الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 64، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يبيّن المقطع منهج أهل السنة في التحذير من المبتدعين الذين يخرجون على ولاة الأمر، مستشهداً بحال الحسن بن صالح وتحذير سفيان الثوري منه. ويقرر أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يكون بالخروج على الولاة بل بالتعاون معهم، ومن خرج عن طاعتهم فقد افتات ووقع في الفتنة.
يسرد المقطع تفاصيل خروج جماعة الحسن بن صالح على الولاة واستحلالهم تغيير المنكرات بالقوة، مع ذكر تحذير السلف كيزيد بن هارون ويوسف بن أسباط منهم. ثم ينتقل إلى موقف الإمام أحمد بن حنبل في تكفير من قال بخلق اللفظ بالقرآن، ورده على الكرابيسي الجهمي متّهماً إياه بالكذب والخيانة للعلم.
يختتم المتحدث المجلس بالدعاء المأثور «سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك». ويذكر اسم المترجمة نانسي قنقر مرتين في ختام الجلسة.
بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف حفظه الله تعالى في «الدر المنثور من القول المأثور في الأثر» التسعون بعد الثلاثمئة: قال أبو نعيم وهو الفضل ابن دكين من مشايخ الإمام البخاري رحمه الله: ذكر الحسن بن صالح عند الثوري فقال: ذاك رجل يرى السيف على أمة محمد صلى الله عليه وسلم. والحسن بن صالح كما تقدم أنه كان رأسا في هذا الأمر وهو فتنة الخروج على ولاة الأمور، وكان يرى السيف. والحسن بن صالح من المحدثين، يعني مذكور أنه من المحدثين، فمهما كان الشخص منسوبا إلى أهل الحديث أو إلى أهل العلم فإنه إن ظهرت منه بدعة خطيرة مثل هذه الخروج بالسيف على ولاة الأمور فإن أهل العلم يحذرون منه ومن فتنته. فذكر هذا الرجل باسمه كما هو مبوب له في هذا الباب أنه لا بأس بذكر الأسماء إذا اقتضت الحاجة أو عند السؤال، يسأل عن فلان ما حاله فيبين حال ذلك الرجل لمن يعرفه ومن اختبره وعرف أنه ليس على منهج أهل السنة والجماعة. فبعض الناس يقولون: لا تذكر الأسماء، لا تذكر الأسماء. بل نقول: يذكر الأسماء، فإن من منهج أهل السنة والجماعة إذا احتيج إلى ذكر الاسم يذكر الاسم تحذيرا للأمة منه. وقلنا أن هذا الباب يحتاج إلى الورع، يحتاج إلى تقوى الله سبحانه وتعالى، لأن الأصل هو حرمة أعراض المسلمين، هذا هو الأصل. لكن من انتهك عرضه بفعل شيء من البدع ولهو فقد استحق أن ينتهك عرضه لأنه خرج عن هذا الأصل العظيم. قال بشر بن الحارث الحافي رحمه الله. وبشر بن الحارث قد كان الإمام أحمد يجله ويرى أنه من الأئمة الكبار، وقد ذكر في أهل التصوف يعني الصوفية يذكرونه بكثرة. وبشر بن الحارث الحافي إذا ذكر في الصوفية فالمراد به ما كان من التقشف وما كان من الزهد في الدنيا لأنه كان كذلك رحمه الله. فيرى الإمام أحمد هذا أنه من الأئمة أي من الكبار الذين يؤخذ عنهم، فإنه كان منسوبا إلى الزهد وكان منسوبا كذلك إلى الورع، وما كان يأكل إلا من عمل يده، وما كان يأخذ من أحد شيئا. قال: كان زائدة يجلس في المسجد يحذر الناس من ابن حي وهو الحسن بن صالح المذكور في السند المتقدم أو مذكور في الأثر المتقدم. قال: يحذر الناس من ابن حي وأصحابه. قال: وكانوا يرون السيف. وقد دخل هؤلاء من باب يسمى باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الحسن بن صالح بن حي فاعتزل الناس فكان يرى التغيير بالسيف ولا يرى ذلك لولاة الأمور. فإن التغيير يكون إذا اقتضت الحاجة يكون باليد، ولكن إذا عجزت عن تطبيقه وستكون فتنة فإن هذا ليس لك. وخصوصا الأمور الكبيرة في الأمة، فإن الله وضع ولاة الأمور هم الذين يغيرون المنكرات وأنت تعينهم على تغيير المنكرات. لكن أن تخرج عليهم وتجعل لك جماعة تسمى جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون إذن من ولاة الأمور فهذا افتئات، فهذا افتئات على ولاة الأمور. يدخلون للناس: نحن نريد تغيير المنكرات، ولابد أن نغير بالقوة، المعاصي منتشرة. فيذكرون جناسا من المعاصي فيبدأون في التغيير دون إذن من ولي الأمر فتحصل الفتنة. يعني كما يقال يطبقون الحدود من ذات أنفسهم، فيذهبون إلى المحلات مثلا فيقولون لهذا التاجر: أخرج زكاة مالك، أنت لا تخرج زكاة مالك. فبعد ذلك يأخذون منه المال بالقوة وربما عاقبوه أمام الناس فضربوه بالسياط ليكون عبرة لغيره. فآكد يذهبون إلى أرباب التجارات والصناعات وغيرهم ويفعلون فيهم الأشياء العظيمة. كل ذلك من أجل أن يهابهم وأن يخافهم الناس. فهم كانوا يتحيزون في شوكة وكان كبيرهم هذا وهو الحسن بن صالح ابن حي. فيبدأون في دعوتهم ويأتون بالشخص فيقولون له: إما أن تأتي معنا وإما أننا نجلدك ونسجنك ونضربك ويخوفونهم بهذا. فهكذا شأن هؤلاء الذين يخرجون على ولاة الأمور عندما يستقطبون بعض الأشخاص، فإما أن يهددوه وإما أن يغروه على حسبه. وقد يغروه بالمال ويقولون: نحن نعطيك كذا وكذا وتأتي معنا ونغير هذه المنكرات وعندنا قدرة وعندنا استطاعة ونحو ذلك. فتحذير السلف رحمهم الله من أشخاص بأعيانهم هذا موجود، هذا موجود في زمانهم. فبشر بن الحارث ذكر عن زائدة رحمه الله أنه كان يجلس في المسجد ويحدر من هذا الشخص ومن أتباعه. قال أبو صالح الفراء رحمه الله: ذكرت ليوسف بن أسباط ابن أسباط عن وكيع شيئا من أمر الفتن فقال: ذاك يشبه أستاذه، يعني الحسن بن صالح أو الحسن بن حي. فقال: فقلت ليوسف: ما تخاف أن تكون هذه غيبة؟ فقال: لما يا أحمق، أنا خير لهؤلاء من آبائهم وأمهاتهم، أنا أنهى الناس عن أن يعملوا بما أحدثوا فنتبعهم أو زارهم، ومن أطراهم كان أضر عليهم. هكذا قال يوسف بن أسباط رحمه الله تعالى أنه تذاكر شيئا من أمر الفتن فقال: ذاك يشبه أستاذه الحسن بن صالح. والمراد هو التحذير من الحسن بن صالح بن حي، وإلا فإن وكيع بن الجراح رحمه الله تعالى أيضا كان من أئمة أهل السنة. قال عبد الله بن أحمد رحمه الله: سمعت أبي يقول: من قال لفظي بالقرآن مخلوق هذا كلام رديء وهو كلام الجهمية. قلت له: إن الكرابيسي حسين يقول هذا. فقال: كذب، حتكه الله الخبيث. وقال: قد خلف هذا بشر المريسي. يعني أن الإمام أحمد رحمه الله يقول: أن من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو كلام سوء رديء وهو كلام الجهمية. يعني هذا من كلام الجهمية يريد أن يتوصل إلى أن كلام الله عز وجل مخلوق. فالجهمية هي من أتت بهذا الأمر وكان على رأسهم بشر بن غياث المريسي. هذا من أظهر هذه البدعة وزينها. ولاة الأمور والكرابيسي كان في عهد الإمام أحمد وكان أيضا مشهورا بالحديث، كان من العلماء لكنه كان يجالس أهل الأهواء والبدعة. فلما كان يجالسهم أخذ منهم هذه البدعة فقال بمقالتهم وهي مسألة اللفظ، مسألة اللفظ. فلهذا الإمام أحمد لما ذكر له الكرابيسي حذر منه وقال: كذب، حتكه الله الخبيث. هذا يعني رجل خبيث يريد أن يتوصل بمقالة بشر المريسي إلى كلام الجهمية وينشرها في الناس. فهذا من باب التحذير، تحذير السلف من أشخاص بأعيانهم. إذن مر معنا أن النبي عليه الصلاة والسلام حذر من ذي الخويصرة وعينه باسمه، كما حذر عليه الصلاة والسلام من ذاك الرجل فقال: بئس أخ العشيرة هو. وأيضا السلف الصالح حذروا من الحسن بن صالح وعينوه باسمه، والإمام أحمد حذر من الكرابيسي، وأيضا حذروا من الجهم بن صفوان، وحذروا من الجعد بن درهم، وحذروا من بشر بن غياث المريسي، وهكذا أيضا حذروا من واصل بن عطاء وغير واحد. ذكروهم السلف لأنهم أظهروا البدع في الناس سواء كانت بدعة الخوارج أو بدعة الجهمية أو بدعة القدرية أو غير ذلك من البدع التي ظهرت في زمانهم. قال عبد الله بن أحمد رحمه الله: سألت أبا ثور إبراهيم بن خالد عن حسين الكرابيسي فتكلم فيه بكلام سوء رديء. وقال محمد بن الحسن بن هارون الموصلي رحمه الله: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن قول الكرابيسي: نطقي بالقرآن مخلوق. فقال أبو عبد الله: إياك، يعني الإمام أحمد يقول له: إياك إياك وهذا الكرابيسي لا تكلمه ولا تكلم من يكلمه، أربع مرات أو خمس مرات. هكذا حذر منه الإمام أحمد الحسين الكرابيسي. مع أنه إذا سئل عن الإمام أحمد أثنى على الإمام أحمد. هذا الكرابيسي فقد يثنون على كبار العلماء في زمانهم. والإمام أحمد معروف عند الناس قاطبة أنه إمام أهل السنة والجماعة. من تكلم في الإمام أحمد رحمه الله عرف أنه رجل سوء، فإنه لا يتكلم أحد في الإمام أحمد رحمه الله ويطعن فيه لأنه إمام ذلك الزمان. فكان إذا سئل عن الإمام أحمد يقول: مثل من يتكلم في أحمد كمثل رجل يأتي إلى جبل وينطحه بقرنيه، يعني مثل الثور إذا نطح الجبل هل يؤثر فيه؟ يؤثر. وذكر الجبل أبا قبيس. قال: مثل من يأتي إلى أبي قبيس يريد أن ينزعه من مكانه، فأنا له ذلك. هكذا يملي يسأل عن إمام أحمد رحمه الله تعالى. وهذه تقية، يعني أنا ما أتكلم في العلماء. لكن العلماء عرفوا مقصد هذا الرجل. فقد يكون هذا المبتدع المحذر منه يثني على العلماء لكن العلماء لا يبالون بهذا الثناء إذا عرفوا مقصده. عرف مقصد الكرابيسي بهذا وأنه يريد أن يتوصل بثنائه مثلا عن الإمام أحمد أنه يريد أن يتوصل أن يكون معظما عند الناس ومقبولا كلامه. ولكن الإمام أحمد ما منعه أن يحذر الناس لأنه عرف بدعة الكرابيسي وأنه يمشي على طريق الجهمية. فالعلماء لهم نظرة ثاقبة عندما يجتمعون ويتكلمون على رجل وأنه قد خرج عن منهج أهل السنة والجماعة يحذرون الأمة منه وينزلون ربما بيانا في شأن هذا الرجل. فالعلماء لهم نظرة آتاهم الله عز وجل بصيرة في هذا الأمر. هذا ما يتعلق بهذه الآثار في هذا الباب، وإن شاء الله بقيت آثار أخرى نذكرها إن شاء الله في دروس قادمة. إلى هنا وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر