آداب المجالس 4

آداب المجالس 4

الدرس في آداب المجالس 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التفسح في المجالس وأهميته

يتناول أهمية التفسح في المجالس كأدب إسلامي مستشهداً بالآية الكريمة "يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس". يشمل التوسعة في مختلف المجالس مثل المساجد والبيوت.

آداب المجالس والجلوس

يشدد على أهمية التوسع في المجالس والجلوس حيث ينتهي به المجلس دون تخطي الرقاب، ويحذر من الجلوس بين رجلين إلا بإذنهما.

ختام الدرس والدعاء

يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه، ويُظهر الرغبة في نيل رضا الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ومن آداب المجالس إخواني في الله هو التفسح في المجالس، وهذا الأدب جاء ذكره في كتاب الله سبحانه وتعالى، كما في قوله جل في علاه: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم﴾، وإذا قيل انشزوا فانشزوا، فهذا أدبٌ من آداب المجالس جاء ذكره في كتاب الله جل وعلا، وفي ذلك بيان وإشارة إلى عظم هذا الأدب الذي خصه الله جل وعلا. وهذا الحكم كذلك بيان إلى أن الجزاء من جنس العمل، هو أن من فسح في مجلس من مجالسه، والتفسح بمعنى التوسعة، أنك توسع للداخلين، أن من وسع على الناس فإن الله جل وعلا يوسع عليه، يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم، قال علماء: يفسح الله لكم أن يوسع عليكم فيما استعصى عليكم في أمور الدين والدنيا، هذا أجرٌ عظيم وفضلٌ كبير إزاء عملٍ يسير. الواحد منا قد يوسع لإخوانه، يا أمر ليس بذي بال، لكنه عند الله جل وعلا له قدره وله شأنه، لما في ذلك من سلامة الصدر، سلامة الصدر لإخوانك المسلمين، وهنا قوله سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم﴾، هنا ربنا جل وعلا لم يذكر من القائل، ولهذا عمَّم العلماء الحكم، فقد يكون القائل هو الداخل، يعني مثالٌ رجل دخل إلى مجلس فرأى قد اكتظ بالحضور، فله أن يأمرهم بالفسحة، نعم له أن يقول ذلك: يا إخوان لو سمحتم تفسحوا توسعوا. فيقول هذا حتى يدخل الداخل، فليس في ذلك شيء، أو أن يكون المتكلم هو صاحب المجلس، له ذلك إذا شعر أن مجلسه قد ضاق بالناس وهناك لا زال خلق في الخارج، له أن يقول للحضور: لو سمحتم تفسحوا، فهنا أطلق ربنا جل وعلا القائل، فإن قيل لكم، فإن سواء كان القائل هو الداخل أو كان القائل هو صاحب المجلس، فينبغي المبادرة إلى فعله وإلى أمره الذي أمر به. هذا معنى قول سبحانه وتعالى: ﴿إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا﴾، وفي المجالس هنا عامة، أي مجلس أي مجلس من المجالس، من المجالس العامة، المجالس الخاصة، سواء كان في البيوت أو كان عند الضيوف أو عند الزوار أو حتى في المساجد، أحياناً يلاحظ هذا في خطب الجمعة، خاصة أن تجد أن الناس يحضرون للجمعة، فلربما تجد أن أكثر الحشود تكون قرب باب الخروج. بحيث أراد أن يأتي من الخارج يجد أن المكان قد سد أمامه، معنى في المقدمة يوجد ازدحام، وهذا ملاحظ في هذه التجمعات، وخاصة في يوم الجمعة، إذن فالجالس إذا سمع مثلاً خطيب الجمعة ينادي: لو سمحتم يا إخوة تفسحوا، يتحرك الناس حتى يفسح المجال لغيرهم. أو يكون القائل الذي في الخارج: يا إخوة لو سمحتم، الناس في الشمس، لأن يأتي هذا النداء فلا يجد آذاناً صاغية من أحد، يلتفتون للصوت ثم يسكتون، لا ينبغي أن تبادر هذا أمر رباني، يا أيها الذين آمنوا، خطاب لكل مؤمن، إذا قيل لكم، وسواء كان القائل كما قلنا صاحب المجلس أو كان الداخل، تفسحوا، تفسحوا هذا أمر من ربك جل وعلا، تتحرك. فأنبه إخواني في الله على هذه المسألة، وهذا كثيراً ما نجدها في خطب الجمعة، تجد الخطيب يخطب وتجد أثناء خطبة يتكلم ويرى الناس بالخارج بعضهم في الشوارع، بعضهم في الشمس، مع أن المزيد فيه فسحة في الأمام، لكن هذه عادة سيئة لدى كثير من الحضور، أنه يمسك المؤخرة، فإذا سمع بالنداء عليه أن يأتي تفسحه فيفسح ماذا في المجلس؟ وأعظم من هذا إخواني في الله، أعظم من هذا كله أن الشخص هو بنفسه يفسح لإخوانه، ما ينتظر أن يأتيه نداء، ما ينتظر يعني مثال أنت في مجلس جلست، دعيت إلى وليمة، دعيت إلى عزومة أو إلى ضيافة وإلى حضور، فجلس في مجلسك، فإذا رأيت أن المجلس قد ازدحم واكتظ بالحضور، وهناك أناس لا زالوا في الطريق أو في الخارج، فأنت لن تنتظر النداء حتى يأتيك ثم تلبي. بل قم وبادر، أنت تنضم وتأمر من عندك: إخواني اجتمعوا، عزاكم الله خير، إخواني سيئتهم الآن كثير، انضموا، فهذا يدلك على حسن أدبك وعلى عظيم تخلقك بآداب الإسلام، ومن صور التوسع إخواني في الله، مثاله هذه الوسائد البينية قد انتشر في هذه الأزمان، هذه المجالس العربية ونحوها، فيكون من هيئتها يكون هناك وسائد بينية في الجانب الأيمن وفي الجانب الأيسر. فهذه إذا كانت تعتبر يعني تشغل محل الأزحام، قولها تستأذن من صاحب المجلس، قولها سمحت يا أخي شراك، يرفع هذا أفضل حتى ينضم، بدلاً أن يكون الصف يأخذ عشرة، يأخذ ثلاثة عشر، فهذا طيب، فهذا من باب التوسعة، فإن قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم، والجزاء من جنس العمل. وإذا قيل: وإذا قيل انشزوا، وأن نشزوا إخواني في الله، قالوا: بمعنى الارتفاع، هذا بالعكس، إذا قال لكم صاحب المجلس قوموا، قوموا انتهى المجلس، ما بقي شيء، ننصرف بإخواني، انصراف، فحين ماذا نفعل؟ هل نتلكأ في الخروج؟ لا نخرج، نخرج، هذا من أدب الإسلام، وهو يعتبر كذلك من آداب المجالس، أنك يا عبد الله إن طلب منك الانصراف فانصرف. مثال يعني دعيتم إلى وليمة حضر من حضر، ثم بقي هناك موضوع خاص لبعض الأفراد، فيأتي الإذن بالانصراف لكل إلا هؤلاء إخواني، انتهى المجلس، بارك الله فيكم وعلى حضوركم، جزيتم كل خير إن شاء الله، تنصرفون راشدين، انصرف، تنصرفي عبد الله، ما في داعي، عنك تقول ليش أنا سأنتظر، أنا سأتأخر، ما لك أي حق، وإذا قيل انشزوا فانشزوا، بادر بادر إلى الخروج، بادر إلى الانصراف، ولا تتوانى عن هذا. فليس هذا من الأدب، قال علماء: لكن هذا الحق في حق من؟ قال علماء: هذا خاص في حق صاحب المجلس، صاحب المجلس هو الذي له أن يأمر بالانصراف فقط، انصرفوا انصرفوا، لكن من كان من أهل المجلس من أهل المجلس، هل له حق أن يقول: يا أخوتي انصرفوا؟ لا يجوز له ذلك، وإنما هذا حكم خاص بأصحاب المجلس فقط، فهكذا فصل العلماء في هذه المسألة. وإذا قيل لكم انشزوا، أي ارتفعوا وتنحوا عن المجلس، فينبغي أن يتنحى، فهذا الذي يكون، وهذا كما قلنا خاص بصاحب المجلس، ليس لكل أحد، كذلك من آداب المجالس إخواني في الله، أن الجالس عليه أن يجلس حيث ينتهي به المجلس، حيث ينتهي به المجلس، إذا دخلت إلى مجلس ما انظر إلى أين انتهى، فنهايته هو محل اجلس فيه. لا أنك يا عبد الله تتخطى الرقاب أو أنك تتخطى الصفوف حتى تريد أن تصل إلى المقدمة، مثال يعني أتى ضيف أو أتى زائر أو أتى مسافر، واجتمعت الأسرة حول هذا الضيف يستمعون من أخباره أو من أحواله، فأنت تأتي متأخر وتريد إلا أن تسمع عن قرب، فتتخطى لا سمحت، لا سمحت، ثم تأتي إلى عند رجلين، هذا ما يتأتى، هذا ليس من آداب المجالس، عبد الله أن تتخطى الرقاب هذا لا يجوز. وإنما الأدب أنك تنتهي تجلس حيث ينتهي بك المجلس، فإن كان هناك في آخر مجلس المحل فلك، أو إن ترك لك مكان فلك، إن ترك لك مكان فلك، هذا كأن ترك مكان شاغر، وأعد يا فلان هذا مكان قد جهز لك، حينئذ لك أن تتخطى حتى تصل إلى محل قد ترك لك، أو كما أسلفنا في درس أمس، وهو إذا قام أحد الناس وآثرك بمحله، قام ورأى أنك عن بعيد، قال: يا فلان تعال اجلس محلي، ذكرنا الخلاف في درس أمس حول هذه القضية. والصحيح إن كان ذلك من باب الإجلال والاحترام فلا بأس بذلك، تجلس، أما إن وجدت أن ذلك من باب المجاملة والاستحياء، فالأفضل أنك لا تجلس في محله، لكن إذا رأى أنك شخص ما أنك محل للجلوس ومحل إجلال، فلك أن تجلس في محله، وقد مر الخلاف في درس أمس، أما إذا لم يترك لك محل، وما أنت ترك أحد بمحل، فاجلس يا عبد الله حيث ينتهي بك المجلس. قد يقول قائل: كيف يا أخي؟ وهذا الداخل هو صاحب علم وصاحب وجاهة، فالقول كما قال العلماء: يا عبد الله إن كنت صاحب علم أو صاحب وجاهة، فالمكان الذي ستجلس فيه هو سيكون صدر المجلس، هو سيكون كما يقول هو سيتحول مباشرة، الناس اعتادوا على أن صاحب المجلس يكون في المقدمة، وأنت يا صاحب الشأن جلست في المؤخرة، الوجوه ستستدير إليك، ستأتيك الوجوه. إن كنت على علم ستسأل، ستتوجه الأنظار كلهم إليك، الحمد لله لن يضيع الله جل وعلا أجر العامل، إن كنت على علم وعلى خلق، وتجد أن محلك في المقدمة، لكنك تأخرت، فاجلس عبد الله حيث ينتهي بك المجلس، ويؤيد هذا النوع أو يؤيد هذا الأدب ما جاء من حديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: «كنا إذا أتينا النبي صلى الله عليه وسلم جلس أحدنا حيث ينتهي به» رواه أبو داود والترمذي. فكان هذا أدب سار عليه الصحابة في مجالسهم، فما كان عندهم هناك مزاحمة، وما كان عندهم تصدر للمقدمة، وإنما كان من تواضعهم أنهم جلسوا حيث ينتهي بهم المجلس، كذلك من آداب المجالس إخواني في الله أنه لا يجلس بين رجلين إلا بإذنهما، لا يجلس بين رجلين إلا بإذنهما، فأحياناً يضيق المجلس، يضيق المجلس والناس ما توسعوا لك تطبيقاً لهذا الأدب الرباني. والذي قد مر معنا، ولابد لك أنك تعصر على محل، فحينئذ إذا أردت أن تجلس بين اثنين احرص يا عبد الله على أنك تأخذ منهما الإذن، تستأذنهما بالجلوس، وقد جاء هذا المعنى في حديث عبد الله بن عمر قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لا يجلس بين رجلين إلا بإذنهما» رواه أبو داود. فلا يجوز لأحد أن يجلس بين رجلين إلا أن يستأذن منهما، فإن وجد الإذن فذاك، والحكمة ظاهرة، لماذا الإذن تأخذه يا عبد الله منهما؟ لأن لربما كان بينهما من الكلام ما لم ينتهي، أو لهما من الحديث ما أراد أن يكون بالسر، فكيف تدخل بينهما أو تقحم نفسك في هذا المحل؟ فهذا خروج عن الأدب، خروج عن الوسيئة. معنا ما يتعلق من عيب التنصت والاستماع لحديث الغير، وسيئة هذا في أدب آخر، لكن يهمنا في هذا المقام أن الإنسان لا يجلس بين رجلين إلا بعد إذنهما، كما قلنا حتى لا تفسد بينهم، وهذا الحكم كذلك عام، وقد جاء كذلك في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما ذكر آداب الجمعة قال عليه الصلاة والسلام: «من اغتسل يوم الجمعة وتطهر ما استطاع من طهر ودهن من دهنه أو مس من طيب بيته ثم خرج فلا يفرق بين اثنين». فلا يفرق بين اثنين، حمل شراح الحديث هذه العبارة وهذه الجملة من رسول الله عليه الصلاة والسلام أن المقصود بذلك أن لا يفرق بين رجلين جالسين، وخاصة إذا كان بينهما حديث أو كلام، إنما إن كان هناك فرجة بين المصلين فاجلس بينهما، أما إذا لم تكن هناك فرجة وأردت أن تجلس بينهما فلا تفرق بين اثنين، فهذا حكم يا عبد الله عام في جميع المجالس. سواء كانت المجالس الناس الدنيوية في حديثهم وفي سمرهم، أو كانت في حديث الناس في مساجدهم في الجمع ونحو ذلك، فلا تفرق بين اثنين إلا إذا كان بعد إذنهما، هذا ما يذكر إخواني في الله من مسائل لهذه الأحكام الذي سطرها العلماء وكتبها في أحكام المجالس، وبقي هناك أحكام أخرى وآداب تذكر إن شاء الله في دروس أخرى. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.