الدرس في شرح العقيدة الواسطية 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
أهل السنة والجماعة هم الفرقة الناجية التي تثبت صفات الله إثباتاً بلا تشبيه وتنزيهاً بلا تعطيل، وسطاً بين الجهمية المعطلة والمشبهة الممثلة. كما يقفون وسطاً في أفعال الله بين الجبرية والقدرية، مثبتين مشيئة الله وخلقه للأفعال مع إثبات مشيئة العبد واختياره.
وقف أهل السنة موقفاً وسطاً بين الجبرية والقدرية في باب المشيئة، فأثبتوا مشيئة للعبد تابعة لمشيئة الله. وبين المرجئة والوعيدية في الوعيد وأسماء الإيمان، فلا يكفرون صاحب الكبيرة ولا يخلدونه في النار، بل أمره تحت مشيئة الله.
أهل السنة وسط بين الخوارج والمعتزلة الذين يكفرون مرتكب الكبيرة، والمرجئة والجهمية الذين يعدونه مؤمناً كامل الإيمان، فيقولون: مؤمن بإيمانه فاسق بمعصيته، إيمانه ناقص وتحت مشيئة الله. كما يتوسطون بين الرافضة والخوارج الناصبة في الصحابة، فيترضون عنهم ويثنون على آل البيت.
الإيمان بالله يتضمن إثبات علوه على عرشه وفوق سماواته، مع كونه مع خلقه بعلمه وإحاطته لا بذاته. وينفي أن تكون المعية مخالطة أو حلولاً، مبيناً أن القرب الإلهي قرب علم وإجابة لا قرب مكان.
الله قريب من عباده بعلمه وإحاطته واستجابة دعائهم مع علوه واستوائه على العرش، ولا ينافي قربه علوه. والقرآن كلام الله المنزل غير المخلوق، منه بدأ وإليه يعود، صفة حقيقية حروفه ومعانيه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالته العقيدة الواسطية: قال: "إلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه بما يخبر به، فإن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك، كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. بل هم الوسط في فرق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم. فأهل السنة والجماعة هم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، يؤمنون بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث الصفات، وكذلك ما يتعلق بأمور الآخرة، فإنهم يؤمنون بذلك كله، كما يؤمنون بما أخبر الله جل وعلا به في كتابه، فلا يفرقون بين سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام وما جاء في كتاب الله عز وجل، لأن الجميع وحي من الله؛ القرآن وحي من الله، والسنة كذلك وحي من الله، ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾. ويثبتون ما أثبته الله جل وعلا لنفسه، وما أثبته له رسوله عليه الصلاة والسلام، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فيثبتون الصفات إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾. فلذلك هم وسط في فرق الأمة، كما سيذكر رحمه الله، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم. فربنا جل وعلا يقول: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾. والوسط كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «العدل، الخيار، العدل، الخيار». فهم أعدل الأمم، وآخرها، وأفضلها: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾. فمن الأمم من غلا في المخلوقين ورفعوهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله سبحانه وتعالى، كما فعل النصارى مع المسيح عليه السلام. ومن الأمم من جفوا الأنبياء وتنقصوهم، بل وقتلوهم، كما فعل اليهود مع يحيى وزكريا، وأرادوا قتل المسيح عيسى عليه السلام، بل كذلك أرادوا قتل نبينا عليه الصلاة والسلام. وكانت هذه الأمة وسطاً بين هذا الإفراط والتفريط، فآمنوا بجميع الرسل ولم يكذبوا أحداً منهم، وفي المقابل لم يرفعوا أحداً منهم فوق منزلته التي أنزله الله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضاً من الأمم السابقة من أحلت أو استباحت كل طيب وخبيث، استباحت كل طيب وخبيث، ومن الأمم من حرمت كل طيب، وهذه الأمة وسط بين تلك الأمم، فأحل الله جل وعلا لها الطيبات وحرم عليها الخبائث، فكانت وسطاً بين تلك الأمم. وهي أيضاً وسط بين فرق الأمة، كما ذكر رحمه الله في أبواب الدين والعقيدة، كما سيشير إلى ذلك رحمه الله. قال: فهم وسط في باب صفات الله سبحانه وتعالى بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبهة. الجهمية الذين ينسبون إلى الجهم بن صفوان، الجهم بن صفوان الترمذي، ومن مذهبه نفي الأسماء والصفات، نفي الأسماء والصفات، والقول بخلق القرآن، وغير ذلك من البدع الشنيعة. ففي باب الصفات، فالجهمية ينفون الأسماء والصفات، ينفون الأسماء والصفات، وربما أطلق هذا اللفظ على سائر أهل التعطيل، يعني قد يقال للمعتزلة وللأشاعرة جهمية، على معنى تعطيل الصفات وعدم إثباتها. فالجهمية نفوا الصفات ولم يثبتوها لله سبحانه وتعالى، وربما حرفوها عن ظاهرها وعن معانيها، كما فعل المعتزلة والأشاعرة. ويقابلهم أهل التمثيل الذين غلو في إثبات الصفات حتى مثلوا صفات الله جل وعلا بصفات المخلوق، فيقولون: يد الله كيد المخلوق، وهكذا سائر صفات الله عز وجل، يقولون: ما نعلم من صفات الله إلا كصفة المخلوق. هؤلاء ممثلة، وكل الفريقين على ضلال: الجهمية المعطلة، وكذلك المشبهة الممثلة. وأهل السنة والجماعة وسط بين الطائفتين، فأثبتوا الصفات إثباتاً بلا تمثيل، ما يقولون إن صفة الله تماثل صفة المخلوق أبداً، يثبتون الصفة لله وينزهون الله جل وعلا عن المماثلة، كي ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾. وفي المقابل يثبتون الصفات لله سبحانه وتعالى إثباتاً يليق بجلال الله، خلافاً لأهل التعطيل. فهم مع قول الله عز وجل: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾. وقد مر معنا أن هذه الآية فيها رد على هاتين الطائفتين، فقوله سبحانه: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ رد على الممثلة، وقوله عز وجل: ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ رد على المعطلة الذين عطلوا صفات الله جل وعلا. فأهل السنة يثبتون الصفات ثبوتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل، فكانوا وسطاً بين هاتين الطائفتين المنحرفتين. قال: وهم وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية. كذلك أيضاً أهل السنة والجماعة وسط في باب أفعال الله، يعني ما يتعلق بقدرة الله جل وعلا وخلقه للخير والشر، لخلقه للخير والشر، وكذلك ما يحصل من العباد من أفعال، هل خلقها الله جل وعلا أو لم يخلقها الله؟ ففريق في هذا الباب: الجبرية، وهم الجهمية، هم الجهمية والأشاعرة الذين وقعوا في باب القدر في الجبر، وأثبتوا أو غلو في إثبات القدر لله سبحانه وتعالى حتى نفوا القدر عن المخلوق، وقالوا: إن المخلوق لا قدرة له، ليس له قدرة ولا اختيار، فهو مجبور على ما يفعله، مجبور على ما يفعله من خير أو شر، وهو كالأوراق في مهب الريح تأخذها حيث شاءت، ليس له أي قدرة أو اختيار. هكذا قال الجبرية. ويقابلهم في ذلك القدرية المعتزلة، فالقدرية المعتزلة قالوا: إن الله عز وجل لا قدرة له على أفعال العباد، وأنه لم يخلق أفعالهم، وإنما الإنسان هو الذي يخلق فعل نفسه، الإنسان هو الذي يخلق فعل نفسه. ولذلك سموا كما جاء في الأحاديث بمجوس هذه الأمة، «القدرية مجوس هذه الأمة»، جاء في الآثار: «القدرية مجوس هذه الأمة، إذا مرضوا فلا تعودوهم، وإذا ماتوا فلا تشهدوهم». لماذا؟ لأن المجوس أثبتوا خالقين: خالق الخير وخالق الشر، والقدرية أثبتوا أكثر من خالق مع الله، جعلوا كل مخلوق هو الذي يخلق فعل نفسه، وأنه لا قدرة ولا مشيئة لله عز وجل في أفعال العباد. وكلا الطائفتين كما سمعتم على ضلال. وأهل السنة والجماعة أثبتوا لله جل وعلا المشيئة، وأنه عز وجل خالق أفعال العباد، وهو عز وجل الذي خلق الخير والشر، وأثبتوا كذلك للعبد مشيئة، وأن العبد له مشيئة واختيار، فهو يفعل الخير باختياره، ويفعل الشر باختياره، والله جل وعلا يقول: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾، ويقول جل وعلا: ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾، أي طريق الخير وطريق الشر. فالإنسان إذا سلك طريق الخير سلكه باختياره، وإذا سلك طريق الشر فإنه يسلكه باختياره. ويرد على كلا الطائفتين بقول الله جل وعلا: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾. ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ ﴾ هذا فيه رد على الجبرية الذين يقولون أن العبد ليس له مشيئة، والله يقول: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ ﴾ يخاطب العباد أن لهم مشيئة، لكن هذه المشيئة تابعة لمشيئة الله، مشيئة المخلوق تابعة لمشيئة الخالق، ولهذا قال: ﴿ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ﴾، وهذا فيه رد على القدرية الذين يقولون بأن الله عز وجل لا مشيئة له في أفعال العباد. وهكذا أيضاً قال الله عز وجل: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾. ﴿ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ وما هنا يصح أن تكون موصولة بمعنى الذي، أي: والله خلقكم والذي تعملون، يعني ما يحصل منكم فهو من خلق الله. ويصح أن تكون مصدرية، ويكون التقدير: والله خلقكم وعملكم، وهذا أظهر في الرد على القدرية، وبيان أن أفعال العباد مخلوقة. ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ أي وعملكم، أي عملكم كذلك مخلوق. وهكذا قوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله خالق كل صانع وصنعته»، «إن الله خالق كل صانع وصنعته». فإذا أهل السنة وسط بين الجبرية الغلاة وبين القدرية النفاة. فالجبرية كما سمعتم غلو في إثبات القدر لله والمشيئة حتى نفوها عن المخلوق، والقدرية نفوا المشيئة عن الله وأثبتوها للمخلوق. وأهل السنة والجماعة أثبتوا المشيئة لله سبحانه وتعالى في أفعال العباد، وكذلك أثبتوا للمخلوق والعبد مشيئة، لكنها تابعة لمشيئة الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: في باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم. قال رحمه الله: كذلك، وفي باب وعيد الله، يعني ما توعد الله عز وجل به أهل الذنوب من المعاصي، أهل الذنوب المعاصي من العذاب والعقاب ودخول النار. ففريق في هذا الباب: المرجئة، والوعيدية القدرية من المعتزلة والخوارج. والمرجئة الذين يقولون بأن الإيمان مجرد المعرفة، وهذا غلاة المرجئة الجهمية، الجهمية عندهم الإيمان هو مجرد المعرفة، إذا عرفت الله فأنت مؤمن. ومنهم من يقول الإيمان هو مجرد التصديق ونطق اللسان، إذا صدقت بقلبك ونطقت بلسانك فأنت مؤمن، أما الأعمال فلا تدخل في مسمى الإيمان، سواء عملت أو لم تعمل فأنت مؤمن. حتى قالوا بأن إيمان أفجر الناس كإيمان أبي بكر وعمر، إذا كان الإنسان عنده أصل الإيمان مهما عمل من الذنوب فإنه لا يضر، لا يضر هذا في إيمانه. فجعلوا إيمان أفجر الناس كإيمان أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، فيقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة. هؤلاء المرجئة. والوعيدية وهم الخوارج والمعتزلة الذين قالوا بأن من وقع في الذنب وفي الكبيرة لا بد أن يدخل النار، لا بد أن يعذب في النار، وأن يخلد فيها، وحكم عليه كما سيأتي بالكفر والخلود في النار، عياذاً بالله. فانظروا: المرجئة يقولون لا يضر مع الإيمان ذنب، مهما فعل الإنسان من المعاصي فهو مؤمن، ما يضر بإيمانه، إيمانه كامل مهما فعل من الكبائر، لو سرق، لو زنى، أو شرب الخمر، وووو، يعني من الذنوب ما يضر هذا بإيمانه، إيمانه كامل. مقابلهم المعتزلة والخوارج قالوا: لا، كيف ما يضر؟ لا، ما يضر؟ إذا وقع في ذنب أو ارتكب كبيرة فهو مخلد في نار جهنم، يستحق الخلود في النار، وكذلك يعني أن يعذب ويقع عليه ما توعد الله سبحانه وتعالى به من العذاب. وأهل السنة وسط بين الطائفتين، فقالوا: أن المؤمن إذا وقع في الذنب وفي الكبيرة من كبائر الذنوب، فإن هذا يضر بإيمانه، هذا يضر بإيمانه، وينقص إيمانه، ويضعف إيمانه، ويعرضه للعذاب والعقوبة، لكنه لا يكفر بذلك، ولا يخلد في نار جهنم. إن دخلها فهو تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له، وإن عذبه فإنه لا يخلد في النار، بل يمكث فيها ما شاء الله ثم يخرج بشفاعة الشافعين من الأنبياء والصالحين، وكذلك شفاعة رب العالمين سبحانه وتعالى. والله جل وعلا يقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ﴾. فأخبر الله جل وعلا أنه لا يغفر لمن أشرك به إذا مات على الشرك، ويغفر ما دون ذلك، أي ما دون الشرك من الذنوب والمعاصي، ومنها كبائر الذنوب من قتل النفس، وشرب الخمر، الزنا، أكل الربا، إلى آخره. فصاحبها تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له. وإذا عذبه فإنه لا يخلد، كما في أحاديث الشفاعة لأهل الكبائر، وإخبار النبي عليه الصلاة والسلام بخروجهم من النار بعد أن يعذبوا، وتكون عاقبتهم إلى الجنة. إذن أهل السنة وسط بين الطائفتين، لا يقولون بأن إيمان العاصي والمذنب إيمان كامل ولا يضره فعل المعصية كما تقول المرجئة، ولا أيضاً في المقابل يقولون بأنه إذا فعل المعصية أنه يخلد في النار كما يقول الوعيدية من المعتزلة والخوارج، بل هو تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له، وإن عذبه فإنه لا يخلد في النار، بل يخرج منها إلى أن يدخل الجنة بعد ذلك. قال: وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية. كذلك أيضاً أهل السنة وسط في باب أسماء الإيمان، يعني لفظ المؤمن والمسلم والكافر والفاسق، أي متى يطلق هذا اللفظ على الإنسان ومتى يسلم منه. فأهل السنة وسط في هذا الباب بين الحرورية، أي الخوارج والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية. والحرورية هم الخوارج الذين خرجوا على علي رضي الله تعالى عنه حينما قبل التحكيم بينه وبين معاوية رضي الله عنه، لما حصل ما حصل بينه وبين معاوية، فلما طلب التحكيم ورضي علي رضي الله عنه بذلك، وكانوا مع علي في جيشه، خرج هؤلاء الحرورية، الحرورية، وقالوا: تحكيم الرجال، وانعزلوا عنه، وكفروا علياً رضي الله عنه ومن معه من الصحابة، وسموا بالحرورية لأنهم نزلوا في موضع يقال له حروراء، يقال له حروراء قرب الكوفة، فسموا بالحرورية. وأما المعتزلة فهم أتباع واصل بن عطاء، المعتزلة أتباع واصل بن عطاء المعتزلي الذي اعتزل مجلس الحسن، الحسن البصري رحمه الله، سئل عن صاحب الكبيرة، فقال واصل بن عطاء: هو في منزلة بين المنزلتين، أي ليس بمؤمن ولا كافر، فاعتزل مجلس الحسن، فسموا بالمعتزلة، وبعد ذلك أصبحت لهم يعني أصول يسيرون عليها في منهجهم وفي طريقتهم. فالحرورية والمعتزلة يقولون بأن صاحب الكبيرة، بأن صاحب الكبيرة يخلد في نار جهنم، وهذا اتفق فيه المعتزلة والخوارج، أن صاحب الكبيرة يخلد في النار. وكذلك أيضاً اختلفوا في سلب اسم الإيمان، هل يقال له كافر أو لا يقال له كافر؟ أما الخوارج فقالوا: هو كافر، الخوارج كفروا صاحب الكبيرة، عندهم صاحب الكبيرة كافر، عندهم صاحب الكبيرة كافر. وأما المعتزلة فقالوا: هو في منزلة بين المنزلتين، يعني لا نقول مؤمن ولا نقول كافر، بين بين، بين هذا وبين هذا، يقولون أنهم في منزلة بين المنزلتين، لا هو مؤمن ولا هو كافر. طيب، لكن بالنسبة لحكمه في الآخرة فهم متفقون مع الخوارج أنه مخلد في نار جهنم، أنه مخلد في نار جهنم. لكن اختلفوا في التسمية، فالخوارج قالوا بأنه كافر، والمعتزلة قالوا بأنه في منزلة بين المنزلتين. ثم اختلفوا في حكمه في الدنيا، هل هو معصوم الدم والمال أم أنه غير معصوم الدم والمال؟ فالخوارج استباحوا الدم والمال، قالوا: صاحب الكبيرة دام أنه كافر فهو حلال الدم والمال، ولهذا يستبيحون يعني دماء وأموال العصاة من أهل الإسلام. وأما المعتزلة فتوقفوا في ذلك لأنهم لم يجزموا بالكفر، بل قالوا: في منزلة بين المنزلتين، فلم يستبيحوا الدماء والأموال. وأما المرجئة والجهمية فعندهم صاحب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان، صاحب الكبيرة عندهم مؤمن كامل الإيمان، وأنه لا يضر ارتكاب الكبائر وارتكاب المعاصي، دام أن عنده أصل الإيمان فهو مؤمن كامل الإيمان، هكذا قالت المرجئة الجهمية. ولذلك أنهم يقولون بأن الإيمان هو المعرفة، مطلق المعرفة، من عرف الله فهو مؤمن، من عرف الله فهو مؤمن. إذن لا تضر الأعمال، كونه يرتكب الذنوب والمعاصي هذا لا يضر بإيمانه. فكانوا نقيض ما عليه الخوارج والمعتزلة. وأهل السنة والجماعة وسط بين هاتين الطائفتين، فيقولون: إن صاحب المعصية وصاحب الكبيرة إذا وقع في الذنب لا يسلب عنه أصل الإيمان أو لفظ الإيمان بالكلية، بل نقول: هو مؤمن بإيمانه، فاسق بمعصيته، أو نقول: مؤمن ناقص الإيمان، مؤمن ناقص الإيمان. طيب، هذا خلاف لما يقوله الخوارج من حكمهم عليه بالكفر، وكذلك فيها رد على المرجئة الذين يقولون بأنه مؤمن كامل الإيمان، لا، بل هو مؤمن لأن فعله للمعصية والذنب لا يخرجه من دائرة الإيمان والإسلام، لكنه عاصٍ بمعصيته، فإيمانه ناقص، فإيمانه ناقص، فهو مؤمن بإيمانه، فاسق بمعصيته. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن»، وهذا من أدلة الخوارج على تكفير صاحب الكبيرة، ليس معنى أنه كافر، وإنما المعنى أنه ناقص الإيمان، إذ لو أنه كان كامل الإيمان لما وقع في هذه الكبيرة، لما زنى ولما شرب الخمر، إلا لأن إيمانه ناقص. ويدل على ذلك على أن صاحب الكبيرة لا يكفر بارتكابه للكبيرة، ما أخبر الله عز وجل به في إطلاق لفظ الإيمان على من حصل منهم الاقتتال والقتال، كفر يعني أصغر، كفر أصغر وهو كبير من كبائر الذنوب. قال الله جل وعلا: ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾. سماهم مؤمنين مع أنه حصل بينهم الاقتتال والقتال، وهي كبيرة من كبائر الذنوب، ومع هذا لم يسلب جل وعلا عنهم اسم الإيمان، بل سماهم مؤمنين. وهذا في القصاص، قال الله جل وعلا: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ﴾. ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ﴾ أي القاتل، قاتل، قتل ووقع في كبيرة من كبائر الذنوب، ومع هذا يسميه الأجل على أخ، لو كان كافراً لما قال: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ﴾. وفي باب السارقة، الله عز وجل يقول: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾، ما قال: فاقطعوا رقابهما، لو كانت السارقة كفراً لأمر بقتل السارق لأنه وقع في الكفر، لكن قال: ﴿ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ لأنه مؤمن عاصٍ مذنب، ليس بكافر كما يقول الخوارج. فهذا موقف أهل السنة بين الطائفتين في هذا الباب، أنهم لا يجعلونه مؤمناً كامل الإيمان كما تقول المرجئة، بل إن المعصية تضر بإيمانه وتضعف إيمانه، ولا يكفرونه كما تقول الخوارج، بل هو مؤمن ناقص الإيمان، مؤمن بإيمانه، فاسق بمعصيته. وأما حكمه في الآخرة فهو تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له، وإن عذبه فإنه لا يخلد في النار كما تقول الخوارج والمعتزلة، بل يعذب فيها ما شاء الله ثم يكون مآله إلى الخروج وإلى دخول الجنة. قالوا: في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرافضة والخوارج. كذلك أيضاً أهل السنة والجماعة في باب أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام وسط بين الرافضة والخوارج. الرافضة الذين سموا بذلك، قيل لأنهم رفضوا زيد بن علي حين طلبوا منه أن يتبرأ من أبي بكر وعمر فأبى فرفضوه، فسموا بالرافضة. ومن عقائد الرافضة تكفير الصحابة رضي الله عنهم، وكذلك اتهام عائشة رضي الله عنها بما برأها الله عز وجل منه، وكذلك اعتقاد أن القرآن ناقص، وأن القرآن الكامل قرآن فاطمة، وكذلك يستبيحون دماء أهل السنة، وغير ذلك من العقائد الكفرية العظيمة. فهم في باب أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام يسبون الصحابة بل يكفرونهم إلا نفراً يسيراً، إلا نفراً يسيراً يستثنون أهل البيت ونفراً يسيراً، بقية الصحابة، فإنهم يكفرونهم، رضي الله تعالى عنهم. ويقابل هؤلاء الرافضة الخوارج، الخوارج الناصبة الذين نصبوا العداء على أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام، مقابل لما فعل الرافضة، الرافضة سبوا الصحابة وكفروهم، ظهر هؤلاء الخوارج الناصبة وطعنوا في آل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام. وأهل السنة وسط بين الطائفتين. طبعاً الخوارج الرافضة يعني أول ظهور لهم كان في زمن علي رضي الله عنه، لما أظهر عبدالله بن سبأ اليهودي الإسلام نفاقاً، عبدالله بن سبأ اليهودي أظهر الإسلام نفاقاً، ثم ألّه علياً رضي الله عنه، وحتى لما خرج علي رضي الله عنه فقالوا له: أنت هو، قال: ومن هو؟ قالوا: الله، قالوا: الله، فأمر علي رضي الله عنه بحفر الأخاديد وأمر بإلقائهم في النار، وقال: «لما رأيت الأمر أمراً منكراً أجججت ناري ودعوت قنبراً» أي غلامه، وهرب عبدالله بن سبأ هذا الخبيث وسلم من الهلاك، هو ما كذا، بدأت تظهر هذه الفرقة شيئاً فشيئاً حتى يعني انتشروا وظهروا في الكوفة، وغلوا في أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام، في علي وفاطمة والحسن والحسين، وأصبح لهم بعد ذلك يعني مذهباً وعقائد منحرفة. فقلنا: إن أهل السنة وسط بين الطائفتين، فهم يترضون عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم جميعاً، يترضون عن الصحابة رضي الله عنهم جميعاً، ويعرفون لهم فضلهم ومنزلتهم وقدرهم، ولا يسبون أحداً منهم ولا يتنقصون أحداً منهم كما يفعل الرافضة، ولا يطعنون في آل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام كما فعل الخوارج الناصبة، بل يترضون عن الصحابة جميعاً كما رضي الله جل وعلا عنهم في كتابه: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». قال: فصل، وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله الإيمان بما أخبر الله به في كتابه وتواتر عن رسوله وأجمع عليه سلف الأمة، من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه، عالٍ على خلقه، وهو سبحانه معهم أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون. كما جمع ذلك، جمع بين ذلك في قوله: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾. وليس معنى قوله: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ ﴾ أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان. نعم، علو الله سبحانه وتعالى واستواؤه على عرشه عز وجل أمر مجمع عليه كما مر سابقاً، وأنه نقل الإجماع على علو الله جل وعلا غير واحد من أهل العلم، كأبي عمر الطلمنكي، والإمام عبد البر، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والإمام الذهبي، وهكذا أيضاً نقل هذا عن الأئمة كالثوري وإسحاق وأحمد وغيرهم. والأدلة على ذلك كثيرة كما مر معنا في إثبات علو الله سبحانه وتعالى، وأنه جل وعلا في السماء، أي في العلو فوق سماواته، وأنه مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، وهو معهم بعلمه وإحاطته واطلاعه. ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا ﴾، ما يلج أي ما يدخل إلى هذه الأرض من قطر، من ماء، من حشرات، من حبوب، إلى آخره، وما يخرج منها من زرع، وهكذا أيضاً من حيوانات وحشرات، ﴿ وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ﴾، ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾، أينما تكونوا، فالله جل على معكم بعلمه وإحاطته، هذه المعية العامة، معية العلم والإحاطة، ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾، وهذا تأكيد أن المراد بهذه المعية ليست معية الذات، أن الله معنى بذاته، حاشا وكلا، وتعالى الله عز وجل عن ذلك علواً عظيماً. وإن المراد معية العلم والإحاطة والاطلاع، ولهذا قال: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾. وقوله جل وعلا: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ ﴾ كما أشار رحمه الله أنه لا يلزم منه المخالطة، مخالطته للخلق، فإن هذا لا تقتضيه اللغة، ولا يفهم منه أنك إذا قلت أن الشيء الفلاني معناه أن يكون مخالطاً لك، كما نقول في القمر: سرنا والقمر معنا، سرنا والقمر معنا، هل يفهم من هذا أن القمر بجانبك مخالط لك؟ الجواب: لا، القمر في محله، في محله في العلو في الارتفاع، وهو معك حقيقة، معك حقيقة، أنك تراه ولا يغيب عنك، وتستضيء بنوره. فإذا كان ثبت مثل هذا في المخلوقين، بمعية لا تفيد الاختلاط، فكذلك من باب أولى معية الله جل وعلا لخلقه، وأنه جل وعلا معهم معية لا تستلزم المخالطة. قال: وهو سبحانه فوق عرشه، رقيب على خلقه، مهيمن عليهم، مطلع عليهم، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته. فهو جل وعلا مستوٍ على عرشه، عالٍ على جميع خلقه، وهو قريب منهم بعلمه وإحاطته. قال: وكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق العرش، وأنه معية على حق، على حقيقته، لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة، مثل أن يظن أن ظاهر قوله: في السماء، أن السماء تظله أو تقله، تظله يعني فوقه، وتقله يعني تحته. قال: وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان، فإن الله قد وسع كرسيه السماوات والأرض، وهو يمسك السماوات والأرض أن تزول، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ﴾، وهذا يدلنا على عظيم خلق الله سبحانه، على عظيم الخالق جل وعلا. وإذا كان كرسيه قد وسع السماوات والأرض، والكرسي كما قال ابن عباس: موضع القدمين، موضع القدمين، والعرش بالنسبة للكرسي كحلقة ملقاة في فلاة، كحلقة ملقاة في فلاة، والله عز وجل يخبر أن كرسيه وسع السماوات والأرض، فكيف يظن أن إذا قلنا أن الله في السماء أن السماء تحيط به جل وعلا؟ هذا لا شك أنه باطل، فالله عز وجل لا يحيط به شيء من خلقه سبحانه وتعالى. فإننا نثبت لله جل وعلا العلو، وكذلك استواءه على عرشه جل وعلا، استواء يليق بجلاله، وننزهه جل وعلا عن معاني النقص. وكذلك أيضاً كل معاني فيها شيء مما ينافي كمال الخالق سبحانه وتعالى. ولا نقول كما يقول أهل التعطيل: إن قلنا إن الله في السماء جعلنا السماء ظرفاً لله وأحاطت بالله سبحانه وتعالى، إذن ننفي له، والله هذا باطل، ما نقول أن السماء تحيط بالله عز وجل، الله ما يحيط به شيء، الله جل وعلا يمسك السماء والأرض، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ﴾، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، كيف ستكون محيطاً به؟ هذا لا شك أنه معنى باطل، ننزه الله سبحانه وتعالى عنه. وإذا علمنا أن الله جل وعلا في العلو، فاعتقاد غير هذا المعتقد نعلم أنه باطل، كاعتقاد المتصوفة أن الله في كل مكان، أو اعتقاد بعض أهل الباطل الذين يقولون: إن الله كان وليس له مكان، وهو الآن على ما كان، يعني بلا مكان، أو من يقول بأن الله حل في جميع مخلوقاته، وهو اعتقاد أهل الحلول والاتحاد من غلات الباطنية وغلات الصوفية، هذا أيضاً من الباطل. فالله جل وعلا منزه عن ذلك كله سبحانه وتعالى، بل هو مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، محيط وعالم بأمور خلقه، لا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى. قال: فصل، وقد دخل في ذلك الإيمان بأنه قريب مجيب، كما جمع بين ذلك في قوله: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾ الآية. هذه المراوح لو تقف، الأحسن المراوح هذه زايدة من أجل ما تنتهي البطارية، وهذه أيضاً. قال: وقد دخل في ذلك الإيمان بأنه قريب مجيب، كما جمع ذلك في قوله: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾ الآية، وقوله: «إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته»، وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته، فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو علي في دنوه، قريب في علوه. يشير رحمه الله هنا إلى أن إثبات علو الله سبحانه وتعالى لا ينافي قرب الخالق جل وعلا من عباده، وأنه قريب مجيب لهم، وهذا القرب قرب إحاطة وعلم، لا قرب مخالطة، كما نبه على ذلك سابقاً. فهو قريب جل وعلا بعلمه وإحاطته واطلاعه، ويسمع دعاء عباده إذا سألوه، ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾، فهو قريب جل وعلا من عباده مع علوه جل وعلا واستوائه على عرشه. وهكذا قول النبي عليه الصلاة والسلام لما سمع الصحابة وهم يرفعون أصواتهم: «إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته»، يعني ليس ببعيد عنكم، يسمع أصواتكم ويسمع دعاءكم ويستجيب لأحدكم. فإثبات علو الله جل وعلا لا ينافي قربه سبحانه وتعالى، كما أشار رحمه الله، من أن ما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته، فهو جل وعلا ليس كمثله شيء في جميع نعوته، يعني الله جل وعلا لا يماثل المخلوقين، هذا شيء قد ينتفي في حق المخلوق أن يكون بعيداً وهو قريب، أن يكون بعيداً وهو قريب، نعم هذا في المخلوق مستحيل، لكن الله عز وجل لا يماثل بخلقه جل وعلا، فهو مع علوه واستوائه على عرشه وفوقيته، فهو كذلك قريب من خلقه بعلمه وإحاطته واطلاعه سبحانه وتعالى. قالوا: من الإيمان بالله وكتبه، الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأن الله تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم هو كلام الله حقيقة، لا كلام غيره، ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله، أو عبارة، بل إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله تعالى حقيقة، فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئاً، لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً. وهو كلام الله حروفه ومعانيه، ليس كلام الله الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف. كذلك أيضاً من الإيمان بالله، الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق. نعم، القرآن كلام الله وصفة من صفات الله، لأن الكلام من صفات الله سبحانه وتعالى، وإضافة القرآن إلى الله من إضافة الصفة إلى الموصوف، من إضافة الصفة إلى الموصوف،