الدرس في كتاب الصيام 43، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يروي أبو قتادة أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن كيفيته في الصيام فغضب النبي، وسكن غضبه بدعاء عمر، ثم بين النبي أحكام صيام الدهر وصيام داود وفضل صيام ثلاثة أيام من كل شهر ويوم عرفة وعاشوراء، موضحاً أن الغضب كان لاقتداء السائل بخصائص النبي كالمواصلة.
بادر عمر رضي الله عنه بالإعلان عن الرضا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً والاستعاذة من غضب الله ورسوله حتى سكن غضب النبي، ثم سأل عمر عن صيام الدهر كله وصيام يومين وإفطار يوم وصيام يوم وإفطار يوم (صيام داود) وصيام يوم وإفطار يومين، فأجاب النبي بتفصيل الحكم في كل نوع مبيناً أن صيام ثلاثة أيام من كل شهر مع رمضان يعدل صيام الدهر.
يوضح المقطع أن صيام ثلاثة أيام من كل شهر يعدل صيام الدهر كله، وأن صيام يوم عرفة يكفر سنتين ويوم عاشوراء يكفر سنة، مع بيان أن التكفير يختص بالصغائر ما لم توجد توبة من الكبائر.
أشار المقطع إلى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعاذ من غضب الله وغضب رسوله عليه الصلاة والسلام حين غضب النبي، لأن غضب النبي يستوجب غضب الله، وينتهي بالتنبيه على أن الاستعاذة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم تكون من غضب الله فقط.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين، القشيري، رحمه الله، في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، وقتيبة بن سعيد، وهو بورجاء البغلاني، جميعاً عن حماد، وهو حماد بن زيد بن درهم، أبو إسماعيل البصري، الثقة الثبت، وهو أوثق من حماد بن سلمة. قال يحيى: أخبرنا حماد بن زيد عن غيلان، وهو ابن جرير العتكي البصري، وهو ثقة، عن عبد الله بن بعبد الزماني، وهو البصري ثقة أيضاً، عن أبي قتادة، وهو الأنصاري، الحارث بن ربعي، على الأشهر في اسمه، رضي الله عنه، وهو فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من الشجعان، رضي الله عنه، شهد أحداً وما بعدها من المشاهد. قال: رجل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كيف تصوم؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى عمر رضي الله عنه غضبه، قال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله. فجعل عمر رضي الله عنه يردد هذا الكلام حتى سكن غضبه. فقال عمر: يا رسول الله، كيف بمن يصوم الدهر كله؟ قال: لا صام ولا أفطر، أو قال: لم يصم ولم يفطر. قال: كيف من يصوم يومين ويفطر يوماً؟ قال: ويطيق ذلك أحد؟ قال: كيف من يصوم يوماً ويفطر يوماً؟ قال: ذاك صوم داود عليه السلام. قال: كيف من يصوم يوماً ويفطر يومين؟ قال: وددت أني طوقت ذلك. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله. صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده. وصيام يوم عاشوراء، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله. في هذا الحديث يخبر أبو قتادة رضي الله عنه أن رجلاً، ولم يذكر من هذا الرجل، ولا يضر ذلك، يعني في صحة الحديث، ولا أيضاً في ذكر متن هذا الحديث وما يتعلق بما حصل. فهذا الذي سأل صحابي، والصحابة كلهم عدول، رضي الله عنهم، سأل النبي عليه الصلاة والسلام: كيف تصوم؟ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، يعني من سؤاله، من سؤاله هذا السؤال، وذلك أنه كان ينبغي أن يسأل: كيف الصوم؟ أو من الذي أصوم؟ أو كيف أصوم؟ أو نحو ذلك من هذه العبارات. فكونه سأل النبي عليه الصلاة والسلام بهذا السؤال: كيف تصوم؟ غضب النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك، لأن النبي عليه الصلاة والسلام له من الأعمال ما هي من خصائصه التي لا يستطيع أحد من الناس أن يفعلها، ولا كذلك يسن له أن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم فيها، كالوصال. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يواصل، ويقول: «إني أواصل، ولست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني». فنهى النبي عليه الصلاة والسلام الأمة أن تتقرب إلى الله عز وجل بهذا النوع من الصيام، أن يواصل الإنسان اليوم تلو اليوم تلو اليوم من غير أن يطعم شيئاً. هذا من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام، أو كذلك أيضاً ربما لو ذكر له شيء من ذلك يظن أن هذا هو الذي ينبغي أن يفعل ولا يفعل غيره، أو لغير ذلك من المقاصد والمعاني. فغضب النبي عليه الصلاة والسلام، فلما رأى عمر رضي الله عنه غضب النبي عليه الصلاة والسلام، قال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، ثم تعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله. وهذا من فقه عمر رضي الله عنه، حين رأى غضب النبي عليه الصلاة والسلام، ذكر هذه العبارة وهذه الجمل التي فيها الانقياد الكامل لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام، وهكذا أيضاً الاستعاذة بالله جل وعلا من غضب الله وغضب رسوله، لأن الله عز وجل إذا غضب، وهكذا أيضاً رسوله عليه الصلاة والسلام إذا غضب، هذا يعني يؤذن بعقوبة من الله عز وجل وعقاب قد ينزل على العباد. فلذلك استعاذ عمر رضي الله عنه من ذلك، فجعل يردد رضي الله عنه هذا الكلام: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، حتى سكن غضبه، أي ذهب غضب النبي عليه الصلاة والسلام. فلما رأى ذلك عمر، بادره بالسؤال الذي ينبغي أن يسأله السائل، فقال: كيف بمن يصوم الدهر كله؟ سأله عن بعض أنواع الصيام، يعني كيف ترى بهذا الصيام؟ هل يشرع ذلك أو لا يشرع؟ هل نفعل هذا أو لا نفعل؟ فسأله: كيف بمن يصوم الدهر كله؟ يعني يصوم السنة كلها. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لا صام ولا أفطر. لا صام ولا أفطر، أي لا هو صام صوم الشرع الذي يستحب التقرب به إلى الله جل وعلا فينال أجر الصيام، ولا هو أفطر فأكل وشرب بما أباح الله جل وعلا. أو قال: لم يصم ولم يفطر. ومعنى هذه الجملة أنه لا يشرع، لا يشرع صيام الدهر. قال: كيف من يصوم يومين ويفطر يوماً؟ فقال: ويطيق ذلك أحد؟ وكأنه عليه الصلاة والسلام لم يرتضِ، يرتضي هذا الصيام، لما فيه من المشقة على النفس، لما فيه من المشقة على النفس. فصوم يومين وفطر يوم، هذا معنى صيام ثلثي السنة وفطر الثلث، ولا شك أن هذا فيه شيء من المشقة على النفس. قال: كيف من يصوم يوماً ويفطر يوماً؟ قال: ذاك صوم داود عليه السلام. وكأنه يرتضي ذلك عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر في الروايات التي مرت معنا في الدروس الماضية، حين أرشده النبي عليه الصلاة والسلام لما أبى إلا الزيادة في الصيام، فأرشده إلى صيام داود عليه السلام، وقال: «هذا أعدل الصيام». قال: كيف من يصوم يوماً ويفطر يومين؟ قال: وددت أني طوقت ذلك. ومراده بذلك عليه الصلاة والسلام أمته، المراد أن تطيق ذلك هذه الأمة، وإلا فالنبي عليه الصلاة والسلام يطيق أعظم من ذلك، كما سمعتم: كان يصوم، كان يصوم ويواصل في الصيام، ويواصل في الصيام الأيام تلو الأيام من غير أن يطعم شيئاً. فمراده بقوله: وددت أني طوقت ذلك، يعني أمتي أطيقت ذلك، وددت أن أمتي أطيقت ذلك. ويبين ذلك الرواية التي بعد هذه الرواية. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله. يعني أرشده عليه الصلاة والسلام إلى صيام الفرض الواجب، هو صيام رمضان، ثم صيام النفل ثلاثة أيام من كل شهر، وأن ذلك بمنزلة صيام الدهر، يعني منزلة صيام السنة كلها، وذلك أن الحسنة بعشر أمثالها، فصيام، فصيام يوم كصيام عشرة أيام، وصيام ثلاثة أيام كصيام شهر. فإذا صام المسلم ثلاثة أيام من كل شهر، فكأنه صام الشهر كله، وبهذا ينال أجر صيام السنة كلها. وهذا هو الأفضل من حيث أنه عمل قليل ليس فيه مشق على النفس، وكذلك أيضاً يستطيع الإنسان أن يستمر ويحافظ ويداوم على مثل هذه العبادة. وكما مر معنا في حديث عائشة: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان حب العمل إليه أدومه وإن قل، كان حب العمل إليه أدومه وإن قل، دوام في الطاعة والاستمرار عليه وإن كانت قليلة، فهذا أحب إلى الله جل وعلا. قال: صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده. هذا فيه استحباب الصيام يوم عرفة، هو اليوم التاسع من ذي الحجة، اليوم الذي يقف فيه الحجاج، حجاج بيت الله الحرام، في عرفة. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده، يعني أن صيام هذا اليوم يكفر ذنوب سنتين، يكفر ذنوب سنتين، سنة ماضية وسنة باقية، يعني السنة التي تصوم فيها والسنة التي قبلها. وهذا أجر عظيم، أجر عظيم في صيام هذا اليوم، يوم عرفة. والمراد بذلك، كما ذكر أهل العلم، تكفير الصغائر، صغائر الذنوب، تكفير صغائر الذنوب، لأن الكبائر لا بد لها من توبة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في حديث أبي هريرة: «الجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، والصلوات الخمس مكفرات لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر». فإن كان هذا الصائم ليس عنده شيء من الصغائر وعنده شيء من الكبائر، فيرجى أن تكفر عنه شيء من هذه الكبائر. وإن كان ما عنده شيء من الكبائر والصغائر، فيرجى أن ترفع له في الدرجات ويزاد له في الحسنات. قال: وصيام يوم عاشوراء، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله. صيام يوم عاشوراء، أي العاشر من محرم. قال: أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، يعني صيامه يكفر ذنوب سنة ماضية. وهذا أيضاً أجر عظيم، أن يصوم المسلم يوماً يتقرب فيه إلى الله جل وعلا، فيكفر الله عز وجل عنه ذنوب سنة كاملة. فما أحوج المسلم إلى مثل هذه الأعمال وهذه الطاعات وهذه المواسم من مواسم الخيرات، التي تضاعف فيها الأجور وتكثر فيها الحسنات وتكفر فيها السيئات بعمل قليل يتقرب به المسلم إلى ربه سبحانه وتعالى. طيب، الله هنا، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. يقول: هل يجوز بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم الاستعاذة بالله من غضبه وغضب نبيه صلى الله عليه وسلم؟ أما الآن فقد مات النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما تستعيذ من غضب الله سبحانه وتعالى. يعني إذا فعل أحد شيء يخالف دين الله عز وجل من المنكرات أو الأمور المحرمة، فتقول: أعوذ بالله من غضب الله، أعوذ بالله من غضب الله. وإنما هذا قاله عمر رضي الله عنه في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام، وفي حال حياته، لأنه حصل منه الغضب عليه الصلاة والسلام. وإذا غضب النبي عليه الصلاة والسلام، يغضب الله عز وجل لغضب رسوله عليه الصلاة والسلام، فلذلك استعاذ من غضب الله وغضب رسوله عليه الصلاة والسلام. والله تعالى أعلم.