الدرس في شرح كتاب التوحيد مختصر 16، الدرس السادس عشر:من( باب قول الله تعالى:وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ... باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
التوكل هو الاعتماد على الله لجلب الخير أو دفع الشر، وهو شرط للإيمان وطاعة لله. كلما قوي إيمان العبد، كان توكله أقوى.
يجب على المؤمن أن يكون بين الخوف والرجاء، ولا يأمن مكر الله ولا يقنط من رحمته. الأمن من مكر الله والقنوط من رحمته من الكبائر.
حرم النبي أفعال الجاهلية عند المصائب لأنها تنافي الصبر على قضاء الله. الله يعجل العقوبة للمؤمن في الدنيا لتكفير ذنوبه.
الابتلاء تكفير للسيئات ورفع للدرجات، وعلامة على محبة الله للعبد. يجب على العبد أن يصبر ويرضى بقضاء الله ليحصل على الرضا.
واشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، الآية، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآيات تحت هذا الباب. ومر معنا في الدرس الماضي أن المؤلف رحمه الله تعالى إذا بوب بابا ولم يذكر له ترجمة، فهذا يحتمل لعدة احتمالات، ومنها أن ما ذكره من الآيات هو التبويب. وكما تلاحظون، أورد المؤلف رحمه الله تعالى الآيات الدالة على التوكل. التوكل إخواني في الله معناه كما يقولها العلماء لغة هو التفويض. التوكل هو التفويض، يقولون: وكلت الأمر إليك، أي فوضته. هذا التوكل لغة. وكلت الأمر إليك، أي فوضته. واصطلاحا هو الاعتماد على الله لجلب الخير أو دفع شر. الاعتماد على الله، الاعتماد على الله لجلب الخير ودفع الشر. التوكل كما يقول العلماء يعتبر من أجمع أنواع الطاعات، ومن أعلى مقامات التوحيد. ولعظم أمر التوكل أمر الله جل وعلا به لعلو شأنه ولأهميته في ديننا، فإن الشرع أمر به كما سيأتي في هذه الآيات. بل جعله ربنا شرطا للإيمان. تكلم ابن القيم رحمه الله تعالى بكلام نفيس حول التوكل كما في كتابه "طريق الهجرتين". وألمح رحمه الله تعالى عظم منزلة التوكل. ومن عظمة هذا التوكل أن الله جل وعلا يقرنه بأشياء، يذكر التوكل يقرنه مع الإسلام، يذكر التوكل يقرنه مع الإيمان، يذكر التوكل يقرنه مع التقوى، يذكر التوكل يقرنه مع العبادة. يدل ذلك على أن العبادات كلها تفتقر إلى التوكل. ولهذا ذكر بعض السلف أن منزلة التوكل في الإسلام كمنزلة الرأس للجسد. قال بعض العلماء: منزلة التوكل في الإسلام كمنزلة الرأس للجسد. تخيل أنت معك جسد من غير رأس، ما ينفع الجسد. وهكذا الإسلام، إن كان عندك إسلام من غير توكل، فلا ينفع إسلامك. فلابد من التوكل على الله جل وعلا. والتوكل له حقيقة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. جعل ربنا جل وعلا من شروط الإيمان التوكل، يتوكل على الله من كان مؤمنا. علق ابن القيم رحمه الله تعالى على هذه الآية بقوله: وكلما قوي إيمان العبد، كان توكله أقوى. وإذا ضعف إيمان العبد، ضعف توكله. فكلما قوي إيمان العبد، قوي توكله. فالتوكل يا عبد الله يعتبر مقياسا ومعيارا لقوة إيمانك. الإيمان ليس تلفظا باللسان وتمني بالأمان، لا، هو برهان يبرهن على الإيمان الذي في قلبك. توكلك إذا كنت أنت في أمورك متوكل مفوض لله جل وعلا، أعلم أنك قوي الإيمان. وإن كان من أمرك يا عبد الله الخنوع في هذا الباب، والنظر في الأسباب والاعتماد على المخلوقين، دل ذلك على ضعف الإيمان. قال: وقولهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، الشاهد من هذه الآية: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. ذكر ربنا جل وعلا أن من صفات المؤمنين أنهم على ربهم يتوكلون. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾، والحسب هو الكافي. يا أيها النبي حسبك الله، أي كافيك الله. وتمام الآية: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي أن الله حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين، أي أن الله كافيك وكافي من اتبعك من المؤمنين. وهذه الحقيقة لو استشعر بها العبد، وعلم أن الله جل وعلا هو كافي الخلائق، كافي الإنس وكافي الجن، لم يعتمد الناس على أحد سوى الله. قال: وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، أي أن الله كافيك متى ذلك؟ إذا توكلت عليه. قال علي بن عباس: قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له: إن الناس قد جمعوا لكم، فاخشوهم، فزادهم إيمانا، الآية، رواه البخاري والنسائي. هذه الآية فيها فوائد، من أعظم فوائدها ما عليه الأنبياء والرسل، وهم قدوتنا، وبهم نتأسى بهم في أعمالهم، وفي طرقهم. وكاد من أعظم أعمالهم تفويض الأمور إلى الله جل وعلا في أحلك المواقف. قال مؤلف رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾، وقال: وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتَنِطْ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾. كأنه أراد لهذه الآيات التبويب عنوانه في هذه الآيات. والآية الأولى في قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾. وفي الآية الثانية يتكلم: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾. ويكأن المؤلف رحمه الله تعالى أراد في هذا الباب أن يتكلم على مسألتين سنتين: المسألة الأولى الأمن من مكر الله، والثاني القنوط من رحمة الله. أراد المؤلف رحمه الله تعالى من هذا الباب أن يتكلم على مسألتين سنتين: الأولى الأمن من مكر الله، والثاني القنوط من رحمة الله جل وعلا. الأمن من مكر الله جل وعلا يعتبر من الذنوب العظيمة، لأنه ينافي كمال التوحيد الواجب. الأمن من مكر الله جل وعلا الذي يأمن مكر الله، فهذا ضال كما سيأتي بيانه. وهذا من الذنوب العظيمة بأن يكون العبد على غرور وعلى تجاهل. مكر الله جل وعلا هي من صفات الله جل وعلا التي تطلق عليه مقيدة. مكر الله من صفات الرب جل وعلا التي تطلق عليه مقيدة، ولا ترون آية فيه إثبات صفة المكر لله جل وعلا إلا تأتي مقابلة. قال علماء: هذه من صفات المقابلة، ومن صفات المقيدة التي لا يقف بها الرب مطلقا، وإنما ربنا يمكر بالذي يمكر به. إنما الرب جل وعلا يمكر بالذي يمكر به، والذي يمكر بمن يمكر به، هذا الفعل مدح لأنه يدل على قوته. قال عمر رضي الله تعالى عنه: لست بالخب، ولا الخب يخدعني. أنا لست ماكرا، ليس من شيء مني أني أمكر بخلق الله. هذا ما يجوز. لكن من شيء مني أن الماكر لا يمكر به، الماكر لا يمكر به. كوني أني لا أمكر بالناس، لا يعني ذلك أني ساذج. فربنا جل وعلا إنما يمكر بالذي يمكر به، الذي يمكر بدين الله، يمكر برسل الله، يمكر بآيات الله، فإن الله يمكر به، والله خير الماكرين جل في علاه. فالشيء أن صفة المكر هي من صفات الله جل وعلا، لكن تكون بمقابل، ومقيدة بمن يمكر به سبحانه وتعالى. من صفات مكر الله جل وعلا أن الله يمكر العصاة باستدراجهم، يمكر العصاة باستدراجهم بنعمه. هذا من مكر الله جل وعلا للعصاة. رجل عاص في معصيته، وفي عصيان وعتوه ورده، ينعم عليه، ينعم عليه علا وعث، أعرف أن هذه الرزق من الله سبحانه وتعالى. فإذا كنت يا عبد الله في معاصي، وفي طريقة منحرفة، وترى أن الله جل وعلا يمدك بالنعم، اعلم أن هذا استدراج من الله جل وعلا. عليك أن تتبه، فما ذهب عليك أن تراجح حساباتك، وأن تعيد ما بينك وبين الله جل وعلا. فلا يأمن من مكر الله إلا القوم الخاسرون. فالعبد يخاف ويخشى من ربه جل وعلا، فلا يطمع يرى أنه في طريقة منحرفة، وأن النعم تزيد عليه من هنا وهنا، فيطمع أن يقول: الحمد لله، أنا على طريقة سواء. قال: وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾. هذه الصفة الثانية، صفة القنوط. علمنا ما يتعلق بالأمن من مكر الله. أما القنوط من رحمة الله، قال علماء: القنوط هو أشد أنواع اليأس. القنوط هو استبعاد حصول الخير، أو دفع شر. هذا القنوط استبعاد حصول الخير، استبعاد حصول الخير، أو دفع شر. فهذا ما يتعلق بصفة القنوط. القنوط من رحمة الله جل وعلا، العبد يقنط من رحمة ربه، وذلك بأن يستبعد رحمة ربه. قال ربنا: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾. وهذه الآية نزلت في حق إبراهيم عليه السلام عندما جاءت الملائكة تبشر بإسحاق، فتعجب إبراهيم عليه السلام بهذه البشرى على كبر سنه، وعلى كبر سن أهله. فلما تعجب، قال: ﴿فَقَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾. فقال إبراهيم عليه السلام: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾. إبراهيم يعني ما لما استعجابه من هذه البشرى، ليس باب القنوط، إنه باب عجب البشرى. فالمؤمن لا يقنط من رحمة الله جل وعلا. المؤمن لا يقنط من رحمة الله، لا تيأس العبد من رحمة الله، ولو كنت في المواضع الضيقة الحرجة. عليك أن تحسن الظن بالله، تحسن الظن بالله. عندنا صفتين متقابلتين: صفة الأمن من مكر الله، وصفة القنوط من رحمة الله. هذه تقابل هذه. الأمن من مكر الله، هذه صفة غالب ما تكون في الذي يكون عنده رجاء فقط، عنده رجاء. هذا الذي يأمن من مكر الله، عنده رجاء. وأما صفة القنوط من رحمة ربه، من رحمة الله، هذا يقع الذي يتصف دائما بالخوف. انظر: عندنا خوف، وعندنا رجاء. رجاء عنده رجاء عظيم بالله، رجاء يرى أن الله أرحم الراحمين، والله نغفور رحيم. والذي فتح باب الرجاء نفسه هو الذي يأمن من مكر الله، يأمن مكر الله. بخلاف الثاني، وهو الذي عنده خوف شديد من الله جل وعلا، خوف وخشية بلغت هذه الخشية والخوف أنه يستبعد رحمة الله. فمن عبد الله بالخوف والرجاء، أمن من مكر الله، وخاف من مكر الله، وأيضا لم يأس من رحمة الله جل وعلا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الكبائر، فقال: «الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله». وهذا الأثر رواه ابن أبي حاتم بإسناد حسن. وفي هذا بيان على أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر. وهذا دل على الكتاب والسنة وإجماع السلف. الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر. قال: سئل عن الكبائر، فقال: «الشرك بالله»، بدأ بالشرك لأنه من أهم الأسباب، ومن أعظمها، وهي رأس الأمر. قال: «والشرك بالله، واليأس من روح الله»، أي اليأس من رحمة الله جل وعلا. اليأس من رحمة الله جل وعلا، وذلك بأن تقطع الرجاء، وتسيء الظن بالله سبحانه وتعالى. هذا كل من أساء الظن بالله عز وجل، يغلق على نفسه باب الدعاء. قال: «والأمن من مكر الله». وبالمقابل، الأمن من مكر الله من الكبائر. كونك تأمن من مكر الله، ماذا يستدرجك الله بنعمه، وأنت تأمن من مكر الله. العبد لا يأمن مكر الله، بل يخاف، يخاف من ذنوبه، يرجو رحمة ربه، ويخاف من ذنوبه. يكون هكذا بين الخوف والرجاء. كأنكما أنه إذا وقعت، ورأيت الله يعطيك نعمة، خفت، قلت: لعله الاستدراج من ربي، فتزيد الاستغفار في التوبة. انظر لأنبياء الله ورسله، كلما أعطاهم الله من نعم، التجأوا إلى الله مباشرة. قال مؤلف رحمه الله تعالى: باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله. الصبر في اللغة هو الحبس. واصطلاحا قال علماء: معنى الصبر بصورة عامة هو حبس النفس على ما تكره. فالشخص إذا حبس نفسه، أكرهها وأخضعها على أمر تكرهه، كان ذلك صبرا. هذا معنى الصبر بمعنى العام. قال: باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله، أي من الإيمان بالله جل وعلا أن تصبر، وصبرك يكون على أقدار الله. قال علماء: المؤلف رحمه الله تعالى ذكر هذا القسم في هذا الكتاب لأن هذا يناسب مقام التوحيد. فالإيمان أو الصبر على أقدار الله من صبر الألصق لكتاب التوحيد. وهذا الباب أنواع من أنواع الصبر الذي من تركه ربما وقع فيما يخل بكمال التوحيد الواجب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم. وهذا الأثر رواه جرير، وظاهره الصحة. علقمة رحمه الله تعالى يفسر لنا هذه الآية بهذا التفسير. في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، بماذا فسر الإيمان هنا؟ قال: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله. هذا الإيمان بالله. تصيبك مصيبة، أي مصيبة في نفسك، في مالك، في أهلك، في عيالك، تصيبك المصيبة، فتعلم وتستيقن أنها من عند الله، كتبها ربنا عليك. قال: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، ماذا يفعل؟ فيرضى ويسلم. يرضى بعدما يعلم مصيبة في من ربك؟ يقدر لك، يعلم أن هذا حكم الرب فيه، فيرضى ويسلم، يقنع بما كتب الله عليه، ولو كان ببلاء عظيم، يرضى بذلك. قال: انظر، فهذا هو المؤمن، بماذا وعده ربنا؟ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، يجعل لك ربنا في قلبك الهداية. قال مؤلف رحمه الله تعالى: وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت». في هذا الحديث يقول نبينا: إثنتان في الناس هما بهم كفر، أي هما من شعب الكفر. هما من شعب الكفر، ولا يستلزم من وجود شعبة من شعب الكفر في مسلم أن يكفر. هذا ليس بلازم. الإيمان شعب، والكفر شعب. فليس كل من وقع في شعبة من شعب الكفر كان كافرا. قال نبينا عليه الصلاة والسلام: إثنتان في الناس هما بهم كفر، أي من شعب الكفر. ولهذا ذهب طعم العلماء إلا أن هذا هو كفر دون كفر، أن هذا كفر دون كفر. وما هو الطعن في النسب؟ ومر معنا في درس الأمس صور الطعن في النسب. طعن في نسب رجل في أصله، وفي عرضه، وفي أهله، من غير بينة ولا برهان، هذا لا يجوز. وذكرنا هذا من أمور الجاهلية، وهي كذلك من شعب الكفر. قال: طعن في النسب، والنياحة على الميت، كذلك. النياحة مر معنا في درس أمس، وهي رفع الصوت بالندم للميت. النياحة على الميت، وهي من أفعال الجاهلية، وكذلك من شعب الكفر. وهذا الفعل، وهو النياحة، من أكبر الكبائر، من كبائر الذنوب. أن العبد يطعن في نسب غيره، وأن المرأة تنوح، تنوح على ميتها، تنوح على ميتها. فالشاهد من هذا إخواني في الله: أن النبي جعل من صور الكفر -على قول العلماء أنه كفر دون كفر، وعلى قول بعض طائفتنا من شعب الكفر- النياحة على الميت. لماذا أصبحت النائحة على الميتة فيها شعب من شعب الكفر؟ قال علماء: لأنها لم تؤمن وتصبر على قضاء الله وقدره. قال مؤلف رحمه الله تعالى: ولهما -أي في البخاري ومسلم- عن ابن مسعود مرفوعة: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوة الجاهلية». ليس منا، أي ليس من هدينا وطريقتنا. وهذه من صور البراءة. تبرأ نبينا من هؤلاء، من ترى يا هؤلاء؟ قال: من ضرب الخدود. ضرب الخد هذا الخد في الوجه يضربه، وهذا يكون عند المصيبة. ضرب الخدود عند المصيبة، هذا كان يعرف من شعب الجاهلية. ويلان، ويلان في هذا الأزمان. وكثير ما يقع عند النساء إلى ماذا؟ خبرت بمصيبة، تلطم الخد، تلطم الخد. هذا من ضرب الخدود عند المصائب. وكذلك الرجال ما بأولى، كالروافض، الروافض في عاشوراء يلطمون الخدود، هذا تبرأ منهم نبينا. يتعبدون الله بما نهي عنه، وهذا من غبائهم يتعبدون الله بما نهي عنه. من ضرب الخدود، وقال علماء: وضرب الخد هذا أمر أغلبي. وإذا يدخل في الخد سائر الجسد، مثل ضرب الصدر، المصيبة كيف يفعل؟ شيعا أيضا يفعلون ذلك. ضمن صدورهم في الحسينيات، هذا كلهم يتبرأ منهم نبينا. لماذا تبرأ منهم نبينا؟ لأنهم لم يرضوا بما قدره الله جل وعلا. مصيبة، مصيبة حلف عليهم الأصل أن يصبرون عليها. الأصل يصبرون: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾، ترضى، ترضى وتسلم. قال: «وشق الجيوب». والجيب يقول العلماء: هي فتحة الصدر العليا. هذا الجيب. وكان كذلك من فعل الجاهلية إذا ذكر أحدهم بمصيبة، شق ثوبه، مزق ثيابه. وليشفيها الرجال والنساء. رجل يقال له: يا عبد الله، ابنك مات في حادث، يمسك ثيابه ويمزق، هذا ما في رضا. هذا لم يؤمن بقضاء الله وقدره، ولم يصبر، ما حبس نفسه، مسكها عن التشكي، وماذا عن التصخط بحكم الله جل وعلا؟ هذه من تبرأ منها نبينا عليه الصلاة والسلام. لماذا تبرأ منهم نبينا؟ لأنهم ما آمنوا بالقدر خيري وشره. قال: «ودعا بدعوة الجاهلية». أيضا من الأشياء التي تبرأ منها نبينا: الدعوة بدعوة الجاهلية. وهذه عند العلماء تحمل على محملين: إما على ما نحن بصدده، ما يتعلق بالتعامل مع المصيبة. قوم ضرب الخد، وضرب، وشق الجيب، وقوم دعا بدعوة الجاهلية. يدعو: يا فلان، يا ويلتي، يا فلان، ما هذا يومك؟ يا فالس الفرسان. ويندب الميت، يدعو بدعوة الجاهلية، كما كان الكفار، الكفار كانوا إذا مات عليه ميت أو عظيم، وخاص إذا كان عظماء من شرفاء، طافوا به في القبيلة، ونادوا بأعلى أصواتهم يندبون. مات الذي يضعم الأيتام، مات الذي يضعم الطير في السهل، مات الذي من مفاقره ومآثره، مات. يندبون حظه. هذه دعوة بدعوة الجاهلية. فعوة قد يفعل ذلك: ما هذا يومك يا فلان؟ وينك يا فلان؟ لذلك تفعل، يندبون. هذه دعوة بدعوة جاهلية، ليس فيها رضا بحكم الله وقدره. وقيل: أن دعوة الجاهلية بمعنى عام، دعوة الجاهلية هو ما كان عليها الجاهلية من العصبية، ومن النزعة القبلية، نزعة قبلية. هذه دعوة الجاهلية. وين آل فلان؟ نحن وين آل فلان؟ نحن. وهكذا يتحدى، تنازعون بينهم في بين. كما قال نبينا: «بدعوة الجاهلية». وأنا بين أظهركم، اتركوها، فإنها منتنة. هذه نزعة عصبية قبلية خبيثة، يجعلها الشيطان بين أمة المسلمين. فهذه فعلة تبرأ منها نبينا: أن يدعو شخص بدعوة الجاهلية. قال مؤلف رحمه الله تعالى: وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أراد الله بعبده الخير، عجل له العقوبة في الدنيا». إذا أراد الله بعبده الخير، عجل له العقوبة في الدنيا. وإذا أراد بعبده الشر، أمسك عنه بذنبه، حتى يوافي به يوم القيامة. وهذا الأثر أو حديث رواه الترمذي والحاكم، وذكره شيخ الألباني في "صحيح الجامع". يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: إذا أراد الله بعبده الخير، عجل له العقوبة. ما منا من أحد إلا وهو ذنب. كل ابن آدم خطاء. فمن رحمة الله بعبده أن يعاقبه بذنبه في الدنيا. قال: إذا أراد الله بعبده الخير، عجل له العقوبة. وما هي العقوبة؟ قال علماء: العقوبة هي المؤاخذة بالذنب. معنى العقوبة هي المؤاخذة بالذنب. من أذنب ذنبا فأخذ به، تسمى هذه عقوبة. فمن رحمة الله بعباده أن الله يعاقبك بماذا؟ بالدنيا، بماذا يعاقبك؟ بالمصائب، عقاب الله لك يا عبد الله بالمصائب، يبتليك بماذا؟ بالأمراض، يبتليك بالفقر، يبتليك بالضنك، يبتليك بالقسل، ابتلا. هذا ابتلا تكفير لذنوبك، وهذا عالم من رحمة الله بك يا عبد الله. ثم قال نبينا: «عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر، أمسك عنه بذنبه». أمسك عنه بذنبه، حتى يوافي به يوم القيامة. علامة الشر في العبد أنه يترك في الدنيا، لا يعاقب، لا يعاقب ذنب، يترك بمال، برغد، بترف، بحياة ماذا؟ رغدة، لا آلام، لا آفات، لا أمراض، لا أسقام، لا يعرف شيء. بعض الناس يظن أن هذه حياة سعيدة، لا، يعبد الله. هذه العامة السوء، إذا رأيت أن العبد في دنياه ينعم، ما يصاب بمخمصة، ولا ضمأ، ولا كلفة، ولا مشقة، ولا مصيبة، اعلم أن هذا استدراج من ربه، وأن الله أراد بهذا العبد سوء. لماذا؟ قال: حتى يوافي به يوم القيامة. هذا العبد يفعل ذنوب تجعل ذنوبه بمستجلات تخذى له إلى متى؟ حتى يأتي يوم القيامة، يرى أن هذه المستجلات كاملة، ذنوب كاملة، يعاقب بها يوم القيامة. بخلاف المؤمن، له استجلات، لكن استجلاته ماذا؟ تخفف بمصائب الدنيا. فعلى ذنب عقبه الله، خفف عقوبة الآخرة، نحيت بمجوب مصيبة الدنيا. لا يعاقب في الدنيا، ولا آخرة، إذا عقب في الدنيا، سمح في الآخرة. أصبت بمرض، عفو من الله. أصبت بفقر، عفو من الله. بمصيبة، بهم، بحازن. حتى الشوكة يشاكها، هذا يكون تكفير سيئاتك، حتى تفر عند الله، وما عليك خطيئة. كما قال النبي: «إن لا يزال بلاء لا يزال بلاء بالمؤمن في نفسه، وماله، وأهله، حتى يلقى الله، ما عليه خطيئة». يأتي لسجلاته فاضية. أين ذنوبك يا عبد الله؟ كل قد كفرت بدنياك، عقوبات هذه الأمراض كلها عقوبة من الله ربك رحمك، أنعاقبك في الدنيا. هذا المؤمن الموفق. لكن بماذا يا عبد الله؟ إذا عن تنزالك تصبر. هذا يجعلك تصبر على بلاء الله، تتسخط لأنك بسخطك ترفع عنك الذنوب. يعني كما قال: بسخطك تلقى العقوبة، عقوبة معلقة بك. لأن بتسخطك عن تسخطك بعقوبة الله جل وعلا، أنت تتعاقب بهذا التسخط، تعاقب بهذا التسخط. لكن ترضى، ترضى وتسلم بما كتبه الله جل وعلا عليه. فبهذا إخواني من رحمة الله أن الله يبتلينا بالمصائب. ولهذا الناس لو تفكروا وعلموا أن ما يبتلوا بهم مصائب عبارة عن تكفير لسيئاتهم، ما وقع من تسخط. قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم». فمن رضي، فله الرضا، ومن سخط، فله السخط. حسنه الترمذي، وهو كذلك في "صحيح الجامع". هذا الحديث كذلك من الأحاديث التي تبين فضل البلاء، وهي من أسباب تساعد العبد أن يصبر على بلاء الدنيا. قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء». انظر: يزداد جزاؤك عند الله، ترتفع درجاتك عند الله، ترتفع رصيد حسناتك عند الله، بماذا؟ بارتفاع البلاء. ابتلت ببلية على قدر هذه البلية، والتعامل معها يعطى أجرك، ارتفعت البلية مع تعاملك معها بالحسن، يرتفع أجرك. وهكذا كلما ازداد البلاء مع التعامل به، يرتفع رصيد حسناتك عند الله جل وعلا. ثم قال نبينا: «وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم». فليس يا عبد الله ابتلاء العبد من ربه على ما ذعى الكره، بعض الناس إخواني في الله من شقاوته، وعظم صبره على أقدار الله، أنه يقع في سوء الظن. ربنا يريد أن يبتليه، تمحص الذنوب، سيئاتك. فإذا يقول: يظن هذا العبد أن الله ما يحبه. ليش يا رب؟ ليش أنا يا رب؟ وبالله في مرض بالعام الماضي، ابني مرض، وزوجتي مرضك، ما أدريش طيب يا عبد الله. هذا تكفير سيئاتك، تكفير. إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم. لو أن الله ما يحبك يا عبد الله، ما ابتلاك، لا جعل ذنوبك في جسمك، تبقى تبقى الذنوب معك حتى تلقى الله جل وعلا، والذنوبك كاملة. لأن الله ما يحبه، لكن لحب الله لك يبتليك بأمراض، أمراض، أثقام، آفات، عاهات، هموم، ظنون، غموم، ديون. هذا الابتلاك كل عبارة عن تكفير، محبة الله لك، رحمك بأن ما أعطاك مصائب تمحص بها. تمحص بها، ويرى ملأ إيمانك، وحبك لله جل وعلا. فترضى وتسلم، تأتي يوم القيامة، وما عليك شيء. لكن بعض ناس على العكس يفسر هذا البلاء بأن الله ساخط عليه، وأن الله لا يرضى عنه. وحينها يتعامل مع هذا البلاء على العكس، ما يطلب منه، ما بينه يتعامل: ليش أنا؟ ليرب ليش؟ ما هو فلان؟ ليش ما هو فلان؟ ليش ما هو فلان؟ ليش بعد في دنياي؟ وأصبح يذمر حتى ما يحرم من الأجر الذي أراده الله له. فليأذي يقول نبينا: «وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي، فله الرضا، ومن سخط، فله السخط». إن سخط يا عبد الله، فإن الله يسخط عليك. الله أنعم عليك بنعمة ما تحلم بها، ثم تردها، فإن الله يسخط عليك. فهذا الباب إخواني فيه من أبواب العظيمة، فلتعبد ماذا؟ تصبر وترضى بما يقدره الله جل وعلا، مهما ابتلاك ربك ببلية، اعلم أن الله أحبك، اعلم أن الله جل وعلا أحبك. وأختم هذا المجلس بحديث عظيم. وما روى إمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة: أن رجلا جاء لنبينا عليه الصلاة والسلام، وكأنه أعرابي، فسأله نبينا: قال: يا هذا، أصابتك حمى؟ فقال هذا الرجل: يا محمد، وما حمى؟ إيش حمى هذه؟ فقال نبينا: نار بين الجلد واللحم. فقال: ما أصبت بها. فقال نبينا: أصبت صداعا؟ قال: وما صدع؟ قال: ريح تضرب عروق الرأس. قال: ما صدعت. انظر: رجل رجل إخواني في الله ما بتولى ببنية، ما يعرف إيش الحمى، ما يعرف إيش الحمى لأول مرة يسمع بحمى. يعني عبارة عن حرارة في الجسم، ما يسمع عنها. صدع ما يعرفه، لا يستخدم لا عقاقير ولا حبوب ولا شيء، الحمد لله رأسه مليء، ولا الحمد العافية، لا يعرف لا حمى ولا صدع. ماذا قال له النبي؟ «ولا هذا الرجل». قال النبي للأصحاب: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل النار، فلينظر إلى هذا. من أهل النار، فلينظر إلى هذا. هذه بشارة سوء، أنك تبقى يا عبد الله في الدنيا لا تصاب بأذى، لا مرض، لا وعكة صحية، لا كم يقال ذنوب، لا كم يقال لا بلاء، لا في مالك، ولا في أهلك، ولا عيالك، لا شيء أبدا. هذا يا إخوان سوء نذير السوء. قال نبينا: «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل النار، فلينظر إلى هذا». قال: يا إخوان، من علامات الإيمان الابتلاء. ألف لا ميم. أحسب الناس أن يتركو أن يق