شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 14

شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 14

الدرس في شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 14، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أساليب امتحان الرواة واختبار ضبطهم

يستعرض العلماء طرقاً متنوعة لاختبار دقة الراوي وحفظه، منها إلقاء أحاديث غير مروية عنه وقلب الأسانيد كما حدث مع البخاري، وخلط الرواة المتشابهين. ومن أبرز الأمثلة امتحان محمد بن عجلان بخلط أحاديث سعيد المقبري، الذي تنبه للخدعة ودعا على الممتحنين فاستجيب له، مما يبرز خطورة التلاعب بالأسانيد.

اختلاف العلماء في جواز امتحان الراوي بالأساليب المختلفة

اختلف أهل العلم في جواز امتحان الراوي بقلب الأسانيد أو إيراد أحاديث موضوعة، فمنهم المانع كعبد الله بن إدريس، ومنهم المجيز بشروط كابن حجر، مع ذكر قصة امتحان الإمام البخاري في بغداد نموذجاً لهذا الخلاف. ويرى المانعون أن ذلك قد يوقع في الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، بينما يجيزه المشروطون للضرورة مع الضوابط.

طرق بديلة لمعرفة ضبط الراوي كالمذاكرة والملازمة

بجانب الامتحان، ذكر العلماء طرقاً بديلة وأكثر أماناً لمعرفة ضبط الراوي، أبرزها المذاكرة العلمية بين الأقران والملازمة الطويلة للشيخ. فملازمة التلميذ لشيخه ومجالسته تُعد من أقوى العلامات الدالة على إتقانه وضبطه للرواية، حيث يكتسب العلم الصحيح مباشرة من مصدره.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فمما يعرف به ضبط الراوي: مقارنة رواياته. تكلمنا على هذه المسألة. الأمر الثاني: امتحان الراوي بأساليب متنوعة. امتحان الراوي: أن يمتحن الراوي ليعلم، أن يرى هل هو يعرف، يحفظ أو لا يحفظ. قال: بأساليب منها: أن تقرأ عليه حديثًا تدخل ضمن رواياته، لينظر: أيفطن لها أم يتلقاها؟ كما فعل يحيى بن معين في امتحانه لأبي نعيم الفضل بن دكين. إذ جاء أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، ومعهم أحمد بن منصور الرمادي، ومروا على الكوفة، ومروا على بيت أبي نعيم. فقال ابن معين لأحمد: ندخل على ابن نعيم نرى حفظه. قال: الرجل ثقة. قال أحمد: الرجل ثقة. قال: ننظر. فدخل عنده، فقال: نسألك. قال: سلوا. حديث فلان عن فلان عن فلان تعرفه؟ نعم، هذا من حديث كذا. بعد كما حديث، أدخله حديثًا، بعد كما حديث، يدخل حديثًا. فيعرف أبو نعيم أن هذا ليس من حديثه، ثم تفطن في آخر الكلام. فقال: ما أظن هذا إلا أنا. قال: أما أحمد فمنعه ورعه عن هذا، وأما هذا منصور فهو صغير، ما أظنها صغير، ما أظنها إلا منك. وأراد ابن معين، فرفسني رفسة حتى أخرجته خارج الباب. فقال أحمد: قد قلت لك إن الرجل ثقة. قال: هذه الرفسة أحب إلي من كذا وكذا. فهذا من أساليب معرفة ضبط الراوي: يلقن أحاديث ليست من أحاديثه. لكن هنا ابن معين رحمه الله أراد أن يبين: كيف هو؟ هل هو يحفظ أم لا؟ لأن مثل هذه الأشياء قد يخطئ الشخص، مثلاً: يدخل له ثلاثة أحاديث من أحاديثه فيعرفها، يدخل له حديث ليس من حديثه، ولم يسمع الأحاديث التي من قبل أنها من أحاديثه، فيطمئن أن هذه الأحاديث أحاديثه، فإذا شك في الحديث يمرره، يقول: نعم. وهذا يقع فيه أهل الوهم غالبًا، الذين لا يحفظون كثيرًا، فبسرعة يتلقنون، كما كان يفعل حماد بن سلمة مع بان بن نبي عياش. فبسرعة يتلقن، يأتي له بحديث من أحاديثه عن أنس، ثم يدخل بعض الأحاديث التي هي من كلام الحسن، ويجعلها عن أنس، فيقول: نعم. قال: قلب الأسانيد بتركيبها على غير متونها، كما فعل محدثو بغداد في اختبارهم لحفظ البخاري. وكذلك أيضًا شعبة فعل ذلك مع بان، اختبره حتى قال له حريمي أو يحل هذا؟ حريمي بن عمار يقول لشعبة: أتحل هذا؟ معنى تفعل هذا. وهذه قلب الأسانيد فعلها محدثو بغداد في اختبارهم لحفظ البخاري. معنى يقلبون الأسانيد: تركيبها على غير متونها. وهذا من أصعب الأمور، وأحيانًا يكون من أصعب ما يكون إذا كان الإسناد يأتي هكذا ويأتي، وتكرر، غالبًا يتكرر. مثل ما فعله بعض أهل الحديث لمحمد بن العجلان. فإنا خلط عليه حديث أبي سعيد الخدري، أو حديث سعيد الخدري عن أبيه، وعن أبي هريرة، وعن رجل عن أبي هريرة. أنسعيد روى عن أبي هريرة، وروى عن أبي هريرة مباشرة، وروى أيضًا عن غيره عن غير أبيه عن أبي هريرة، فهو يروي عن أبي هريرة بثلاث أحوال. فقاموا وأدخلوا عليه هذا وهذا. يذكر يحيى بن سعيد القطان: أنهم جاءوا إلى الكوفة، أو جاءوا إلى البصرة، أقصد: لا، جاءوا إلى الكوفة، وكان محمد بن عجلان في ذلك الوقت في الكوفة، وكان معه جماعة من أهل الكوفة: معهم الجراح بن مليح، ظهر أخو وكيع، أخو وكيع بن الجراح، وكان معهم الشاذكوني سليمان بن داود الشاذكوني، لا، معه صد خالد بن يوسف السمت، ومعه أيضًا حفص بن غياث، ومعه أيضًا عبد الله بن إدريس. أما الثلاثة الأولون: حفص، وخالد، وحفص وخالد، ثالثهم الجراح بن مليح، أو المليح بن الجراح. هو جاء في الرواية: الجراح بن مليح، إنا نخوض أن والد وكيع، لكن الظاهر الصحيح أنه مليح بن الجراح. فدخلوا على ابن عجلان. أما عبد الله، أما عبد الله بن إدريس فجلس عند الباب، وقال: أنا لا أستحل هذا. قال: فجلست عنده، يقول يحيى بن سعيد: جلست عنده، ما دخلت معهم. فقاموا وقلبوا عليه الأحاديث، فما كان عن سعيد عن أبي هريرة جعلوه عن سعيد عن أبي عن أبي هريرة، أو يجعلون عن سعيد عن رجل عن أبي هريرة، وما كان كذلك جعلوه عن أبي سعيد عن أبي هريرة. المهم: خلطوا عليه الأحاديث، ويسألون عنها، وكان يجيب. لكن تفطن لهذا، لما رأى أن الجماعة يأتون بإسناد حديث في مثل حديث آخر، وكذا تفطن لهذا. قال: إن أردتم شيئًا، أنا تريدون تشينوني؟ وحتى مثلاً أخطأ في الحديث وكذا. فان أردتم شيئًا، فيقول: كان حفص، فتنك الله، أو ابتلاك الله في الدنيا والآخرة. إذا أردت شيئًا يا حفص، فابتلاك الله في الدنيا والآخرة. وقال لخالد: لا أماتك الله حتى أرى الناس زندقوا، أو حتى تتزندق. وقال لمليح بن الجراح: لا نفع الله بعلم. قال يحيى بن سعيد: فاستجاب الله له فيهم. قال: أما حفص بن غياث فابتلاه الله في الدنيا بالقضاء، وفي الآخرة بالفالج، أو أقصد العكس: ابتلاه الله في الدنيا بالفالج، إنا جاءت له جلطة، وفي الآخرة بالقضاء، إنا صرف عن العلم وصار قاضيًا. وأما مليح بن الجراح فمات وهو شاب، لم ينتفع بعلمه أحد، إنا أماته الله، قال: ما نفع، ما نفع الله، أو ما نفعت الله بعلمه، فمات وهو شاب. وقال: أما قال ابن يوسف السمت، فما مات حتى التهم بالزندقة، بالكذب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا يدل على أن هذا الأمر ليس بالهين، ولهذا كان بعض أهل العلم يشدد فيه، وأنه ليس هذا جائز، كما قال الحافظ ابن حجر: إلا أن يبينه. ولهذا ابن عجلان بعد ذلك اختلطت عليه هذه الأحاديث، قال: ابن عجلان اختلط علي حديث سعيد المقبري، وحديث ما كان يرويه عن أبيه، وما لم يرويه عن أبيه. والامتحان مثل هذه الأساليب محل خلاف بين أهل العلم. وأما ما فعله محدثو بغداد فقد ذكر هذه الحكاية ابن عدي في «الكامل»، قال: حدثنا بعض الشيوخ، ثم ذكرها معنا منهم البغداديون: أنه لما جاء محمد، أو الإمام البخاري محمد بن إسماعيل، انبرى له عشرة من أهل الحديث، ذكروا أحاديث بأسانيدها، أو أحاديث قلبوا أسانيدها، فردها الإمام البخاري إلى مواضعها، ورد كل إسناد إلى مثله. قالوا: الامتحان مثل هذه الأساليب محل خلاف بين أهل العلم في جواز ومنع. فقد كان عبد الله بن إدريس يقول: لا أستحله. الظاهر من القصة أن الذي قال: لا أستحله، هو عبد الله بن إدريس الأودي، وحافظ كبير الحفاظ الكفا. الذي قال: لا أستحله، هو عبد الله بن إدريس الأودي. لكن يحيى بن سعيد جلس عنده، جلس عنده، قال: ما دخل. وكذلك أيضًا حريمي بن عمار قال لشعبة: أتحل هذا؟ أنا هل هذا حلال تفعله؟ لشعبة. وكما قال الحافظ ابن حجر: يقول: إن كان حصل هذا فلا بد يبين، حتى لا يلتبس على المحدث. وعلل المنع من ذلك بأمرين: هما ما يترتب عليه من تغليط الممتحن لمن يمتحنه، فقد يستمر على روايات لظنه أنه صواب. الأمر الثاني: أنه قد يسمعه من لا خبرة له فيرويه ظنًا منه أنه صواب. وهذا مما يبين أن هذا خطأ. قال: وكان شعبة بن الحجاج ويحيى بن معين يمتحنان بعض الرواة، قصد اختبار ضبطهم. وقد رجح الحافظ ابن حجر جواز الامتحان بأن مصلحته أكثر من مفسدته، لما فيها من معرفة مرتبة الراوي في الضبط بأسرع وقت. ولكن بشرط: قال: لكن بشرط أن لا يستمر عليه، بل ينتهي بانتهاء الحاجة، ينتهي بانتهاء الحاجة، فيبين. فالآن خلاصة هذا الثاني: امتحان الراوي بهذه الأساليب. الأساليب متنوعة. أيضًا العقيلي له قصة في هذا، فعلها معه أصحاب بغداد حتى يتأكدوا من حفظه، أنه رأوه يأتي وينكر حديثًا وكذا، فقالوا: نختبره حتى نعلم: هل هو صادق في كلامه، أم أنه ليس كذلك؟ طيب، هذا هذان نوعان من معرفة ضبط الراوي. وهناك أيضًا طرق أخرى هي أيضًا من معرفة الراوي، وهي لعلها أيضًا مقدمة على هذه الثانية: وهي معرفة الرجل ومدارسته، على أنه يدارسه في الحديث. فهذا أيضًا من الطرق التي يعرف العلماء فيها حفظ الراوي. قال أبو زرعة: عبد الله بن أحمد، كان أبوك يحفظ ألف ألف؟ قال: كيف عرفت ذلك؟ قال: ذكرته على الأبواب، ذكرته على الأبواب، بابًا بابًا. بابًا أيضًا. كما قلنا: ملازمة الراوي، أو مذاكرة، هذا أيضًا يعرف بها العلماء، كما ذكرنا عن أبي زرعة. وقال وكيع بن الجراح: ذكرت يونس بن يزيد، فرأيت سيء الحفظ. ذكرت يونس بن يزيد، فرأيت سيء الحفظ. فلهذا فالمذاكرة هذه من الأمور التي يعرف بها الحافظ: يرى هل يستحضر الحفظ ولا يستحضر. ويدخل في هذا: عمر ملازمة أيضًا، التلميذ لشيخه. ملازمة التلميذ لشيخه، فيعرف حفظه وكيف تعديته للحديث. فهذه كما قلنا من الأشياء التي يعرف بها ضبط الراوي. ملازمة التلميذ لشيخه.