الدرس في كتاب صلاة المسافرين وقصرها 26، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يستعرض المقطع حديث أبي قتادة الذي يأمر النبي صلى الله عليه وسلم فيه بركعتي تحية المسجد عند الدخول تعظيماً لبيوت الله. ويؤكد أن المسلم لا يجلس في المسجد حتى يصلي ركعتين مع ذكر أسانيد الحديث ورواته الثقات.
اتفق العلماء على استحباب ركعتي تحية المسجد واختلفوا في وجوبهما، فذهب الجمهور إلى السنية والظاهرية إلى الوجوب. وأجمع الجمهور على مشروعية أدائها في أوقات النهي كبعد الفجر والعصر لعموم الأمر، بخلاف نهي الصلاة المطلق الذي خصص بصلوات مستثناة.
تشرع تحية المسجد في كل وقت إلا أوقات الكراهة الشديدة كطلوع الشمس وزوالها وغروبها حيث يستحب التأخير، بينما أوقات الكراهة الخفيفة النهي فيها للوسيلة. وتجزئ الفريضة أو السنن الرواتب عن تحية المسجد، ولا تُعاد عند الخروج بنية الرجوع القريب.
مقصد تحية المسجد هو أداء ركعتين قبل الجلوس في المسجد لا لذاتها، وتتحقق بأي نية نافلة كتحية المسجد أو السنة الراتبة أو سنة الوضوء. ويختتم الدرس بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري، رحمه الله، في صحيحه: حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، وهو القعنبي، ثقة عابد، وهو من أوثق الناس في موطأ الإمام مالك، ولهذا كان ابن معين وابن المديني لا يقدمان عليه أحدًا في موطأ الإمام مالك. وقال: وقتيبة بن سعيد، وهو ابن جميل بن طريف، أبو رجاء البغلاني. قال: حدثنا مالك، وهو ابن أنس، إمام دار الهجرة. وحدثنا يحيى بن يحيى، وهو التميمي، قال: قرأت على مالك عن عامر بن عبد الله بن الزبير، وهو أيضًا ثقة عابد، عن عامر بن سليم الزرقي، وهو ثقة من كبار التابعين، قال: عن أبي قتادة، وهو الأنصاري، مختلف في اسمه، والمشهور: الحارث بن ربعي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس». وقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا حسين بن علي، وهو الجعفي، وهو ثقة عابد، عن زائدة، وهو قدامة أبو الصلت الكوفي. قال الذهبي رحمه الله: ثقة ثبت، صاحب سنة، مات غازيًا بالروم. قال: حدثني عمر بن يحيى الأنصاري، وهو ثقة، قال: حدثني محمد بن يحيى بن حبان، وهو أيضًا ثقة، بل قال الذهبي: مجمع على ثقته، عن عمر بن سليم بن خلدة الأنصاري، وهو الزرقي، عن أبي قتادة، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: دخلت المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس بين ظهراني الناس، قال: فجلست، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس؟» فقلت: يا رسول الله، رأيتك جالسًا والناس جلوس. قال: «فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين». هذا الحديث فيه أمر النبي عليه الصلاة والسلام بصلاة ركعتين عند دخول المسجد، وهما المسماة بتحية المسجد. ركعة تحية المسجد -أي: ركعتا تحية المسجد- فإنه يشرع للمسلم إذا دخل إلى المسجد أنه لا يجلس حتى يصلي ركعتين، وهذا تعظيم لبيوت الله جل وعلا، فليست المساجد كغيرها من البيوت التي يدخلها الإنسان فيجلس فيها مباشرة، لكن المسجد له احترامه وله تعظيمه، فمن ذلك أن من دخل المسجد فإنه لا يجلس حتى يصلي ركعتين: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين». واتفق أهل العلم على استحباب هاتين الركعتين وأنها سنة مستحبة، واختلفوا في الوجوب، وجمهور أهل العلم على أنها سنة غير واجبة، وذهب داود الظاهري وجماعات من أهل العلم إلى الوجوب لظاهر هذا الحديث الذي فيه الأمر بصلاة هاتين الركعتين، والأصل في الأمر أنه للوجوب: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين»، واللام لام الأمر، والأصل في الأمر أنه للوجوب. وهذا -والله أعلم- أن هاتين الركعتين واجبتان لظاهر هذا الأمر. وقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين»، ظاهره أنه يصلي هاتين الركعتين في أي وقت دخل المسجد، ولو كان الوقت وقت نهي، كبعد الفجر وبعد العصر، وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الصلاة في هذين الوقتين. حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في الصحيحين: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس». فهذان الوقتان وقتا كراهة، يكره للمسلم أن يصلي في هذين الوقتين، وهكذا أيضًا عند طلوع الشمس، وعند زوالها، وعند غروبها، فهذه خمسة أوقات هي أوقات الكراهة. فإذا دخل المسلم في أحد هذه الأوقات، هل يصلي تحية المسجد لعموم هذا الحديث: «فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»؟ أو أنه إذا دخل في وقت نهي لا يصلي لنهي النبي عليه الصلاة والسلام عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح حتى ترتفع الشمس، في الصبح حتى تغيب الشمس في العصر؟ قال بهذا بعض أهل العلم: لا يصلي إذا دخل في وقت النهي، فإنه لا يصلي. وجمهور أهل العلم على أنه يصلي، وهو الصحيح: أنك تصلي تحية المسجد ولو كان الوقت وقت كراهة. لماذا؟ لعموم هذا الحديث: «فلا يجلس حتى يصلي، حتى يصلي ركعتين». فإن قيل: أليس يعارضه عموم حديث النهي: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس»؟ فهذا فيه نهي عن الصلاة في هذا الوقت، وهذا يعم كل صلاة، وأي صلاة. فنقول: نعم، فيه عموم، لكن هذا العموم غير محفوظ. عموم النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر غير محفوظ، فقد دخله عدة مخصصات: منها صلاة سنة الفجر، لو فاتت فاتت الإنسان سنة الفجر القبلية فله أن يصليها بعد صلاة الصبح، وهكذا أيضًا صلاة سنة الوضوء، وكذلك صلاة الجنازة، وكذلك أيضًا صلاة الكسوف، كلها تجوز في هذا الوقت، في وقت النهي. إذن هذا العموم غير محفوظ. لكن عموم حديث أبي قتادة: «فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»، هذا العموم محفوظ، لم يخصه شيء. وإذا تعارض عمومان: أحدهما عموم محفوظ لم يدخله تخصيص، وعموم غير محفوظ قد دخله التخصيص، فيقدم العموم المحفوظ. وعلى هذا، للمسلم أن يصلي تحية المسجد في أي وقت. إلا أنه في أوقات الكراهة الشديدة: عند طلوع الشمس، وعند زوالها، وعند الغروب، الأولى أنه لا يصلي، الأولى أنه لا يصلي، لأن الصلاة في هذا الوقت كراهته شديدة. فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه عند طلوع الشمس تطلع بين قرني الشيطان، وحينئذ يسجد له الكفار، وهكذا أيضًا عند غروبها، وعند زوالها تسجر جهنم، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الصلاة في هذه الأوقات لأجل ذلك. وأما النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر، فهو من باب النهي عن الوسائل، أن ذلك وسيلة إلى أن يستمر الإنسان في الصلاة حتى يأتي وقت النهي الشديد، وهو عند طلوع الشمس وعند غروبها، فالكراهة فيه أخف، فالكراهة فيه أخف. فالأولى أن المسلم إذا دخل عند طلوع الشمس أو عند زوالها أو عند غروبها أن ينتظر حتى ينتهي الزوال ثم يصلي، حتى يجتنب هذا الوقت الذي هو وقت كراهة شديدة. وإذا دخل في غير هذه الأوقات، فإنه لا يجلس حتى يصلي، حتى يصلي ركعتين، لأي غرض من الأغراض: جاء إلى المسجد يريد الصلاة، يريد حضور مجلس علم، يريد أن يجلس مع أحد في المسجد، فإنه يصلي، يصلي ركعتين ثم يجلس. فإذا كان المسلم جالسًا في المسجد ثم خرج، خرج بنية الرجوع، هل يلزمه أن يصلي ركعتين مرة أخرى؟ الجواب: لا، إذا خرج بنية الرجوع وكان الفاصل يسيرًا، يعني مثلًا: خرج يأتي بحاجة من البيت ويرجع، أو يكلم أحدًا خارج المسجد، أو خرج ليقضي حاجته ثم يرجع، فهنا لا يجب عليه أن يصلي تحية المسجد. بخلاف لو خرج بنية المفارقة، مفارقة المسجد، ثم رجع بعد ذلك، وهنا يصلي، هنا يصلي تحية المسجد. وعلى كل، فالمسلم يحرص على صلاة هاتين الركعتين إذا دخل المسجد. ويجوز أيضًا للمسلم أن يصليهما ولو تبعًا لفريضة أو نافلة: كان يدخل في صلاة الصبح، فإذا صلى مثلًا الفريضة القائمة، سواء كانت الصبح أو غير الصبح، إذا صلى الفريضة مع الجماعة ثم جلس، ما يلزمه أن يقوم ويصلي تحية المسجد. جئت والإمام يصلي، دخلت معه وتصلي فريضة، هذا كافٍ، هذا كافٍ في الجلوس، لأن هنا قد صليت، قد صليت يعني ركعتين أو زيادة: إذا كانت صلاة الصبح صليت ركعتين، وإن كانت الظهر أو غيرها من الصلوات صليت أكثر من ركعتين، فحصل المقصود أنك لم تجلس حتى صليت. أو كذلك إذا صليتها بنية الراتبة: كانت تصلي راتبة الظهر القبلية، فنويت أنها سنة الراتبة، فإنها تجزئك عن تحية المسجد. لماذا؟ لأن تحية المسجد غير مقصودة لذاتها، وإنما المقصود أنك لا تجلس حتى تصلي ركعتين، فسواء كانت هاتين الركعتين بنية تحية المسجد، أو بنية السنة الراتبة، أو سنة الوضوء، أو غير ذلك من النوافل. طيب، الله هنا صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.