كتاب صلاة المسافرين وقصرها 30

كتاب صلاة المسافرين وقصرها 30

الدرس في كتاب صلاة المسافرين وقصرها 30، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

افتتاحية الدرس: حديث عائشة ورد بدعة صلاة الضحى

يستهل الدرس بذكر حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلي الضحى إلا عند رجوعه من سفر، مع نقل قول الإمام مالك في إنكار البدع وأن الدين قد كمل. ثم ينتقل للرد على شبهة البدعة الحسنة موضحاً أن نفي عائشة لصلاة النبي للضحى مبني على علمها الخاص بنصيبها من القسم، مع بيان توقيت صلاة الضحى الشرعي.

سبب ترك النبي المواظبة على صلاة الضحى وحكمها الشرعي

يبيّن المقطع أن ترك النبي صلى الله عليه وسلم للمواظبة على صلاة الضحى وقيام رمضان جماعة كان خشية أن تفرض على أمته فتشق عليهم، مؤكداً أن صلاة الضحى سنة مستحبة ثابتة بالأحاديث النبوية. ويوضح أن تركه لها كان إما لانشغاله بمصالح الأمة العامة أو رحمةً بهم وتخفيفاً عنهم.

تفسير قول ابن عمر وبيان مشروعية صلاة الضحى

يتناول المقطع قول ابن عمر رضي الله عنه في صلاة الضحى ويحمله على عدم بلوغه الأحاديث الدالة على مشروعيتها أو إنكاره لصلاتها جماعة على وجه الدوام. ويؤكد إجماع الجمهور على أنها سنة مستحبة ثابتة بالأحاديث النبوية مع الإشارة إلى تفصيل ركعاتها لاحقاً.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال إمام سن الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحة: قال وحدثنا يحيى بن يحيى، وهو التميمي أبو زكريا النيسابوري، كان يلقى بماذا بريحانة نيسابور. قال أخبرنا يزيد بن زرية، يزيد بن زرية وهو أبو معاوية البصري، أيضاً لقب بريحانة البصرة، لقب بريحانة البصرة كما قال الإمام أحمد رحمه الله، وهو ثقة ثبت. قال عن سعيد الجريري، سعيد الجريري هو سعيد بن إياس أبو مسعود الجريري، وهو ثقة إلا أنه اختلط قبل موته بثلاث سنين، فمن روى عنه قبل الاختلاط فحديثه صحيح كأمثال حماد بن سلمة والثوري وشعبة وابن علية، ومن روى عنه بعد الاختلاط فإن حديثه يضعف. قال عن عبد الله بن شقيق، عبد الله بن شقيق وهو العقيل، وهو ثقة إلا أنه كان فيه نصب، يعني عداء لأهل البيت، وكان يتكلم على علي رضي الله تعالى عنه. قال: قلت لعائشة: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى؟ قالت: لا، إلا أن يجيء من مغيبه، يعني إذا كان غائباً مسافراً فإذا جاء صلى الضحى. قال وحدثنا عبيد الله بن معاذ، وهو العنبري، قال حدثنا أبي، وهو معاذ بن معاذ العنبري، قال حدثنا كهمس بن الحسن القيسي، وهو أبو الحسن، وهو ثقة. قال عن عبد الله بن شقيق: قال قلت لعائشة: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى؟ قالت: لا، إلا أن يجيء من مغيبه. قال وحدثنا يحيى بن يحيى، وهو التميمي، قال قرأت على مالك، وهو ابن أنس، إمام دار الهجرة، كان يقول: كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر، ويشير إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام. وكان يقول: من قال إن في الدين بدعة حسنة فقد اتهم محمداً صلى الله عليه وسلم بأنه خان الرسالة، لأن الله يقول: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾، فما لم يكن يومئذ ديناً لا يكون اليوم ديناً. نعم، هذه عبارة جميلة تهدم البدع والمحدثات، فالدين ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وما كان عليه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وليس في الدين بدعة حسنة، فالبدعة كلها منكرة وكلها ضلالة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كل بدعة ضلالة». كيف يأتي إنسان ويقول: لا، هذه بدعة حسنة، بدعة طيبة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: البدع كلها ضلالة؟ فهذا القائل كأنه يرد على النبي عليه الصلاة والسلام: أنت يا رسول الله ما بينت هذه البدع الحسن للناس، إذن هذا اتهام للنبي عليه الصلاة والسلام بالخيانة أنه ما بين هذه البدع الحسن للناس فخانهم في ذلك، وهذا لا شك أنه قول باطل. قال: قرأت على مالك عن ابن شهاب، هو الزهري، عن عروة، وهو ابن الزبير، عن عائشة أنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي سبحة الضحا قط. سبحة الضحا يعني نافلة الضحا. وإني لأسبحها، يعني يصليها. وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدعو العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم. نعم، هذه الأحاديث وما سيأتي بعدها تتعلق بصلاة الضحا، وصلاة الضحا هي نافلة من نوافل الصلاة تصلى عند ارتفاع الشمس قيد رمح، فيبدأ في هذا الوقت وقت صلاة الضحا إلى قبل الزوال، يعني بقليل. فإذا زالت الشمس أو قبل الزوال ينهى عن الصلاة عند زوال الشمس، فإذا انتهى الزوال انتهى وقت صلاة الضحا. فعائشة رضي الله عنها سئلت: هل كان النبي عليه الصلاة والسلام يصلي الضحا؟ فقالت: لا، إلا أن يجيء من مغيبة، يعني إذا كان غائباً في سفر فإذا جاء صلى. وفي الرواية الأخرى أن ما رأت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي سبحة الضحا، أي نافلة الضحا، وسيأتي في أحاديث أخر أنها رأت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي. وهذه الأحاديث واختلافها هو بسبب أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يواظب على صلاة الضحا، فكان يصليها أحياناً ويتركها أحياناً، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن في كل الأيام في النهار عند عائشة رضي الله عنها، لأنه عليه الصلاة والسلام كان متزوجاً بتسع نسوة، فكان نصيب عائشة رضي الله عنها هو يوم من تسعة أيام، هو يوم من تسعة أيام، ولا شك أنها في مثل هذا اليوم قد يصلي النبي عليه الصلاة والسلام الضحى عندها وقد لا يصلي، وربما يكون أيضاً في هذا اليوم في النهار خارج البيت في المسجد أو في جهاد أو في سفر أو نحو ذلك من الأمور التي يشغل بها عليه الصلاة والسلام. فلهذا نفت أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام يصليها على حسب علمها، على حسب علمها. كذلك أيضاً أن النبي عليه الصلاة والسلام ربما يترك العمل كما ذكرت رضي الله عنها الذي يحب أن يعمل به خشية أن يفرض على الناس، يعني إذا عمل به وواظب عليه قد يفرض على الناس فيكون في ذلك مشقة عليهم، مثل ما ترك النبي عليه الصلاة والسلام قيام الليل، صلاة القيام في رمضان، صلاة الناس جماعة، صلى بالناس الليلة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة ثم في ليلة الرابعة لم يخرج إلى الناس وقد علم باجتماعهم خشية أن تفرض عليهم، أي صلاة الليل في رمضان، فترك ذلك شفقة بالناس، شفقة بالناس. فكذلك أيضاً تركه عليه الصلاة والسلام لصلاة الضحى هو من هذا الباب، من باب خشية أن يفرض على الناس فيكون في ذلك مشقة عليهم. وإلا فصلاة الضحى مستحبة، وهذا قول جمهور أهل العلم أن صلاة الضحى سنة مستحبة، وقد صلىها النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الأحيان وحث عليه الصلاة والسلام على صلاتها، وقد أوصى بذلك أبا هريرة وأبا الدرداء أن يصلي من النهار أن لا يترك ركعتي الضحى. قال أبو هريرة: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: أن أوتر قبل أن أنام، وركعتي الضحى، وركعتي الضحى. نعم، وإذن هذا يدل على أن صلاة الضحى مستحبة ومشروعة. وهكذا أيضاً ما جاء في الأحاديث الأخر كحديث أبي ذر، وجاء أيضاً من أحاديث أبي هريرة حين ذكر النبي عليه الصلاة والسلام عموم الصدقة وفضلها في الأعمال التي فيها نفع للناس، في قوله: «ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وله فيه صدقة، فيصلح بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل في دابته فيحمله عليها أو يرفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة». قال: «ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى». هذا يدل أيضاً على مشروعية صلاة الضحى. إذن صلاة الضحى مستحبة، صلاة الضحى مستحبة، وكل النبي عليه الصلاة والسلام لم يواظب عليها، فهذا إما لأنه شُغل عليه الصلاة والسلام بأمور هي من الأمور التي نفعها متعد للناس كما يتعلق بتجهيز الجيوش والخروج للجهاد والغزوات ونحو ذلك، أو أنه ترك ذلك عمداً عليه الصلاة والسلام خشية أن تفرض على الناس فيكون في ذلك مشقة على هذه الأمة، فيكون النبي صلى الله عليه وسلم ترك ذلك رحمة بهذه الأمة. وأما ما ثبت في قول ابن عمر أنه قال في صلاة الضحى بأنها بدعة، فهذا كما قال أهل العلم: ربما أن ابن عمر لم تبلغه هذه الأحاديث التي فيها مشروعية صلاة الضحى، أو أنه أراد أن ينكر على بعض من صلى صلاة الضحى على هيئة مخالفة للهيئة المشروعة، كأن تصلى جماعة على سبيل الدوام، هذا يعتبر من البدع، صلاة النافلة جماعة على سبيل الدوام والاستمرار يعتبر من البدع، فلعله أراد ذلك رضي الله تعالى عنه. وعلى كل فصلاة الضحى سنة مستحبة في قول جمهور العلماء، وهذا هو الصواب لدلالة الأحاديث الكثيرة الثابتة من قول النبي عليه الصلاة والسلام ومن فعله على استحباب صلاة الضحى. وسيأتي ذكر أقل ركعات الضحى وأكثرها أو أكملها في الأحاديث التي ستأتي إن شاء الله. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.