الدرس في كتاب الإيمان 11، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
زار وفد عبد القيس النبي ﷺ، حيث رحب بهم النبي ورحبوا به. تم شرح معاني بعض الكلمات المستخدمة في سياق الترحيب.
تلقى وفد عبد القيس أوامر ونواهي من النبي ﷺ، حيث أمرهم بالإيمان والصلاة والزكاة والصوم وأداء الخمس، ونهاهم عن استخدام أواني معينة للخمر.
تم تفصيل الوصايا النبوية لوفد عبد القيس، كما تم شرح نسخ حكم الانتباذ في الأواني بإجازة النبي ﷺ للانتباذ مع النهي عن الإسكار.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الحافظ أبو الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي، المعروف بالقشيري، رحمه الله: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، قال: حدثنا غندر -وهو محمد بن جعفر- عن شعبة، وأمنا الحجاج، وقال الآخران: حدثنا محمد بن جعفر -وهو غندر- قال: حدثنا شعبة عن أبي جمرة -وهو نصر بن عمران الضبعي- قال: كنت أترجم بين يدي ابن عباس وبين الناس، فأتتهم امرأة تسأله عن نبيذ الجر. فقال: إن وفد عبد القيس أتوا رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «من الوفد أو من القوم؟» قالوا: ربيعة. قال: «مرحبا بالقوم -أو بالوفد- غير خزايا ولا ندام». قال: فقالوا: يا رسول الله، إنا نأتيك من شقة بعيدة، وإنا بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا، وندخل به الجنة. قال: فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع. قال: أمرهم بالإيمان بالله وحده. قال: «هل تدرون ما الإيمان بالله؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمسا من المغنم». ونهاهم عن الدباء، والحنتم، والمزفت. قال شعبة: وربما قال النقير، وربما قال المقير. قال: «احفظوه، وأخبروا به من وراءكم». وفي رواية أبي بكر: «من وراءكم»، وليس فيها: «المقير». هذا حديث عن ابن عباس في ذكر وفد عبد القيس، إلا أنه جاء فيه بعض الزيادات، منها إخبار أبي جمرة الراوي عن ابن عباس أنه كان يترجم بين يدي ابن عباس وبين الناس. والعلة أنه كان في موسم الحج، كما جاء في بعض الروايات. والترجمة هي بيان المراد من الكلام من لغة إلى لغة أخرى، أو بيان المفهوم أو المقصود من اللغة، وبيانه بلغة أخرى. وذكر أن أبا جمرة كان يحسن اللغة الفارسية، أو اللهجة الفارسية، فكان يترجم لابن عباس من يتكلم بها إلى اللغة العربية. وقيل: المراد بالترجمة هنا أنه كان يبلغ كلام ابن عباس لمن لم يسمعه أو يفهمه، فكان يبين لهم ويفهمهم كلام ابن عباس. ثم ذكر سبب ذكر ابن عباس لهذا الحديث أن امرأة أتته تسأله عن نبيذ الجر -يعني النبيذ الذي يوضع في الجرار- فسألت عن ذلك، فذكر حديث وفد عبد القيس. قال: «إن وفد عبد القيس أتوا رسول الله ﷺ، فقال: من الوفد أو من القوم؟ فقالوا: ربيعة. قال: مرحبا بالقوم -أو بالوفد- غير خزايا ولا ندام». وهذا فيه جواز استخدام هذا اللفظ، وهو قول: «مرحبا» لمن قدم. فيقال له: «مرحبا»، ونحو ذلك من أنواع الترحيب بالقادم من سفر أو من مكان بعيد. فهذا أمر جائز، بل يعتبر من الأمور التي وردت في السنة. «مرحبا بالقوم»، ونحو ذلك من نحو هذا اللفظ. ومعناه -كما ذكر أهل العلم-: صادفت رحبا وسعة. «مرحبا» أي صادفت رحبا وسعة. «أهلا وسهلا»، ونحو ذلك من هذه الألفاظ التي تدخل الفرح والسرور على القادم. قال: «مرحبا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندام». يعني: لا يصيبكم خزي، ولا يصيبكم ندم. والخزي هو -قيل-: بمعنى الاستحياء، الخزيان مثلا المستحيي. وقيل: بمعنى الذل والمهانة. بمعنى الذلة والمهانة. ولعل هذا أقرب. معنى الخزي بمعنى الذلة والمهانة. «أولئك لهم خزي في الدنيا» أي: مهانة وذلة. والندم بمعنى نادم. الندماء، الندماء -كما قال المتنبي رحمه الله-: جمع الندمان. بمعنى نادم. يعني: لا يصيبكم ندم على شيء تندمون عليه، تحسرون عليه. والمعنى: أنكم وفدتم وأتيتم، وأنتم بهذا القدوم، وبهذا الوفود، وبهذا المجيء تجدون ما يسركم، وما يسعدكم، ولا يصيبكم بمقدمكم هذا ندم، ولا ذلة، ولا مهانة. قالوا: يا رسول الله، إننا أتيناك من شقة بعيدة -يعني من مكان بعيد- وإنا بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر. ومر معنى أن كان بينهم وبين المدينة كفار مضر. قالوا: وإنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر الحرام -يعني أحد الأشهر الحرم- إما أن يراد بالشهر الحرام شهر المحرم، أو يراد به أحد الأشهر الحرم. أحد الأشهر الحرم هذا أظهر. أن المراد به أحد الأشهر الحرم. فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا، وندخل به الجنة. يعني: نبلغ إلى من لم يحضر معنا، ويكون سببا في دخولنا الجنة. وهذا من حرصهم على الخير، وعلى النجاح والفلاح. قال: فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع. أمرهم بالإيمان بالله وحده. ثم قال: «هل تدرون ما الإيمان بالله؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. وهذا في أن الإنسان إذا سئل عن شيء لا يعلمه أن يرد علمه إلى الله ورسوله، إن كان من الأمور الشرعية التي أخبر الله سبحانه وتعالى بها ورسوله عليه الصلاة والسلام. وإن كانت من الأمور الحادثة فيرد علمها إلى الله، فيقول: الله أعلم. قال: «شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمسا من المغنم». ونهاهم عن الدباء، والحنتم، والمزفت. قال شعبة: وربما قال النقير، وربما قال المقير. والمزفت هو المقير -كما مر معنا في الرواية السابقة- قال: والمقير -وهو المزفت- يعني: ما طلي به الزفت من الآنية. ثم قال: «احفظوه، وأخبروا به من وراءكم». هنا في هذه اللفظة: «يخبروا به من ورائكم» بكسر الميم. من. وفي الرواية الأخرى قال أبو بكر في روايته: «من وراءكم». أخبروا به من ورائكم، أو من وراءكم. رواية بهذا وبهذا. وكلا المعنيين صحيح. المقصود الإخبار بهذا الذي أخبرهم به النبي ﷺ، يخبروا به من لم يكن معهم، ومن تخلف عن المجيء معهم؛ لأنه عليه الصلاة والسلام أمر بهذه الأربع، ونهى عن هذه الأربع. وذكر ابن عباس هذا الحديث في جواب المرأة التي سألت عن نبيذ الجر. كأنه يدل على أن ابن عباس يذهب إلى التحريم، يذهب إلى تحريم النبيذ في هذه الآنية. كما ذكر الإمام النووي رحمه الله: أن هذا مذهب ابن عباس أن الحكم والنهي باق. وعلمنا أن مذهب الجمهور أنه منسوخ بإجازة النبي عليه الصلاة والسلام، وإذنه بالانتباذ في هذه الآنية، والنهي عن الشرب مما أسكر. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.