التعليق على منظومة السير إلى الله للسعدي 10

الدرس في التعليق على منظومة السير إلى الله للسعدي 10، ألقاها

مفهوم الزهد وملأ القلب بالأفكار النافعة

يشرح المقطع حقيقة الزهد وعدم انشغال القلب بالدنيا، ويبين أهمية ملأ القلب بالأفكار النافعة. يشدد على أن الزهد لا يعني الفقر بل عدم الاشتغال بالدنيا عن طاعة الله.

اشتغال الصحابة بالذكر والطاعة وتدبر القرآن

يتناول اشتغال الصحابة بذكر الله وتدبر القرآن والتفكر في الآخرة وأسماء الله وصفاته. يبين كيف كانوا ينشغلون بطاعة الله ويتفكرون في الآخرة.

فضل الصحبة الصالحة والتوسل المشروع

يشدد على أهمية الصحبة الصالحة وأنواع التوسل المشروع مثل التوسل بأسماء الله وصفاته ودعاء الرجل الصالح. يبين أن الصحبة الصالحة تعين على طاعة الله.

خاتمة الدرس والاستغفار والصلاة على النبي

يقر بأن ما كان صوابًا فهو من الله ويستغفر الله ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه. ينهي الدرس بالتأكيد على أهمية الاستغفار والصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعد رحمه الله في منظومته في السير إلى الله والدار الآخرة: «عزفوا القلوب عن الشواغل كلها، قد فرغوها من سوى الرحمن، حركاتهم وهمومهم وعزومهم لله، لا للخلق والشيطان». قال رحمه الله: «فرغوا قلوبهم عن جميع ما يشغل عن الله، عن جميع ما يشغل عن الله ويبعد عن رضاه». وهذا حقيقة الزهد، أي أنهم زهدوا في هذه الدنيا. وحقيقة الزهد، كما أشار رحمه الله، هو ترك ما يشغلك عن الله وعن الآخرة. ونحو هذا قول الإمام أحمد رحمه الله، أو شيخ الإسلام: «الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة». فليس الزهد بالمظاهر، أن يتظاهر الإنسان بأنه زاهد، يلبس ثياب المرقعة، وقلبه معلق بالدنيا، هذا ليس بزاهد. ولا ينافي الزهد أن يكون الإنسان غنيا، عنده أموال، وفتح الله جل وعلا عليه في التجارة، أو شيء من أمور الدنيا، مع عدم تعلقه بها، وعدم انشغاله بهذه الأمور عن طاعة الله سبحانه وتعالى وعبادته. ألم يكن أبو بكر الصديق رضي الله عنه من أهل الغناء، وهو من الزهد؟ كان يشتري العبيد ويعتقهم لوجه الله. وأنزل الله عز وجل قوله: ﴿وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربي العلى ولسوف يرضى﴾. وهكذا عثمان رضي الله عنه، ذو النورين، كان من أهل الغناء. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يشتري بئر رومة ويجعل دلوه مع دلاء المسلمين ويوقفها للمسلمين، وله الجنة؟» فاشتراها عثمان رضي الله تعالى عنه. وقال: «من يجهز جيش العسرة، وله الجنة؟» فجهزه عثمان رضي الله تعالى عنه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم». ما ألهته هذه الأموال، ولا كذلك انتفى عنه الزهد، بل كان زاهدا رضي الله تعالى عنه. فإذا حقيقة الزهد أن لا يشغل العبد شيئا عن طاعة الله وعبادته، ولو كان من أهل الغناء والثرى، إن لم تشغلوا عن طاعة الله، بل استعان به على طاعة الله، فهو زاهد. هذا معنى كلامه رحمه الله: «عزفوا القلوب عن الشواغل كلها، قد فرغوها من سوى الرحمن»، يعني ليس هناك شيء يشغلهم عن طاعة الله سبحانه وتعالى وعبادته، وعن العمل للآخرة، فكانوا من أهل الزهد في هذه الدنيا. قال: «ولا يكفي هذا التفريغ حتى يمتلئ القلب من الأفكار النافعة والعزوم الصادقة، فتكون أفكار العبد في كل ما يقرب إلى الرحمن، من تصور علم، وتدبر قرآن، وذكر الله بحضور قلب، وتفكر في عبادة وإحسان، خوف من زلة وعصيان، أو تأمل لصفات الرحمن وتنزيه عن جميع العيوب والنقصان، أو تفكر في غبر وأحواله، أو يوم القيامة وأحواله، أو في الجنة ونعيمها، والنار وجحيمها». فأفكارهم حائمة حول هذه الأمور، متنزهة عن دنيات الأمور، والتفكر بما لا يجدي على صاحبه إلا الهم والوبال، وتضيع الوقت، وتشتيت البال، غير نافع للعبد في الحال والمآل. فذكر رحمه الله أن هؤلاء السعداء، حين فرغوا قلوبهم عن جميع ما يشغل عن الله سبحانه وتعالى من أمور الدنيا ولذاتها ومتاعها وشهواتها، فإنهم ملأوا قلوبهم تفكرا في صفات الله سبحانه وتعالى، وتدبرا لكتاب الله، وتفقها في دين الله سبحانه وتعالى. فهم مشغولون بتعلم العلم وتحصيله، وكذلك أيضا التقرب إلى الله جل وعلا بهذه الطاعة العظيمة، مشغلون بجمع العلوم ودراستها وتفهمها وحفظها والعمل بها وتعليمها. وهكذا أيضا أشغلوا أنفسهم بكتاب الله جل وعلا، قراءة وتلاوة وحفظا وتدبرا، وهو الغاية التي لأجلها أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن. ﴿أفلا يتدبرون هذا القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾. ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليتدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب﴾. فهم يتدبرون كتاب الله جل وعلا، ويتفهمونه، ويتعلمونه. وهكذا أيضا يشغلون أوقاتهم بطاعة الله وذكر الله جل وعلا. وهذا وإن كان قوله بعد قولي «وتدبر القرآن وذكر الله»، وذكر الله من عطف العام على الخاص، لأن القرآن من ذكر الله، بل هو أشرف الذكر، لكن أراد أنهم كذلك هم منشغلون بذكر الله جل وعلا مما سوى القرآن، من تسبيح وتكبير وتحميد وتهليل واستغفار، وغير ذلك من أنواع الذكر. لأنهم منشغلون بما يقربهم من الله سبحانه وتعالى. تلهجوا ألسنتهم بذكر الله، وقلوبهم منشغلة بتعظيم الله سبحانه وتعالى. وكذلك جوارحهم منصرفة في طاعة الله جل وعلا. وتفكر في عبادة وإحسان، خوف من زلة وعصيان، يعني كذلك هم منشغلون في عبادة الله. ما الذي يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى في هذا اليوم، في اليوم الذي بعده، من صيام أو صلاة، أو غير ذلك من العبادات والطاعات؟ وهكذا أيضا يتفكرون في الخوف من معصية الله جل وعلا. هو يحرص على البعد عما يغضب الله سبحانه وتعالى ويسخطه. أو كذلك أيضا يتأمل في صفات الرحمن سبحانه وتعالى، لأن الله جل وعلا له الأسماء الحسنى والصفات العليا التي تدل على كمال الخالق جل وعلا، فهو يتفكر فيها، بل يتعلمها. وهذا مما يزيده إيمانا وتعظيما وخوفا ومعرفة لله وخشة من الله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضا تنزيه جل وعلا عن جميع العيوب والنقصان، مما وصفه به الواصفون، أو عابه به العائبون، من اتخاذ الولد، أو أن يكون لله جل وعلا شريك في ألوهيته أو ربوبيته، أو غير ذلك من معاني العيب والنقصان الذي قد وصف به سبحانه وتعالى. أو تفكر في القبر وأحواله، كذلك أيضا هم، لما انشغلوا بالآخرة وقطعوا شواغل الدنيا عن طاعة الله سبحانه وتعالى، كانوا يتفكرون في القبر وأحواله، الذي هو أول منازل الآخرة. كيف يصلح هذا المنزل في هذه الدنيا، ويتزود في هذه الدنيا لطاعة الله سبحانه وتعالى، مما يجعل قبره روضة من رياض الجنة، ويحذر أن يكون حفرة من حفر النيران؟ فكانوا يعملون للقبر، ويخافون من أحواله وأهواله وشدائده. وهكذا أيضا يوم القيامة وأحوالها، فإنهم كانوا يتفكرون فيها، ويستعدون لهذا اليوم العظيم بالأعمال الصالحة والطاعات والقربات، وأن لا يشغلهم شيء عن طاعة الله سبحانه وتعالى. وهكذا الجنة ونعيمها، وهي دار المتقين، وآخر مآل أهل الإيمان والتقوى، فهو يعمل لهذه الجنة، يحرص على طاعة الله جل وعلا، وفعل كل ما يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضاه. وهكذا أيضا يتفكرون في النار وجحيمها، التي يدخلها الكفار والفجار، ومآلهم وعاقبتهم. فهم يخافون أن يكونوا من أهلها، فيحرصون على البعد عنها، والبعد عن كل الأسباب التي توصل وتوقعهم في عذاب الله سبحانه وتعالى. قال: «فأفكارهم حائمة حول هذه الأمور»، يعني مما يقربه من الله جل وعلا، من فعل الطاعات والقربات، وما يبعدهم من سخط الله سبحانه وتعالى، ومن الذنوب والخطايا والسيئات، متنزهة عن دنيات الأمور، والتفكر بما لا يجد على صاحبه إلا الهم والوبال، من التفكير في أمور الدنيا، أو التفكير في المعاصي والشهوات وملذات هذه الحياة الفانية، وتضييع الأوقات، يعني في القيل والقال، واللهو واللعب، وتشتيت البال، غير نافع للعبد في الحال والمآل، يعني مما لا ينفعه في حاله، أي في وقت حياته، وفي دنياه، وفي المآل، في المستقبل. فلهذا تركوا هذه الأشياء التي لا نفع فيها، وأشغلوا أنفسهم بما ينفعهم، ويكون زادا لهم للآخرة. والله عز وجل يقول: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾. قال رحمه الله: «نعم الرفيق لطالب السبل التي تفضي إلى الخيرات والإحسان». فهؤلاء هم الذين يسعد بهم رفيقهم إذا اقتدى بسلوك سيرهم. «فريقهم»، يعني نعم الرفيق والصاحب أن يكون من يسير على طاعة الله سبحانه وتعالى، ويحرص على فعل الخيرات، وفعل الإحسان، وما يقربه إلى الله جل وعلا. فنعم الصاحب من كان على هذا الوصف، ومن كان على هذا الحال. هؤلاء الذين أمر الله جل وعلا نبيه عليه الصلاة والسلام بلزومهم، والجلوس معهم، وتصبير نفسه معهم: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا﴾. وفي هؤلاء ينطبق عليهم قول الله جل وعلا: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداه اقتده﴾. فنعم الصاحب الذي إذا جهلت علمك، وإذا غفلت ونسيت ذكرك، وإذا ذكرت أعانك، فهو عون لك في سائر أحوالك، في سيرك إلى الله جل وعلا والدار الآخرة. وهؤلاء الذين تبقى خلتهم ومحبتهم، فلا تنقطع، كما قال الله جل وعلا: ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾. إلا أهل التقوى، ومن كانت خلتهم ومحبتهم لله وفي الله، فإنها لا تنقطع، ولا تنقلب خلتهم عداوة، بخلاف من كانت محبته وخلته لأجل الدنيا والمصالح، هذه الحياة الفانية. قالوا: هؤلاء الذين أمرنا الله أن نسأله أن يهدينا طريقهم، إذ أنعم عليهم بصدق إيمانهم وتحقيقهم. فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. وأن يجنبنا طرق الغضب والضلال الموصلة إلى الخزي والوبال، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. والله أسأل، وبأسمائه الحسنى وصفاته ونعمه أتوسل. وهذا توسل، أو نوع من أنواع التوسل المشروع، وهو التوسل إلى الله جل وعلا بأسمائه وصفاته. قال الله جل وعلا: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾. هذا توسل مشروع، تتوسل إلى الله جل وعلا بأسمائه وصفاته الحسنى، فتسأل الله عز وجل أن يرحمك، فتقول: يا رحيم ارحمني، وهكذا يا غفور اغفر لي، يا رزاق ارزقني، يا عليم علمني. وهكذا تتوسل إلى الله جل وعلا بأسمائه وصفاته. والنوع الثاني من أنواع التوسل المشروع، التوسل إلى الله جل وعلا بدعاء الرجل الصالح، أن تسأل الرجل الصالح أن يدعو لك، كما كان الصحابة رضي الله عنهم يتوسلون بدعاء النبي عليه الصلاة والسلام. ولما توفي عليه الصلاة والسلام، توسلوا إلى الله بدعاء العباس. وهكذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم من أدرك ويس القرني أن يدعو له. والنوع الثالث، التوسل إلى الله جل وعلا بالأعمال الصالحة، ودليله قصة الثلاثة الذين انسدت بهم الصخرة، سدت بهم الغار، حين وقعت صخرة عظيمة، فما استطاعوا الخروج. فتوسلوا إلى الله بأعمالهم الصالحة. أولهم توسل ببره بوالديه، والثاني توسل بعفافه عن الزنا، والثاني توسل بأمانته. فالتوسل إلى الله بالأعمال الصالحة مشروع. اللهم أن يتوسل إليك ببره بوالديه، أتوسل إليك بصلاتي، بصيامي، بصدقتي، بطلبي للعلم. هذه الأنواع الثلاثة من أنواع التوسل المشروع. أما التوسل بذوات الصالحين، أو بجاههم، هذا من التوسل الممنوع. أو التوسل بالأموات، وبأصحاب القبور، هذا من التوسل الشركي. قال: «ألا يحرمنا خير ما عنده من الإحسان والغفران، بشر ما عندنا من التقصير بحقوقه والعصيان، وأن يجعله خالصا لوجه الكريم، وسببا للفوز عنده في جنات النعيم، آمين». قال: «والحمد لله رب العالمين أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا، حمدا كثيرا مباركا فيه، كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله». «وصلى الله على محمد النبي الأمي المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا». وبهذا نكون انتهينا من قراءة هذه المنظومة. وهكذا أيضا قراءة شرح شيخ الإسلام الناظم رحمه الله، مع التعليق عليها بما تيسر. فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان. وأستغفر الله وأتوب إليه. وصلى الله وسلم عن نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على