آداب الطعام والشراب 15

آداب الطعام والشراب 15

الدرس في آداب الطعام والشراب 15، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

الأكل من أواني الكفار وضوابطه

أجاز جمهور العلماء الأكل من أواني الكفار إذا كانت طاهرة مع شرط غسلها إذا احتوت على بقايا طعام محرم، واستدلوا بآية طعام أهل الكتاب وأحاديث نبوية. يُستثنى من ذلك الأواني التي لم تُستخدم أو غُسلت جيدًا.

تحريم استخدام أواني الذهب والفضة

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن استخدام أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب، وأجمع العلماء على تحريم ذلك، ويشمل التحريم الأواني المطعمة بهما وأدوات الطعام المصنوعة منهما. يُعد هذا الفعل من المحرمات.

الابتعاد عن موائد الخمر ومجالسها

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجلوس على موائد يُدار عليها الخمر، ويعتبر هذا العمل محرمًا حتى لو لم يشرب الشخص الخمر، ويجب على المسلم الابتعاد عن مثل هذه الموائد وعن التعامل مع الخمر.

ختام الحديث ومقاطعة المحرمات

يتحدث المقطع الأخير عن ضرورة مقاطعة الأماكن التي تبيع المحرمات مثل الخمور، ويختم بالدعاء أن ينفع الله بما قيل ويصلي على النبي محمد، مؤكدًا على أهمية الابتعاد عن كل ما حرمه الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. من المسائل إخواني في الله المتعلقة بآداب الطعام والذي نحن بصدده ما يتعلق بمسائل الآنية والأواني، وإلا فإن هذا الباب من الأبواب التي أطال العلماء فيها النفس، بل جعلوا لها أبوابًا في كتب الفقه. ولا أظن أن المقام يسمح أو يتيح في ذكر مسائل الأواني، فحسبنا في هذا المقام إشارة إلى بعض الأواني التي لربما تستخدم ولها أحكام خاصة تتعلق بها. من هذه المسائل إخواني في الله مسألة الأكل من أواني الكفار. هناك آنية تأتينا من الكفر من يهود ونصارى فيها طعامهم، فهل يجوز أن نأكل من هذه الأواني أم لا يجوز؟ الجواب إخواني في الله باختصار: جمهور العلماء على جواز الأكل من صحاف ومن أواني ومن صحون ومن أوعية أهل الكفر إذا كانت على طهارة، فالأصل الجواز في ذلك. وقد ذهب الفقهاء إلى طهارة أواني الكفار لعدة أمور، منها أن الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة. زد على ذلك ما جاء في قوله تعالى: ﴿ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ ﴾. والمقصود بطعام أهل الكتاب ما كان من ذبائحهم، فإن ذبائح أهل الكتاب يجوز أكلها، وإن ذبائحهم قد تأتي إلينا وهي مطبوخة بأواني، فتؤكل. وأيضًا ما ثبت من سنة النبي عليه الصلاة والسلام الفعلية، إذ أنه قد دُعي من قبل أناس من الكفر، وخاصة من اليهود، فأجاب نبينا دعوتهم، كقصته في دعوة ذاك الغلام اليهودي عندما صنع طعامًا لرسول الله، فأكل من صحائفهم. وأيضًا في قصة تلك المرأة التي أعدت الشاه المسمومة، وهي يهودية، فأكل نبينا من طعامها من صحونها. وأيضًا ما ثبت في الصحيحين أن النبي توضأ من مزادة إمرأة مشركة، والمزادة هو آنية من جلد يوضع فيها الماء، فهي من أواني الكفرة، فاستخدمها نبينا صلى الله عليه وسلم. فهذه الأحاديث تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من أواني أهل الكفر من اليهود والنصارى. لكن قد يشكل هذا ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن أواني أهل الكتاب وعن أواني أهل الكفر، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها». هذا ثبت في الصحيحين، فنبينا نهى عن الأكل منها، قال: «لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها». فحمل العلماء هذا الحديث على الأواني التي تأتي من أهل الكفر وفيها تلبس بالأكل الحرام. يعني إذا كان كذلك فلا يجوز، يعني مثاله تعلم أن هذه الأواني يؤكل فيها الخنزير، ثم طرح لحم الخنزير، فأتي لك بطعام من لحم شاه، هل تأكل؟ لا تأكل لأنها قد تلبست بنجاسة، أو قل تلبست بأكل محرم، فلا يجوز أن تنتفع من هذه الآنية. فمن وجد أن تلك الأواني قد استخدمت في حرام فلا يأكل منها إلا إذا اضطر لها، كما قال نبينا: «لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها». فاغسلها حتى تذهب بتلك البقايا من بقايا الطعام المحرم، فهذا خلاصة الكلام إخواني في الله في أواني أهل الكتاب. هنا تأتي مسألة لربما يواجهها بعض الناس، يقول: نحن نشتري بعض الأواني من الأسواق، أطباق وصحون مصنوعة من في الخارج، فنحن إذا جاءتنا نغسلها مباشرة. فنقول: إذا غسلتموها هذا أمر عائد إليكم، لكن الأصل لست ملزم بغسل الأواني الجديدة؛ لأنه لم تستخدم في شيء، والأصل فيها الطهارة. هذا هو التطبيق العملي لحكم المسألة. أما إذا علمت أن هذه الأواني مثل رجل كافر قد عرض أدواته للبيع وأنت تعلم هذا النصراني يأكل الخنزير ويشرب المحرمات، فإذا اشتريت منه الأواني مثلًا، فاغسلها أو لأنك تتنزه عنها. لكن إذا احتجت إليها أخذها واغسلها وانتفع منها. كذلك من الأواني المتعلقة بهذا الباب مما نحتاجه في مسألة الطعام والشراب الأواني المصنوعة من الذهب والفضة. جاءت الشريعة بالتحريم في استخدام أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب، ويهمنا في هذا المقام مسألة الطعام. ويدل على ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة». فنبينا صلى الله عليه وسلم نهى عن استخدام أواني الذهب والفضة في مسألة الأكل. وهذه المسألة قد قام الإجماع، إجماع العلماء والفقهاء على تحريمها، بل أعدها العلماء من كبائر الذنوب. الفضة والذهب بعض الناس لربما يتنزه عن الذهب لكن لا يتنزه عن الفضة، لا الذهب والفضة حكمهما واحد، التحريم وعدم الجواز في استخدامها في مسألة الأكل والشرب خاصة. أما في غيرها من المسائل، هذه مسألة فيها خلاف وإطالة عند العلماء في الكتب المطولة، لكن يهمنا في مسألة الطعام قام الاتفاق على ذلك. وأدخل العلماء في مسألة الذهب والفضة، وخاصة الذهب، مسألة المطلي، مسألة معاصرة موجودة، تجد بعض الأدوات يعني كهذا آنية مصنوعة من مادة ثم يؤتى بالذهب المذاب ثم يرش على هذه المادة فيسمى مطلي. هو ليس ذهبًا خالصًا، لا هو مصنوع من مادة لكنه طليًا بمادة الذهب، يسمى مطلي الآن. وجدت في الأسواق مثلًا مثل هذه الأواني، آنية مطلية بالذهب، هل حكمها من حكم الذهب الخالص؟ الجواب: نعم، حكمها من حكم الذهب الخالص، فلا يجوز استخدامها في الطعام ولا في شرب أوانيها وأقداحها إذا صنعت من هذا الطلاء. وهذا الحكم إخواني في الله هل يعم الرجال والنساء؟ أن يستثنى النساء لأن الشرع أباح الذهب للنساء، الحكم في هذا الباب واحد، فلا يجوز للرجل ولا للمرأة أن ينتفعوا من أواني الذهب والفضة. وتأتي مسألة ما لو كانت عندي أواني ليس الذهب لكنها شبيهة بلون الذهب، وهذا الآن يكثر عندنا في الأسواق من ذهب إلى محال الأواني، يجد لمعانًا الأصفر البريق. هناك ما نسميه معاشر أو صحون أو أطباق أو أكواب تألمع لمعانًا كلمعان الذهب، لونها أصفر أو قل بني فاتح، لكنه له لمعة، أو قل ما هو أصرح من ذلك نحاس، نحاس فيه لمعان الذهب، إذا كان صافي نظيف، فهل هذه الأواني بهذا اللون لون الذهبي هل يمكن الاستفادة منها؟ أم يكون حكمها من حكم الذهب؟ الجواب: لا، ليس حكمها كحكم الذهب، يجوز الانتفاع منها، يجوز. وأما الشبه باللون هذا لا يضر، فما كان لونه أصفر أو لونه كذلك بني فاتح شبيه بلون الذهب أو ما كان مصنوعًا من نحاس، فلا عندي دليل يدل على التحريم، إنما التحريم جاء في مادتي الذهب والفضة فقط، وما عداها فلا يجوز أن يحرم على خلق الله وعلى أحد من المسلمين. مسألة أخيرة متعلقة بباب الذهب والفضة أشار إليها سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى، وهي يدخل في حكم آنية الذهب والفضة الوسائل المعدة للأكل، مثل الملاعق، مثل الشوكة والسكين. قد يقول قائل: أنا ما عندي طبق من ذهب، لكن عندي شوكة من ذهب أو عندي ملعقة مطلية بالذهب، حكمها حكمها من حكم الصحاف، حكمها من حكم الأواني، لا يجوز أن تستخدم في الأكل والشرب كما صرح بذلك سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى. مسألة أخيرة متعلقة بهذا الباب أي في باب الأطعمة، وهي الجلوس على مائدة يدار عليها الخمر. هذه مسألة أخرى من مسائل آداب الطعام والشراب. الجلوس في موائد يقدم فيها شراب الخمر والعياذ بالله، حكمه ما جاء في حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر». رواه أهل السنن، وحسن الشيخ الألباني رحمه الله تعالى كما في السلسلة الصحيحة. أن النبي من حديث ابن عمر قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مطعمين: عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر، وأن يأكل الرجل وهو منبطح على بطنه». والحديث كما قلنا أورده الألباني رحمه الله تعالى في الصحيحة. يهمنا في هذا الباب الفقرة الأولى من الحديث، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تجلس يا عبد الله على مائدة يدار عليها الخمر. وانتبه للمسألة، الكلام لا يتعلق بالشرب، شرب الخمر محرم من كبائر الذنوب بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وأنه من الموبقات العظام. لا ليس الخوض الآن وليس الكلام حول الشرب، الكلام حول أن تجلس على مائدة يدار عليها الخمر، لا يجوز. هذه مسألة يبتل بها بعض الناس في بعض الأماكن التي للأسف يشار إليها بالرقي والتقدم، أو في من أبتلي بالمكوث في بلاد الكفرة، أصبح من الأشياء التي تقدم في بعض الأماكن، يقدم لك كأس خمر، تبقى في المائدة وأنت الأمر إليك تشرب أو لا تشرب، هذا أمر عائد لك، لكن يقدم، أزحه، لا تجعل هذه الزجاجة أو القنينة أو القدح من خمر أمامك، أزحه، يقول الله سنعني أخذ هذا، ابعد هذا عني، هذا لا يجوز. وأشار العلماء إلى مسألة مهمة، وهي ما يعقد في الاجتماعات، ما يعقد في الاجتماعات الدولية مثلًا، تجد أنك في بعض الدول تلاحظ أن في اجتماعات يقدم الخمر والماء، أصبح الخمر عندهم شيء أساسي، بل هم عندهم شراب الروح والعياذ بالله وشراب الشيطان، لكن عندهم شيء أساسي. فهنا أذكر ذكر العلماء أن هذا الحديث يشمل من كان في مثل هذه الاجتماعات، يقدم له الخمر ولو لم تشرب، لا يجوز أن تبقي. يقول: يا أخي لا سمح الله، أزح هذا، لو أنت مسلم معتز بدينك، افتخر يا عبد الله بأن الله رقاك وأن الله عافاك عن هذا الشراب، يقول: لا سمح الله، أزح هذا، ديني ما يرتضي أني... يقول: يا أخي أنت متى تشرب؟ اجعله عندك، يقول: لا، لا، لا تجعله عندي، أزحه عني، اجعله أغربه عن وجهي، هذا الذي ينبغي أن يفعل إخواني في الله في تعاملنا مع الخمر، لا أن تشرب ولا أن تتقرب منها، ولا هي تقرب منك. «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر». وهذه مسألة إخواني في الله يبتل بها من يبتل من يعيش في بلاد الغرب في بلاد الكفر، بل وأقولها وقلبي يعتصر من هذا الكلام، بل وللأسف بعض بلاد المسلمين ما يسمى البارات أو الحانات في بعض الدول التي تدين بدين الإسلام وتتساهل في هذا الباب، في بعض الفنادق يجعل هناك بارات، بل من ذهب إلى المطارات يرى بعينه أنواع الخمر، فوتكا، شمبانيا، بس على ذلك من هذه المسائل الأشرب الشيطانية. فمثل هذه المسائل يا عبد الله ابتعد عنها. ويدخل في ذلك مثلًا مسائل البيع والشراء، كان من مسائل يسأل عنها العلماء، يقول قائل: أنا أشتغل في مطعم أو أنا أشتغل في بقالة وفيها خمر، وأنا ما أشرب الخمر ولله الحمد، حكمك أنك ينبغي أن تنصرف عن هذا العمل ولا تبقى فيه، سوى من كان في مطعم أو من كان في حانة أو من كان في بقالة فيها خمر، لا تبقى فيها، لا تبقى فيها. ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، كما جاء في ذلك الأحاديث. وهذا يشمل إخواني في الله كل ما كان أماكن يباع فيها المحرمات، وعلى رأسها الخمور، فهذا إخواني في الله ما يتعلق بهذه المسألة من مسائل الأطعمة والأشربة. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.