الدرس في بواعث الخلاص من الذنوب 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول شرحًا لتقوية باعث الدين من خلال إجلال الله وتعظيمه في القلب، ويبين أهمية مشهد إجلال الله في الامتناع عن المعاصي. يُستشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية في هذا السياق.
يشرح كيف أن التفكر في خلق الله يؤدي إلى تعظيمه ووقورة الإيمان في القلوب، ويستدل بقصة جبير بن مطعم وآيات من سورة الطور التي تبين عظمة الله.
يؤكد على أهمية استشعار عظمة الله في الامتناع عن الذنوب، ويستدل بقول الله تعالى وأقوال الزهاد على أن التفكر في عظمة الله يمنع من ارتكاب المعاصي.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف -فقه الله- في تعليقه على فصل بواعث الخلاص من الذنوب من كتاب عدة الصابرين للإمام ابن القيم -رحمه الله- قال: قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: فصل، وأما تقوية باعث الدين فإنه يكون بأمور، أحدها: إجلال الله تبارك وتعالى أن يعصى، وهو يرى ويسمع. ومن قام بقلبه مشهد إجلاله لم يطاوعه قلبه لذلك البتة. قال المعلق -وفقه الله-: التعليق على الباعث الأول للخلاص من الذنوب، إجلال الله سبحانه وتعالى وإعظامه. قال: وذلك أن يشهد المرء في قلبه جلال الله سبحانه وتعالى وعظمته، كما قال سبحانه: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون﴾، وقال الله سبحانه: ﴿ما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا﴾. قال ابن عباس -رضي الله عنهما- في تفسيرها: ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته. أي في تفسير هذه الآية، ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾، قال: ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته. وذلك أن الله -عز وجل- عظيم، ودلائل ذلك كثيرة في الكتاب والسنة. وهكذا أيضا في آيات الله -جل وعلا- الكونية، فيما أوجده في هذا الكون. وهكذا أيضا آيات الله -جل وعلا- الشرعية، فيما أنزله -جل وعلا- في كتابه على رسوله -صلى الله عليه وسلم-. وجاء في الصحيحين، من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن حبرا من أحبار اليهود أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا محمد، إنا نجد في التوراة أن الله يضع السماوات على أصبع، والأراضين على أصبع، والجبال على أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يقول: أنا الملك، أنا الديان. فضحك النبي -صلى الله عليه وسلم- تقريرا لما قال هذا الحبر، ثم قرأ النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه الآية: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾. فدلت هذه الآية على عظيم قدرة الله -جل وعلا-. فالذي قدر على قبض هذه السماوات وهذه الأراضين، فلا شك ولا ريب أنه قادر على قبض من فيهما من الخلائق وسائر المخلوقات. فلذلك كان واجبا على العبد أن يعرف عظمة ربه -سبحانه وتعالى-. وإذا عظم الله عظمت في نفسه الذنوب والخطايا، أن يقع في ذنب أو يرتكب معصية يعصي بها الله -جل وعلا-. قال القرطبي -رحمه الله- في تفسير قوله: ﴿أطوارا﴾، أي: طورا بعد طور إلى تمام الخلق. فمن فعل هذا وقدر عليه فهو أحق أن تعظموه. يعني في قول الله -جل وعلا-، فيما ذكر في هذه الآية: ﴿ما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا﴾، أي: أن الله -عز وجل- خلق هذا الإنسان أطوارا وأحوالا ومنازل، من نطفة إلى علقة إلى عظم، ثم كسى العظم لحما، ثم أنشأه نشأة أخرى حتى صار إنسانا كامل الصفات وكامل الخلق. فكيف بعد ذلك لا يعظم ربه ولا يوقره، بل يعصيه ويخالف أمره؟ قال: ومن شواهد تأثير هذا المشهد في النفوس ما جرى للصحابي الجليل جبير بن مطعم -رضي الله عنه- لما قرع سمعه بعض الآيات التي فيها بيان عظمة الله، وقام في قلبه مقام إجلال الله وجبروته، وأنه هو الخالق والرازق والمتصرف بجميع الخلق، دفعه ذلك للإيمان ودخول الإسلام. ثم قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول في المغرب: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرأ في المغرب بالطور، أي: بسورة الطور. فلما بلغ هذه الآية: ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون﴾، قال: كاد قلبي أن يطير. والحديث في صحيح البخاري. وفي لفظ آخر قال: وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي. وكان هذا لما جئ به مع من معهم من أسارى بدر إلى المدينة، وسمع النبي -عليه الصلاة والسلام- يقرأ في المغرب بسورة الطور. فلما بلغ هذه الآيات وقعت في قلبه موقعا عظيما. لماذا؟ لأن فيها دلالة عظيمة على تفرد الله -جل وعلا- بالخلق والملك والتدبير، وأنه -سبحانه- هو المتفرد بالربوبية، وهو الإله الذي يستحق أن يعبد دون من سواه. فإن في هذه الآيات الدلالة على ذلك بطريق من طرق الحصر، المسمى عند أهل الأصول بالسبر والتقسيم. والسبر هو: ذكر أوصاف المحل، والتقسيم هو: إبطال ما لا يصلح للتعليل. فذكر الله -عز وجل- لإثبات هذا الحكم، وهو تفرده -جل وعلا- بالربوبية. ومن ذلك ما يتعلق بالخلق والإيجاد، وأن من اتصف بذلك هو المستحق للألوهية، أن يعبد ويفرد بالعبادة، بهذه الطريق من طرق الحصر، وهو استدلال عقلي دلت عليه هذه الآيات الشرعية. وذلك أن وجود الإنسان في هذه الحياة لا يخلو من ثلاثة أحوال وثلاثة أقسام. القسم الأول: أن يكون وجد من غير موجد، وخلق من غير خالق. وهذا لا شك أنه باطل، لأن ما من مخلوق إلا وله خالق، وما من موجود إلا وله موجد. وإما هو القسم الثاني: أن يكون هو الذي خلق نفسه، وهو الذي أوجد نفسه. وهذا أيضا باطل. فإذا بطل هذان الأمران تعين الأمر الثالث والقسم الثالث، وهو أن هناك من أوجده ومن خلقه، وهو الله -سبحانه وتعالى-. ولهذا قال الله -جل وعلا-: ﴿أم خلقوا من غير شيء﴾، هل وجدوا في هذه الدنيا وخلقوا من غير خالق ومن غير موجد؟ هذا مستحيل. ﴿أم هم الخالقون خلقوا أنفسهم وأوجدوا أنفسهم﴾، الجواب: لا، وهم يعلمون علم اليقين بانتفاء هذين الأمرين، فعلم بذلك ثبوت الأمر الثالث، وهو أن وجودهم في هذه الحياة هو بخلق الله -سبحانه وتعالى- لهم. فلما سمع هذه الآيات وما دلت عليه من إثبات هذا الحكم بهذا الطريق من طرق الحصر، وقع في قلبه موقعا عظيما، حتى كانت سببا لإسلامه -رضي الله تعالى عنه-. وهذا مما يعظم به العبد ربه -جل وعلا-، مثل هذه الآيات والدلائل العظيمة على عظمة الخالق -سبحانه وتعالى-. قال: فالعبد إذا حدثته نفسه بارتكاب ذنب من الذنوب، فليشهد بقلبه جلال الله -سبحانه- وعظمته وجبروته، وأنه مطلع على أفعاله وأقواله. وذلك أن الله -عز وجل- لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده، لا يخفى عليه شيء -سبحانه وتعالى- من أفعال عباده. قال: فإذا استشعر العبد ذلك بقلبه كفى عن ارتكاب الذنوب بإذن الله لا محالة. قال بشر بن الحارث الحافي، وهو المروزي أبو نصر المعروف بالحافي، كان من الزهاد العباد، وهو من أهل خراسان، من أهل مرو، ولد سنة 150 للهجرة وتوفي سنة 227 للهجرة، قال: لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه. نعم، لو تفكر الإنسان في عظمة الله، وفي عظمة الخالق -سبحانه وتعالى- الذي خلق هذا الإنسان وأوجده، والذي من عليه بالنعم، والذي كذلك يسر له أسباب الحياة والمعيشة في خلقه وإيجاده، وفي مأكله ومشربه وملبسه ومسكنه، وفي جلب النعم له ودفع النقم عنه، وفي كذلك أيضا عظمته -جل وعلا- في خلقه للسماوات والأرض ولإسائر هذه المخلوقات، لو تفكر الإنسان في هذه العظمة التي لله -جل وعلا- لما تجرأ أن يعصي الله -سبحانه وتعالى-. لكن لما غفل القلب وجهل هذه العظمة العظيمة التي لله -سبحانه وتعالى- تجرأ على محارم الله وتجرأ على ارتكاب نواهي الله -سبحانه وتعالى-. لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه. نعم، فهذا الأمر الأول من البواعث التي تبعث على الخلاص من الذنوب، أن يستشعر العبد عظمة الله -جل وعلا- إذا أراد أن يعصيه، أو دعته نفسه أو شهوة نفسه لارتكاب معصية، فليتذكر عظمة الله، فليتذكر نعم الله عليه، فليتذكر مراقبة الله -جل وعلا- له، فليتذكر محاسبة الله -جل وعلا- له، وأن الله -عز وجل- عالم بحاله، مطلع لأفعاله، وأنه لا يخفى عليه -سبحانه وتعالى- شيء من أمور عباده، فذلك يوقع في قلبه الخوف من الله -جل وعلا- والزجر، وكذلك تجنب الوقوع في الذنب والمعصية. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.