شرح نواقض الإسلام  3

شرح نواقض الإسلام 3

الدرس في شرح نواقض الإسلام 3، نبذة عن المؤلف والكتاب . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في نواقض الإسلام وأهمية العلم

يبدأ المؤلف كتابه بالتنبيه على أهمية العلم في فهم العقيدة الصحيحة، ويشرح معنى نواقض الإسلام. نواقض الإسلام هي الأمور التي تفسد الإسلام وتبطله.

التحذير من نواقض الإسلام وبيان خطرها

يُنبه المؤلف على أن الإسلام له نواقض يمكن أن تخرج الشخص من دينه، ويشدد على أهمية معرفة هذه النواقض والتحذير منها. يُستشهد بدعاء إبراهيم عليه السلام للتحذير من الوقوع في الكفر أو الضلال.

بيان معنى الإسلام وانقسامه

الإسلام ينقسم إلى قسمين: إسلام كوني وهو الخضوع لله، وإسلام شرعي وهو الاستسلام لله بالتوحيد والطاعة والبراءة من الشرك. الإسلام الشرعي ينقسم إلى إسلام عام وإسلام خاص جاء به النبي محمد.

الرد على دعوات قبول الأديان الأخرى

رد بعض العلماء على دعوة قبول الأديان الأخرى، مؤكدين أن الإسلام هو الدين الوحيد المقبول عند الله. يُذكر قصة تبين وقوع بعض المسلمين في هذه الدعوة الباطلة.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، لَازِلْنَا فِي ذِكْرِ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي قَوْلِهِ: "اعْلَمْ أَنَّ نَوَاقِضَ الْإِسْلَامِ عَشَرَةٌ". وَذَكَرْنَا أَوَّلَ مَسَائِلٍ تَتَعَلَّقُ بِالْبَسْمَلَةِ مِنْ حُكْمِهَا، وَمَنْ ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ فَوَائِدِهَا. ثُمَّ تَوَقَّفْنَا عِنْدَ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- حِينَ قَالَ: "اعْلَمْ". وَقُلْنَا: إِنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ يُسْتَفَادُ مِنْهَا التَّنْبِيهُ، وَفِيهَا بَيَانٌ لِفَضْلِ الْعِلْمِ، وَأَنَّ هَذَا الْبَابَ -أَيْ بَابَ الْمُعْتَقَدِ- لَا يُؤْخَذُ إِلَّا بِالْعِلْمِ، لَيْسَ بِعَاطِفَةٍ، وَلَيْسَ عَنْ هَوًى. كَمَا قَالَ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مُوَحِّدًا وَيَكُونَ دَاعِيَةً إِلَى التَّوْحِيدِ وَالْمُعْتَقَدِ الصَّحِيحِ، فَهَذَا لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْعِلْمِ. فَبَدَأَ رَبُّنَا وَأَمَرَ بِالْعِلْمِ قَبْلَ التَّوْحِيدِ وَقَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ. وَكَذَلِكَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ دَاعِيَةً يَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَابُدَّ لَهُ مِنْ الْعِلْمِ. قَالَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ أَيْ عَلَى عِلْمٍ. وَلَابُدَّ لِلدَّاعِيَةِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَكُونَ دَاعِيَةً يَدْعُو النَّاسَ إِلَى دِينِ اللَّهِ أَنْ يَتَخَلَّقَ بِالْعِلْمِ. بَلْ حَتَّى الْعِبَادَةُ إِذَا أَرَادَ الشَّخْصُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ عِبَادَةٍ وَذُو عِبَادَةٍ، عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ يَتَحَلَّى بِالْعِلْمِ. قَالَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، أُولَئِكَ هُمُ الْعُلَمَاءُ، أَهْلُ الْعِبَادَةِ، أَهْلُ الْخَشْيَةِ، وَغَيْرِهَا مِنْ الْفَضَائِلِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: "اعْلَمْ أَنَّ نَوَاقِضَ الْإِسْلَامِ عَشَرَةٌ". نَوَاقِضُ: جَمْعُ نَاقِضٍ، وَالنَّاقِضُ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّقْضِ، وَمَعْنَى النَّقْضِ: الْحَلُّ وَالْإِفْسَادُ وَالْإِبْطَالُ. فَالْعُلَمَاءُ يُسَمُّونَ الْأُمُورَ الَّتِي تَفْسِدُ الْإِسْلَامَ نَوَاقِضَ. وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾، أَيْ فَكَّتْهُ وَحَلَّتْهُ. فَنَوَاقِضُ الْإِسْلَامِ: هِيَ الْأُمُورُ الَّتِي تَفْسِدُ الْإِسْلَامَ وَتُبْطِلُهُ. وَهَذَا يُشْبِهُ مَا يُقَالُ فِي بَابِ الْفِقْهِ: نَوَاقِضُ الطَّهَارَةِ، نَوَاقِضُ الصَّلَاةِ، أَيْ: الْأُمُورُ الَّتِي تَفْسِدُ الصَّلَاةَ وَتَفْسِدُ الطَّهَارَةَ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: "نَوَاقِضُ الْإِسْلَامِ". مِنْ خِلَالِ فَهْمِنَا لِمَعْنَى النَّوَاقِضِ، يَضْحَكُ مَعْنَى الْعِبَارَةِ: نَوَاقِضُ الْإِسْلَامِ. أَرَادَ الْمُؤَلِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَهُ نَوَاقِضُ، أَيْ: أَنَّ هُنَاكَ أَشْيَاءَ تَفْسِدُهُ وَتُبْطِلُهُ. وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ لَهُ نَوَاقِضُ. وَذَكَرْنَا فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّ بَعْضَ الصُّوفِيَّةِ وَمَنْ كَانَ عَلَى مَنْوَالِهِمْ يَقُولُونَ: إِنَّ مَنْ قَالَ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" لَا يَكْفُرُ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ الدِّينِ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ الْمِلَّةِ. فَهَذِهِ الرِّسَالَةُ وَفِي قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ: "اعْلَمْ أَنَّ نَوَاقِضَ الْإِسْلَامِ عَشَرَةٌ" رَدٌّ عَلَيْهِمْ. وَأَرَادَ الْمُؤَلِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ لَهُ نَوَاقِضُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ أَتَى بِالْإِسْلَامِ يَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ. كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ حِينَمَا تُصَلِّي، تَعْرِفُ أَنَّ هُنَاكَ أَشْيَاءَ إِنْ فَعَلْتَهَا فِي الصَّلَاةِ تَفْسِدُ عَلَيْكَ الصَّلَاةَ. فَاعْلَمْ أَنَّ لِلْإِسْلَامِ نَوَاقِضَ، مَتَى مَا ارْتَكَبْتَهَا تَخْرُجُ عَنْ هَذَا الدِّينِ. وَفِيهَا فَائِدَةٌ ثَانِيَةٌ: وَهِيَ الْحَذَرُ مِنْ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ. كَمْ مِنْ شَخْصٍ يَسْمَعُ عَنْ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ وَيَسْمَعُ عَنْ أَعْمَالِ الرِّدَّةِ وَأَقْوَالِ الرِّدَّةِ، لَكِنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ يَظُنُّ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَيْسَ لَهُ، وَإِنَّمَا نَوَاقِضُ الْإِسْلَامِ وَأُمُورُ الرِّدَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْعَوَامِّ. وَلَكِنَّ الْعَبْدَ مَهْمَا كَانَ حَالُهُ وَمَهْمَا كَانَ عِلْمُهُ وَتَقْوَاهُ، عَلَيْهِ أَنْ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الضَّلَالِ، بَلْ وَيَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْكُفْرِ. لِأَنَّهُ لَا أَحَدَ مِنْهُمْ ضَامِنٌ عَلَى رَبِّهِ أَنَّهُ سَيَبْقَى مُسْلِمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. وَلِهَذَا فَإِذَا عَلِمْنَا أَنَّ الْإِسْلَامَ لَهُ نَوَاقِضُ، كَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا -مَهْمَا كَانَ حَالُهُ وَمَقْدَارُهُ وَعِلْمُهُ وَرِعْيُهُ وَتَقْوَاهُ- أَنْ يَتَحَرَّزَ وَيَبْحَثَ عَنْ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ، وَيَفْهَمَهَا وَيَتَعَلَّمَهَا. قَالَ حُذَيْفَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ-: "كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي". وَمَنْ يَتَكَلَّمُ بِهَذَا الْكَلَامِ؟ حُذَيْفَةُ، صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي أَثْنَى عَلَيْهِ نَبِيُّنَا -عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامُ- فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ. وَمِمَّنْ أُوتِيَ عِلْمًا وَوَرَعًا وَخَوْفًا. وَمَعَ ذَلِكَ يَقُولُ: "أَسْأَلُ عَنْ أَضْدَادِ الشَّرِّ لَا لِكَيْ أَتَتَبَّعَهَا، وَلَكِنْ لِأَعْلَمَهَا حَتَّى لَا أَقَعَ فِيهَا". وَقَدْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أَنَّ الْإِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- كَانَ مِنْ دُعَائِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. وَقَالَ: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامِ﴾. فَالْإِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ مِنْ أَنْ يَعْبُدَ الْأَصْنَامَ، وَيَخْشَى عَلَى بَنِيهِ مِنْ أَنْ يَعْبُدُوا الْأَصْنَامَ. فَإِذَا كَانَ هَذَا حَالُ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، فَنَحْنُ مِنْ بَابِ أَوْلَى وَأَحْرَى أَنْ نَخْشَى عَلَى أَنْفُسِنَا مِنْ أَنْ نَقَعَ فِي الضَّلَالِ وَالْكُفْرِ. وَبَعْضُ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ قَدْ تَكُونُ خَفِيَّةً، بَعْضُهَا قَدْ يَكُونُ خَفِيًّا عَلَى النَّاسِ. فَيَظُنُّ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ أَنَّ نَوَاقِضَ الْإِسْلَامِ مِثْلُ السُّجُودِ لِلصَّنَمِ، أَوْ مِثْلُ الْكُفْرِ الْجَلِيِّ. وَيَنْسَى أَنَّ هُنَاكَ نَوَاقِضَ خَفِيَّةً يَقَعُ فِيهَا النَّاسُ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَاعْتِقَادَاتِهِمْ وَتَطَرُّفَاتِهِمْ. فَإِذَا عَلِمْنَا هَذَا، كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَكْبَرِ الدَّوَاعِي عَلَى أَنْ نَنْظُرَ إِلَى نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ، وَنَعْرِفَ مَا هِيَ الْأَشْيَاءُ الَّتِي تُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ وَتُخْرِجُ مِنَ الدِّينِ. وَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ -رَعَاهُ اللَّهُ- قِصَّةً فِي بَيَانِ هَذَا الْأَمْرِ، وَكَيْفَ أَنَّ الشِّرْكَ قَدْ يَكُونُ خَفِيًّا حَتَّى عَلَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَأَمَّا مَعْنَى الْإِسْلَامِ، فَالْعُلَمَاءُ يَقُولُونَ: إِنَّ الْإِسْلَامَ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: إِلَى إِسْلَامٍ كَوْنِيٍّ، وَإِلَى إِسْلَامٍ شَرْعِيٍّ. فَالْإِسْلَامُ الْكَوْنِيُّ: هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِمَعْنَى الْخُضُوعِ وَالذُّلِّ وَالِاسْتِسْلَامِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْإِسْلَامِ الْكَوْنِيِّ، مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ يَخْرُجُ عَنْهُ. كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾. فَهَذَا الْإِسْلَامُ الْكَوْنِيُّ، مَا أَحَدٌ يَخْرُجُ عَنْهُ، لِأَنَّ الْكُلَّ يَخْضَعُ لِأَمْرِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا. وَأَمَّا الْإِسْلَامُ الشَّرْعِيُّ: فَهُوَ الَّذِي يَحِبُّهُ اللَّهُ وَيُرِيدُهُ مِنْ عِبَادِهِ، أَنْ يَكُونُوا عَلَيْهِ. وَهُوَ الِاسْتِسْلَامُ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالِانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالْبَرَاءَةُ مِنْ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ. وَفِي تَعْرِيفِ الْإِسْلَامِ، يَقُولُ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الِاسْتِسْلَامُ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالِانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالْبَرَاءَةُ مِنْ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَدَلَ لَفْظَةِ "الْبَرَاءَةِ" لَفْظَةَ "الْخُلُوصِ". وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ وَالَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ لَفْظَةَ "الْبَرَاءَةِ" هِيَ الْأَصْوَبُ وَهِيَ الْأَفْضَلُ. لِأَنَّهَا لَفْظَةُ الْقُرْآنِ، وَلِأَنَّ الْبَرَاءَةَ تَتَضَمَّنُ مَعْنَى الْخُلُوصِ وَزِيَادَةً، وَهُوَ الْبُغْضُ وَالْكَرَاهِيَةُ لِلْمُشْرِكِينَ. وَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي كِتَابِهِ "الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ" تَعْرِيفَ الْإِسْلَامِ بِالْبَرَاءَةِ. وَالْإِسْلَامُ الشَّرْعِيُّ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: إِلَى إِسْلَامٍ عَامٍّ، وَإِلَى إِسْلَامٍ خَاصٍّ. فَالْإِسْلَامُ الْعَامُّ: هُوَ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ جَمِيعُ الْأَدْيَانِ وَجَمِيعُ الرِّسَالَتِ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ بِهَا الْأَنْبِيَاءَ. فَكُلُّ نَبِيٍّ جَاءَ بِدِينِ الْإِسْلَامِ، وَمَنْ كَانَ عَلَى شَرِيعَتِهِ كَانَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: ﴿وَمَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾. وَكَذَلِكَ قَالَ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾. وَكَذَلِكَ قَالَ عِيسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. فَهَذَا الْإِسْلَامُ الْعَامُّ، هُوَ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ جَمِيعُ الرِّسَالَتِ وَجَمِيعُ الْأَدْيَانِ. وَأَمَّا الْإِسْلَامُ الْخَاصُّ: فَهُوَ الَّذِي جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَهُوَ الْمُهَيْمِنُ عَلَى جَمِيعِ الْأَدْيَانِ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ دِينٌ غَيْرُهُ. كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ أَيَّ شَخْصٍ يَأْتِي بِدِينٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ الْخَاصِّ الَّذِي جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالْخَسَارِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ: الدَّعْوَةُ إِلَى تَوْحِيدِ الْأَدْيَانِ، وَجَمْعِ الْأَدْيَانِ، وَالْإِخَاءِ الدِّينِيِّ، وَالتَّضَامُنِ الدِّينِيِّ، وَالْمِلَّةِ الْإِبْرَاهِيمِيَّةِ. وَهَذِهِ الدَّعْوَةُ قَدْ سَعَى إِلَيْهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَبَعْضُ الْمُفَكِّرِينَ، وَقَدْ طَبَعُوا كُتُبًا مُقَدَّسَةً تَجْمَعُ بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالْإِنْجِيلِ وَالتَّوْرَاةِ. وَقَدْ جَعَلُوا أَمَاكِنَ الْعِبَادَةِ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ جَمِيعًا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ. وَهَذِهِ الدَّعْوَةُ بَاطِلَةٌ، لِأَنَّهَا تَدْعُو إِلَى الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ، وَلِأَنَّهَا تَجْمَعُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ. وَقَدْ رَدَّ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَةِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَبَيَّنُوا أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الدِّينُ الْوَاحِدُ الَّذِي لَا يُقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ دِينٌ غَيْرُهُ. وَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُنَا مُقْبِلٌ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- قِصَّةً فِي هَذَا الْبَابِ، وَكَيْفَ أَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ وَقَعُوا فِي هَذِهِ الدَّعْوَةِ الْبَاطِلَةِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.