا﴾؟ على أربعة أقوال. فمنهم من قال: إن المراد بالورود هو المرور على الصراط، المرور على الصراط، كما فسره بذلك ابن مسعود وقتادة وزيد بن أسلم وغيره من السلف. ومنهم من قال: إن المراد بالورود هو الدخول، أي دخول النار، ومن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، لقول الله جل وعلا: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾. وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لم تمسه النار إلا تحلة القسم». وهذا قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فسر الورود بالدخول في النار. وكذلك أيضًا قول جابر من الصحابة، ورجحه الإمام القرطبي والإمام الشنقيطي رحمه الله في تفسيره «أضواء البيان». والقول الثالث: أن المراد بالورود هو الوقوف على النار من غير دخول، الوقوف على النار من غير دخول. واستدلوا بقول الله جل وعلا: ﴿فَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾، فلما ورد ماء مدين، وهذا الورود معنى الوقوف على الماء، ولم يدخل داخل الماء. فقالوا: المراد بالورود الوقوف عند النار. والقول الرابع: أن المراد بالورود ما يصيب الإنسان في هذه الدنيا من الحمى، لأن الحمى من فيح جهنم، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فيكون هذا نصيبه من النار. والقول الأرجح والله أعلم هو أن المراد بالورود الدخول، ومن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا. قال: وأيضًا مما يتعلق بالصراط أن أول من يمر على الصراط هو أمة النبي عليه الصلاة والسلام. أمة النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: «فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها»، يعني من يمر على الصراط. والحديث في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. قال: قال رحمه الله: يشفع نبينا صلى الله عليه وسلم فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر، فيخرجون بشفاعته بعدما احترقوا وصاروا فحمًا وحممًا، فيدخلون الجنة بشفاعته. ولسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعات. قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾، ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين. ذكر رحمه الله ما يتعلق بالشفاعة. والشفاعة لغة: ضد الوتر، واصطلاحًا: التوسط إلى الغير لجلب نفع أو دفع ضر. والمراد بالشفاعة هنا ما يكون يوم القيامة من شفاعة الأنبياء وشفاعة الصالحين والملائكة، أو شفاعة خاصة للنبي عليه الصلاة والسلام. والشفاعة يوم القيامة على أنواع، منها شفاعة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومنها شفاعة عامة للنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره من الأنبياء. فمن الشفاعة الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم شفاعته في أرض المحشر في الموقف، وفي تعجيل الحساب على الناس، وهي المقام المحمود الذي أوتيه النبي عليه الصلاة والسلام حين يتبرأ الأنبياء ويقول كل منهم: «نفسي نفسي». وكذلك أيضًا شفاعته عليه الصلاة والسلام لعمه أبي طالب في تخفيف العذاب، هذه أيضًا شفاعة خاصة للنبي عليه الصلاة والسلام، كما ثبتت في الصحيحين من حديث العباس رضي الله تعالى عنه، أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «ما أغنيت عن عمك؟ فإنه كان يحوطك وينصرك»، فقال عليه الصلاة والسلام: «هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار». وهكذا أيضًا شفاعته عليه الصلاة والسلام في دخول أهل الجنة الجنة. ومن الشفاعة العامة شفاعته عليه الصلاة والسلام لأهل الكبائر، شفاعته لأهل الكبائر من أمته ممن دخل النار واستحق العذاب أن يخرج منها. هذه الشفاعة شفاعة عامة للنبي عليه الصلاة والسلام ولغيره من الأنبياء، وهكذا أيضًا للصالحين والملائكة، بل وكذلك أيضًا لرب العالمين سبحانه وتعالى. ويدل عليها الأحاديث الكثيرة الواردة في الشفاعة لأهل الكبائر، ومنها ما ثبت في الصحيح من حديث جابر في إخراج قوم من الناقصين حُممًا كأنهم نُعمان قصار، حُممًا، فهم يأخذون فيوضعون في نهر عند باب الجنة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل. وهكذا أيضًا حديث ابن عمر في السنن في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «شفاعة لأهل الكبائر من أمتي». وهكذا أيضًا قول رب العزة جل وعلا: فيقول الله جل وعلا: «شفعت الملائكة وشفع النبيون والصالحون، لم يبق إلا أرحم الراحمين»، فيقبض الله قبضة من النار، فيخرج أقوامًا لم يعملوا خيرًا قط. والحديث في الصحيحين وغيرهما من أحاديث كثيرة ثابتة في الشفاعة لأهل الكبائر. وهو المراد في قوله: «فيشفع نبينا صلى الله عليه وسلم فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر»، أي الذين ارتكبوا كبائر الذنوب، وقعوا فيها كالزنا وشرب الخمر وغيرها من كبائر الذنوب، فعاقبهم الله جل وعلا بإدخالهم النار، فإنه يشفع عليه الصلاة والسلام فيهم بعد أن يعذبوا ما شاء الله ما كتب الله أن يخرجوا منها، فيخرجون وقد صاروا فحمًا محترقين من النار، فيدخلون الجنة، فيوضعون في نهر عند باب الجنة، فينبتون نباتًا حسنًا كما تنبت الحبة في حميل السيل. في حديث جابر: أنهم القراطيس، أي من البياض والصفاء، فيدخلون الجنة. وأكد أيضًا يشفع سوان الأنبياء والملائكة. وهذه الشفاعة المثبتة، هذه الشفاعة المثبتة التي أدت الأدلة على ثبوتها. وذلك أن الشفاعة على قسمين: شفاعة مثبتة وشفاعة منفية. فالشفاعة المثبتة ما توفرت فيها ثلاثة شروط: إذن الله جل وعلا بالشفاعة، ورضى الله جل وعلا عن الشافع، ورضى الله عن المشفوع له. قال الله جل وعلا: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾. فإذا انتفت أحد هذه الشروط الثلاثة فهي الشفاعة المنفية، المراد بقوله جل وعلا: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾. وقوله جل وعلا: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾، هذه الشفاعة المنفية شفاعة الكافرين وشفاعة المشركين التي يمني بها بعضهم بعضًا، فقد نفاها الله جل وعلا. ولا تكون الشفاعة إلا لأهل الإيمان وأهل التوحيد. والنبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الشفاعة، قال أبو هريرة رضي الله عنه: «يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك؟» قال: «من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه». وهذه الشفاعة -الشفاعة لأهل الكبائر- أنكرها الخوارج والمعتزلة، أنكرها الخوارج والمعتزلة لأنهم يرون كفر صاحب الكبيرة، الخوارج والمعتزلة يكفرون صاحب الكبيرة، ويرون أنه خالد في النار إذا دخلها، فهو خالد مخلد فيها، لا يخرج منها كحال الكافرين. فلهذا نفوا الشفاعة لأهل الكبائر، واستدلوا بالأدلة والآيات التي فيها نفي الشفاعة، نفي الشفاعة المنفية، كقول جل وعلا: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾، فنزلوا هذه الآيات التي هي في الكافرين على أهل الكبائر. وهذا من خطئهم وخلطهم وغلطهم، فإن هذه الآيات يراد بها أهل الكفر، أما أهل الكبائر فهم مسلمون ومؤمنون، إلا أن عندهم ذنوب ومعاصي يعاقبهم الله جل وعلا بسبب فعلهم لها ما شاء الله عز وجل، ثم يطهرون بدخولهم النار، ويخرجون منها، ويكون مصيرهم إلى الجنة. وأما الشفاعة للنبي صلى الله عليه وسلم في أرض الموقف، وهي الشفاعة العظمى، فهذه يثبتونها، لا ينفسها الخوارج والمعتزلة، وإنما ينكرون الشفاعة لأهل الكبائر فقط. وأهل العلم يذكرون أمر الشفاعة، وخاصة الشفاعة لأهل الكبائر لإنكار الخوارج والمعتزلة لها، فيردون بهذا الرد عليهم، وأن الشفاعة لهم ثابتة بدلالة السنة والإجماع. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.