الدرس في شرح العقيدة الواسطية 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يستعرض المقطع دلالة أسماء الله العليم والحكيم والخبير على كمال علمه وإحاطته بالجزئيات والكليات، ويرد على الأشاعرة والمعتزلة والفلاسفة النافين للصفات أو المحدودين لعلم الله. كما يثبت صفات الرزق والقوة والسمع والبصر لله تعالى على حقيقتها بلا تمثيل ولا تعطيل مستدلاً بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
يقرر المقطع إثبات السمع والبصر لله على حقيقتهما متابعاً هدي النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول الآية، ثم يبين الفرق الجوهري بين الإرادة الكونية القدرية التي لا تتخلف والإرادة الشرعية الدينية التي تتعلق بالمحبة والأمر. ويوضح موقف أهل السنة والجماعة المثبتين للصفات والأفعال مقابل فرق التعطيل.
يسوق المقطع آيات المحبة والود والمغفرة لإثبات هذه الصفات لله تعالى كما تليق بجلاله دون تمثيل، مبيناً أن أهل السنة يجرونها على ظاهرها اللائق بالله. ويرد على المعتزلة والأشاعرة والجهمية الذين أولوا المحبة بإرادة الثواب أو نفوها خوفاً من التشبيه، مستدلاً بحديث جبريل المبطل لتأويل المحبة بمجرد إرادة الثواب.
يشرح المقطع معاني أسماء الله (الله، الرحمن، الرحيم) مبيناً اختصاص الرحمن بالرحمة الذاتية والرحيم بالرحمة المتعدية للخلق، ويرد على نفي الأشاعرة والمعتزلة لصفة الرحمة بدعوى استلزامها الضعف. ويثبت صفات الفعل كالمحبة والرضا والغضب واللعن والكره والمقت والأسف على حقيقتها، وينتقد تحريف المخالفين، ويوضح أن وعيد قاتل المؤمن المتعمد بجهنم خالداً فيها المراد به طول المكث لا الخلود المطلق.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه العقيدة الواسطية: قال: ﴿ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾، ﴿ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾، ﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ﴾، ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾، ﴿ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ﴾، ﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾. هذه الآيات فيها إثبات صفة العلم، اسم الله العليم والحكيم والخبير. فاسم الله العليم يدل على اتصافه جل وعلا بصفة العلم، وأن الله جل وعلا يعلم جميع المعلومات على ما هي عليه، ولا يخفى عليه شيء. سبحانه وتعالى يعلم الظواهر والبواطن والسرائر والعلانية، وما عظم وما صغر، كله يعلمه الله سبحانه وتعالى. وهكذا اسم الله الحكيم الدال على صفة الحكمة، ومعناه: الذي لا يقول ولا يفعل إلا الصواب، لا يقول ولا يفعل إلا الصواب، فلا يقع منه جل وعلا شيء من العبث أو الباطل، بل خلقه وأمره ونهيه وحكمه وأحكامه كلها على حكمة عظيمة. وأهل الباطل وأهل التعطيل كالأشاعرة والمعتزلة، كعادتهم في تعطيل الصفات، فإنهم ينفون ويعطلون صفات الله سبحانه وتعالى. ولهذا يقولون: عليم بذاته، سميع بذاته، ويردون الصفات إلى ذات الله سبحانه وتعالى. لماذا؟ قالوا: لأن تعدد الصفات يلزم منه تعدد الذوات. إذا أثبتنا لله جل وعلا صفات متعددة، يلزم من هذا أن يكون لله عز وجل أكثر من ذاته، وهذا باطل. هذا القول باطل. إذا كان المخلوق يوصف بصفات متعددة ولا يلزم من تعدد هذه الصفات تعدد ذاته، فذاته واحدة، فالخالق من باب أولى أن تعدد صفاته لا يلزم من ذلك تعدد ذاته كما يزعمون. وكذلك في قوله جل وعلا: ﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ ﴾، هذا من سعة علم الله سبحانه وتعالى، أنه جل وعلا يعلم ما يدخل في الأرض من حب وبذر ومياه وحشرات ومعادن، كلها لا تخفى على الله سبحانه وتعالى. ﴿ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا ﴾، أي: ما يخرج من الأرض من زرع وأشجار وعيون جارية، وأيضا معادن نافعة. ﴿ وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ ﴾، من ثلج وأمطار وصواعق وملائكة، كلها يعلمها الله سبحانه وتعالى. ﴿ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ﴾، يعني: يصعد، يصعد إلى السماء من ملائكة وأعمال وطير صواف وغير ذلك، كله يعلمه الله سبحانه وتعالى. وكما قال الله جل وعلا: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ﴾، وقد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله»، ثم تلا قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾. فهذه الآيات كما سمعتم تدل على إثبات صفة العلم لله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضا: ﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾. الله عز وجل أحاط بكل شيء علما، لا يخرج شيء في هذا الكون عن علم الله سبحانه وتعالى وإحاطته به سبحانه وتعالى. قال: ﴿ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ﴾. وطبعا كما ذكرنا أن أهل التعطيل، الأشاعرة والمعتزلة، أنكروا صفة العلم عن الله سبحانه وتعالى. كذلك الفلاسفة، الفلاسفة يقولون: إن الله عز وجل يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات، يعلم الأشياء إجمالا، أما تفاصيلها وجزئياتها فهذا مما لا يعلمه الله، هكذا زعم الفلاسفة. وقولهم أيضا باطل كما سمعتم في هذه الآيات الدالة على عظم سعة علم الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿ وَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينِ ﴾. هذه الآية كذلك اشتملت على إثبات هذه الأسماء: اسم الرزاق، واسم المتين، ووصف الله عز وجل بالقوة. الرزاق على وزن فعال، وهي صيغة من صيغ المبالغة تدل على الكثرة. ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ﴾، يعني: كثير الرزق، الذي يرزق العباد منذ أن يخلقوا في بطون أمهاتهم، والله جل وعلا يرزقهم إلى أن يموتوا، إلى أن يموتوا يرزق جل وعلا المؤمن والكافر في هذه الدنيا، والطائع والعاصي، الكل يتمتع برزق الله سبحانه وتعالى. ومن رزق الله عز وجل الرزق الحسي، وهذا يشمل المؤمن والكافر: الطعام والشراب واللباس والمسكن والمركب إلى آخره، هذا يشترك فيه المؤمن والكافر. والرزق المعنوي، وهذا خاص بأهل الإيمان: الرزق المعنوي، رزق الإيمان والعلم والهدى والتقى، هذا يختص به أهل الإيمان. فالله عز وجل هو الرازق للعباد. وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ﴾، جاء بضمير الفصل للدلالة على الاختصاص. لو قال جل وعلا: «إن الله رزاق»، كانت الجملة صحيحة، لكن لا تدل على الاختصاص. بخلاف: ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ﴾، أفاد الإتيان بهذا الضمير اختصاص الله جل وعلا بالرزق. ﴿ ذُو الْقُوَّةِ ﴾، أي: صاحب القوة، فالله عز وجل هو القوي، والقوي من أسماء الله، القوي من أسماء الله سبحانه وتعالى الدال على عظيم قوته، وأنه لا يقهره شيء ولا يعجزه شيء سبحانه وتعالى. ﴿ الْمَتِينُ ﴾، كما قال ابن عباس: هو الشديد، المتين هو الشديد، وهو أيضا من أسماء الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿ وَقَوْلُهُ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾، ﴿ وَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ نِعَمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾. هذه الآية أو الآيتان فيهما إثبات صفة السمع والبصر، صفة السمع والبصر لله سبحانه وتعالى. وقوله جل وعلا: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾، كما مر معنا أن فيها نفي المثلية عن الله سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل لا يماثله شيء من مخلوقاته، لا يماثله شيء من مخلوقاته. ففي قوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ رد على الممثلة الذين يقولون بأن صفات الله عز وجل كصفات المخلوق، أن صفات الله كمثل صفة المخلوق. وأول من قال بالتمثيل كما ذكر أهل العلم هو هشام بن الحكم الرافضي، هشام بن الحكم الرافضي، كما ذكر هذا ابن حزم، وكذلك الشهرستاني في الملل والنحل، أنه مثل صفات الخالق بالمخلوق. والله جل وعلا يقول: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾، أثبت جل وعلا لنفسه السمع والبصر بعد نفيه للمثلية. معنى أن الله عز وجل له سمع وبصر يليق بجلال الله ويليق بعظمة الله، لا يماثل صفات المخلوقين. لو قال قائل من أهل التعطيل: المخلوق يسمع ويبصر، وإذا أثبتنا لله سمعا وبصرا، معنى هذا أننا مثلنا الله بخلقه. نقول: ماذا؟ الجواب: اقرأ قبل هذه الآية: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾. الله نفى أن يكون مثله شيء. معنى أن الله له سمع وبصر ليس كسمع وبصر المخلوق. فنفى جل وعلا المثلية وأثبت لنفسه السمع والبصر. فنحن نثبت لله جل وعلا ما أثبته الله جل وعلا لنفسه، وهو السميع البصير، أي: السميع لجميع الأصوات على اختلافها وتنوعها، والبصير الذي يبصر جميع المبصرات ولا يخفى عليه شيء منها، على الله سبحانه وتعالى. فأهل السنة والجماعة يثبتون لله جل وعلا صفة السمع والبصر، صفة تليق بجلال الله. والنبي صلى الله عليه وسلم في حديث بهريرة عند أبي داود، لما ذكر هذه الآية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾، وضع النبي صلى الله عليه وسلم إبهامه عند أذنه، ووضع التي تليها على عينه، هكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم. أراد بهذا أنه سمع وبصر حقيقي، سمع وبصر حقيقي، لكن ليس كسمع وبصر المخلوق. أراد النبي صلى الله عليه وسلم إثبات حقيقة الصفة، إثبات حقيقة الصفة. ولهذا أهل التعطيل ماذا قالوا؟ قالوا: سميع: علمه بالمسموعات، سميع: علمه بالمسموعات، وبصير: علمه بالمبصرات. هل هذا فيه إثبات السمع والبصر لله؟ الجواب: لا. لأن قولهم: سميع: علمه بالمسموعات، الأصم يعرف ويعلم المسموعات، أن هناك أصواتا تسمع، لكنه هل سمعها؟ هل قد سمعها؟ الجواب: لا. إذن علمه بالمسموعات لا يثبت له السمع. وكذلك الأعمى: بصير: علمه بالمبصرات، يعلم أن هناك سماء، لكن هل رآها؟ هل رأى الأعمى السماء؟ الجواب: لا. علمه بوجود السماء هل هذا يثبت له البصر؟ الجواب: لا. إذن قولهم: سميع: علمه بالمسموعات، وبصير: علمه بالمبصرات، لا يثبت ذلك لصفة السمع والبصر. فهم حرفوا هذه الصفة وعطلوها بهذا القول، وخالفوا ما عليه أهل السنة والجماعة. قال: ﴿ وَقَوْلُهُ: وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾، ﴿ وَقَوْلُهُ: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾، ﴿ وَقَوْلُهُ: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ﴾، ﴿ وَقَوْلُهُ: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ﴾. هذه الآيات تدل على إثبات صفتي الإرادة والمشيئة، إثبات صفتي الإرادة والمشيئة. وأهل السنة والجماعة يثبتون كلتا الصفتين لله سبحانه وتعالى على طريقتهم في إثبات الصفات لله سبحانه وتعالى. وأهل التعطيل نفوا ذلك عن الله سبحانه وتعالى. فالأشاعرة يثبتون إرادة قديمة، يثبتون إرادة واحدة قديمة قد تعلقت في الأزل. والمعتزلة لا يثبتون لله جل وعلا صفة الإرادة، لا يثبتون لله جل وعلا صفة الإرادة. وأهل السنة والجماعة أثبتوا لله جل وعلا صفة الإرادة، وقالوا: بأن الإرادة على نوعين، الإرادة على نوعين: إرادة كونية بمعنى المشيئة، إرادة كونية بمعنى المشيئة، وهي تتعلق بكل ما شاءه الله سبحانه وتعالى وأراده من الخير والشر. كل ما أراده الله جل وعلا وشاءه من الخير والشر، ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾. هذه الإرادة الكونية، وكما في الحديث: «ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن». وإرادة شرعية تتعلق بما أمر الله عز وجل به ورضي به وأحبه، وهي بمعنى الرضا والمحبة. الإرادة الشرعية هي بمعنى الرضا والمحبة، أي: ما رضيه الله وأحبه. ومنه قول الله عز وجل: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾. طيب، فالإرادة الكونية، الإرادة الكونية لا بد أن تقع، لا بد أن تقع، وقد تكون مما يحبه الله ويرضاه، وقد لا تكون مما يحبه الله ويرضاه. وأما الإرادة الشرعية فهي لا تكون إلا فيما يحبه الله ويرضاه، لكن قد تقع وقد لا تقع. مثلا: الإرادة الكونية، كفر أبي لهب، كفر أبي لهب، أراده الله سبحانه وتعالى كونا، أراده الله جل وعلا كونا، لأنه وقع. وهل أراده الله سبحانه وتعالى شرعا؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأن الله لا يحبه ولا يرضاه. الله ما يحب الكفر ولا يرضى لعباده الكفر. لكن الله عز وجل شاءه كونا. نفرق بين الإرادة الشرعية والكونية، لأن أهل التعطيل من المعتزلة والأشاعرة خبطوا في هذا الباب، لأنهم لم يفرقوا بين الإرادتين، لم يفرقوا بين الإرادتين. فما شاءه الله كونا لا يلزم أن الله يحبه، ككفر أبي لهب، أراده الله كونا، لكن لم يرده شرعا، لأن الله لا يحب الكفر ولا يرضاه. فهذه إرادة كونية، كفر أبي لهب إرادة كونية. طيب، إيمان أبي بكر، إرادة شرعية، لأن الله يحبه ويرضاه. وهل هي إرادة كونية؟ إيمان أبي بكر، هل هي إرادة كونية أم لا؟ الجواب: نعم، لأنه وقع، لأنه وقع. وقع أن أبو بكر آمن. إذن إيمان أبي بكر إرادة شرعية من حيث أن الله يحبه ويرضاه، وإرادة كونية من حيث أنه وقع وحصل. كفر أبي لهب إرادة كونية من حيث أنه وقع، وليس بإرادة شرعية، لأن الله لا يحبه ولا يرضاه. طيب، إيمان أبي لهب، إرادة شرعية أو إرادة كونية؟ إيمان أبي لهب إرادة شرعية، لأن الله يحبه، الله يحب الإيمان، أن يؤمن الكافر، الله عز وجل يحب هذا، لكنه ليس بإرادة كونية، لأنه لم يقع، لأنه لم يقع. طيب، بمعنى أن ليس كل ما أحبه الله ورضيه أنه لا بد أن يقع. ما يحبه الله ويرضى قد يقع وقد لا يقع. الله عز وجل يحب الصلاة والصيام والزكاة، هل كل الناس يصلون ويزكون ويصومون؟ الجواب: لا. هناك من يصلي وهناك من لا يصلي، مع أنه مما يحبه الله. هذا مما يريده الله شرعا، لكنه مع ذلك قد يقع وقد لا يقع. بخلاف الإرادة الكونية، ما أراده الله كونا فلا بد أن يقع، ما أراده الله كونا فلا بد أن يقع. فكفر الكافر ومعصية العاصي هذه من الإرادة ماذا؟ من الإرادة الكونية، من الإرادة الكونية، وليس من الإرادة الشرعية، لأن الله لا يحبه ولا يرضاه. طيب، وإيمان المؤمن وطاعته هذا من الإرادة الشرعية، وإذا وقعت فهي من الإرادة الكونية. فأهل السنة والجماعة يثبتون لله عز وجل كلا الإرادتين: الإرادة الكونية التي هي بمعنى المشيئة فيما شاءه الله سبحانه وتعالى وأراده، فلا بد أن يكون، ولا يلزم منها الرضا والمحبة، فقد تكون مما يحبه الله ويرضاه، وقد لا تكون مما يحبه الله ويرضاه، كالمعاصي والكفر. وأما الإرادة الشرعية فلا تكون إلا لما يحبه الله ويرضاه، ومع هذا قد تقع وقد لا تقع. إذا لا يلزم أن كل ما وقع وأراده الله كونا أن الله يحبه، لا، هذا ليس بلازم. وهذا ليظل فيه أهل التعطيل من المعتزلة والجهمية والأشاعرة، أنهم ظنوا أن ما أراده الله ووقع أن الله يحبه ويرضاه، فلهذا سيأتي معنا في باب القدر أنهم ظلوا في هذا الباب، إذ لم يفرقوا بين الإرادتين، وقالوا: كيف كيف أن الله عز وجل يريد الكفر والمعاصي ثم يعذب العبد عليها؟ فحملهم هذا على نفي أن يكون الله عز وجل خلق ماذا؟ المعاصي والكفر، أو أرادها جل وعلا كونا، فظلوا في هذا الباب ضلالا عظيما. قال: ﴿ وَقَوْلُهُ: أَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾، ﴿ وَقَوْلُهُ: أَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾، ﴿ وَقَوْلُهُ: فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾، ﴿ وَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾، ﴿ وَقَوْلُهُ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾، ﴿ وَقَوْلُهُ: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾، ﴿ وَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ﴾. هذه الآيات فيها إثبات صفة المحبة لله، إثبات صفة المحبة لله جل وعلا، أن الله عز وجل يحب المحسنين الذين يعني يحسنون في معاملتهم للخلق قولا وفعلا. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته». الإحسان مع الناس والإحسان مع الحيوان أمر مطلوب، والله يحب من كان كذلك، من كان محسنا مع الخلق، فالله جل وعلا يحبه. وهكذا المقسطين، العادلين: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾، أهل القصد والعدل في تعاملهم مع الناس، مع القريب ومع البعيد، مع العدو ومع الصديق. وهكذا أيضا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾، الله يحب أهل التقوى الذين فعلوا الأوامر واجتنبوا النواهي ولزموا تقوى الله سبحانه وتعالى. وهكذا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾، التوابين يعني: كثير التوبة والاستغفار والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى إذا أذنبوا وإذا أخطأوا، ويحب المتطهرين الذين يتطهرون من الأنجاس ومن الأقدار، وكذلك يتطهرون من أمراض القلوب وأسقامها. وهكذا أيضا قوله جل وعلا: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾، فالله عز وجل يخبر بأن من عباده من يحبون الله ويحبهم جل وعلا، فالله يحب ويحب، الله عز وجل يحب ويحب. وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ﴾، الذين يقاتلون في سبيل الله في الجهاد لإعلاء كلمة التوحيد، فالله جل وعلا يحبهم. هذه الآيات كلها فيها إثبات صفة المحبة لله، وهي من الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئة الله، يفعلها الله جل وعلا متى شاء. فالصفات المتعلقة بمشيئة الله تسمى صفات فعلية، أي: أن الله عز وجل يفعلها متى شاء. فأهل السنة والجماعة كعادتهم أثبتوا لله عز وجل صفة المحبة كما أثبتها الله جل وعلا لنفسه، وقالوا: بأن الله عز وجل يحب عباده المؤمنين المتقين والمحسنين إلى آخر ما أخبر الله سبحانه وتعالى به، وأن الله جل وعلا يحب ويحب، يحبه عباده المؤمنون وهو يحب كذلك عباده المؤمنين. أهل التعطيل من الأشاعرة والمعتزلة، كعادتهم، نفوا صفة المحبة، قالوا: لأننا لو أثبتنا لله عز وجل صفة المحبة للزم ذلك وصف الله بالنقص، لأن المحبة ميل المحب إلى المحبوب، ميل المحب إلى المحبوب، وهذا لا يمكن أن نصف الله عز وجل به. والجواب: أن الله عز وجل يحب، ونثبت لله صفة المحبة، صفة تليق بجلال الله. نحن لا نقول إن محبة الله كمحبة المخلوق، نثبت لله عز وجل الصفة وننفي عنه المماثلة، كما في قوله عز وجل: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾. فلهذا هؤلاء المعطلة ما أوقعهم في التعطيل إلا أنهم وقعوا في التمثيل، لما مثلوا صفة الله عز وجل بصفة المخلوق، أرادوا أن ينزهوا الله فوقعوا في التعطيل. ولهذا يقول أهل العلم: كل معطل ممثل، كل معطل ممثل، هو ما عطل إلا بعد أن مثل، بعد أن مثل صفة الله بصفة المخلوق، حمله هذا على أن يعطل الصفة عما دلت عليه. وكل ممثل معطل، لأن الممثل الذي يقول: إن صفة الله صفة المخلوق، هذا ما أثبت الصفة لله سبحانه وتعالى على الوجه الصحيح، وقد عطلها. فكل معطل ممثل، وكل ممثل معطل. ولهذا قالوا: أن الممثل يعبد صنما، والمعطل يعبد عدما، المعطل يعبد عدما، أنه ينفي الصفات عن الله حتى ربما نفى وجود الله سبحانه وتعالى، والممثل يعبد صنما لأنه يجعل صفات الله كالمخلوق. وكل المذهبين والطائفتين على ضلال. ولهذا الأشاعرة يفسرون المحبة والرضا والغضب كما سيأتي معنا في بقية الصفات، فيقولون: إرادة الثواب، يقولون: المحبة: يحبهم بمعنى يريد إثابتهم، يريد إثابتهم. والمعتزلة لأنهم ينفون الإرادة يفسرونها بالثواب، يقولون: يحبهم يعني يثيبهم، يعني يثيبهم. فيفسرون المحبة والرضا بإرادة الثواب، والغضب كما سيأتي بإرادة الانتقام أو الانتقام. وهذا أيضا من تعطيلهم لهذه الصفة. والواجب إثباتها لله سبحانه وتعالى، لكن على هذا القول الباطل أن المراد بالمحبة الثواب أو إرادة الثواب، ماذا يقولون في حديث بهريرة: «إن الله عز وجل إذا أحب عبدا نادى جبريل: يا جبريل إنه يحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض»؟ ما يمكن أن تفسر المحبة هنا بالثواب أو بإرادة الثواب، هذا يبطل هذا التأويل الباطل. قال رحمه الله: ﴿ وَقَوْلُهُ: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ﴾، ﴿ وَقَوْلُهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ ﴾، ﴿ وَقَوْلُهُ: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا ﴾، ﴿ وَقَوْلُهُ: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾، ﴿ وَقَوْلُهُ: رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾، ﴿ وَقَوْلُهُ: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾، ﴿ وَقَوْلُهُ: وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾، ﴿ وَقَوْلُهُ: فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾. هذه الآيات تضمنت إثبات جملة من الصفات. ففي قوله جل وعلا: ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ﴾، إثبات اسم الغفور المتضمن لصفة المغفرة، والودود المتضمن لصفة الود. فالغفور: الذي يغفر لعباده، يعني: يستر ما يحصل منهم من ذنوب وقطايا وسيئات، لأن أصل الغفور: الستر. أصل الغفور: الستر، منه المغفر الذي يلبسه المقاتل على رأسه، سمي بذلك لأنه يستر رأسه، يستر رأسه. فالغفور: أي الذي يستر سيئات عباده، فلا يفضحهم ويتجاوز عنهم. وإذا اجتمع الغفور والمغفرة مع الرحمة، فالمغفرة: الستر، والرحمة: ماذا؟ التجاوز والإسقاط وعدم المؤاخذة. وإذا ذكر اسم الغفور وحده دخل فيه معنى الرحمة. والودود: من الود، وهو خالص الحب، خالص الحب. فالله جل وعلا سمى نفسه الودود، فوصف نفسه بالود، أنه يتودد إلى عباده المؤمنين، إلى عباده الطائعين، يودهم يعني: يحبهم، ويضمن ذلك نصرتهم وإعانتهم وشمول الرحمة لهم إلى آخر ذلك من مثل هذه المعاني. وهكذا أيضا في قوله عز وجل: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ ﴾، إثبات اسم الله، الله، لفضل جلاله، الدال على صفة الألوهية. الله: بمعنى المألوه المعبود، المألوه المعبود. ولما سئل ابن عباس: هل يعرف هذا العرب أن لفظ الجلالة الله بمعنى المألوه؟ قال: نعم، وذكر قول القائل: «لله در الغانيات المدة، سبحنا واسترجعنا من تألهي». فهذا معروف عند العرب أن لفظ الله والإله بمعنى المعبود المألوه. وهكذا أيضا اسم الله الرحمن والرحيم، الدالان على صفة الرحمة. الرحمن: دال على صفة الرحمة الملازمة للذات، والرحيم: دال على صفة الرحمة المتعدية إلى الخلق. والأشاعرة والمعتزلة، كعادتهم، يعني: نفوا صفة الرحمة عن الله جل وعلا، قالوا: لأنه يلزم منها الضعف والخور، الذي يرحم ما يرحم إلا لضعفه، ويعني: لعجزه، فكيف نثبت هذا لله سبحانه وتعالى؟ وهذا باطل، لا شك هذا باطل. لأن صفات الله عز وجل كما مر معنا لا تماثل صفات المخلوقين: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾. والأمر الثاني: أن ما نسلم لهم هذا، أن الذي يرحم قد يكون قويا، ومن قوته أنه يرحم الضعفاء، يرحم الضعفاء لقوته ولعزته، فلا يلزم من ثبوت الرحمة ضعف الراحم لمن يرحم. فقولهم هذا باطل، قولهم هذا باطل. والواجب إثبات هذه الصفة لله سبحانه وتعالى كما أثبتها الله عز وجل لنفسه. وأخبر الله عز وجل بسعة رحمته: ﴿ وَكَانَ رَبُّنَا وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا ﴾، هذا قول الملائكة، يخبرون بسعة رحمة الله سبحانه وتعالى، هم يتوسلون إلى الله بأن يرحم عباده المؤمنين. وهذا قوله: ﴿ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾. وهذه الرحمة الخاصة، الرحمة العامة في الدنيا يرحم الله عز وجل المؤمن والكافر، حتى الكافر تشمله الرحمة في الدنيا، ولهذا يرزقه ويعطيه ويمن عليه. لكن في الآخرة تكون الرحمة خاصة بأهل الإيمان، وأما الكافر فليس له رحمة. وهكذا قوله جل وعلا: ﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾. نعم، الحافظ والحفيظ، هذا ما أخوذ من الحفظ والصيانة، وهو الصيانة. معنى: الذي يحفظ عباده. الحفظ العام، الحفظ العام هذا يشمل المؤمن والكافر، يحفظهم، يسر لهم أرزاقهم ويسر لهم أمور حياتهم، ويسلمهم من أسباب الهلاك وكذلك العطب. والحفظ الخاص، وهذا لعباده المؤمنين، هذا لعباده المؤمنين، يحفظهم من الكفر ومن المعاصي، وربما من كبائر الذنوب، ويعصمهم من ذلك بحفظه سبحانه وتعالى. يحفظ جل وعلا المؤمن من زغات الشيطان، من وساوس الشيطان، إلى آخر ذلك. قال: ﴿ وَقَوْلُهُ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾، ﴿ وَقَوْلُهُ: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ ﴾، ﴿ وَقَوْلُهُ: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ ﴾، ﴿ وَقَوْلُهُ: فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾، ﴿ وَقَوْلُهُ: وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ ﴾، ﴿ وَقَوْلُهُ: كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾. هذه الآيات كذلك ضمنت إثبات جملة من الصفات: صفة الرضا والغضب واللعن والكره والصخط والمقت والأسف، وكلها صفات فعلية، أي: متعلقة بمشيئة الله سبحانه وتعالى، يفعلها الله جل وعلا متى شاء. وأهل السنة والجماعة يثبتونها لله عز وجل على ظاهرها، إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تعطيل: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾. وأهل التعطيل من الأشاعرة والمعتزلة، كعادتهم، حرفوا هذه الصفات، فقالوا: المراد بالرضا، قال الأشاعرة: إرادة الثواب، ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ يعني: أراد إثابتهم. وقال المعتزلة: يثيبهم، ﴿ رَضِيَ عَنْهُمْ ﴾ بمعنى: أثابهم، بمعنى: أثابهم. وفسروا الغضب بإرادة الانتقام، بإرادة الانتقام، هذا الأشاعرة والمعتزلة قالوا: الغضب بمعنى الانتقام، ﴿ غَضِبَ عَلَيْهِمْ ﴾ بمعنى: انتقم منهم. وهذا من تحريفهم لهذه الصفات. وكما مر معنا أنه ما حملهم على هذا إلا الوقوع في التمثيل، إلى الوقوع في التمثيل، فأرادوا أن ينزهوا الله فوقعوا في التعطيل. وطريقة أهل السنة والجماعة: إثبات هذه الصفات كما أثبتها الله جل وعلا لنفسه، وكما أثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم. فالله جل وعلا أخبر برضاه عن الصحابة: ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾، بما أنعم عليهم من النعيم. وفي قوله جل وعلا: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ ﴾، وعد له عذابا عظيما. هذا فيه خطورة القتل العمد، وهو كبير من كبائر الذنوب، أن من قتل مؤمنا متعمدا، خرج بذلك المخطئ، لا يناله هذا الوعيد، هذا الوعيد خاص في من قتل وتعمد القتل. فجزاؤه جهنم، أي: أن الله عز وجل يدخله نار جهنم، عياذا بالله. ﴿ خَالِدًا فِيهَا ﴾، المراد بالخلود هنا طول المكث، المراد به طول المكث، لا الخلود الأبدي. الخلود الأبدي في النار ليس إلا للكافر، ليس إلا للكافر. وأما المؤمن العاصي فإنه