آداب المجالس 6

آداب المجالس 6

الدرس في آداب المجالس 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

آداب الجلوس في المجالس وتوضيح الأصل فيها

يتحدث عن جواز الجلوس بأي هيئة ما لم يرد نهي شرعي، ويبين أن بعض الجلسات قد تكون منهي عنها شرعاً أو عرفاً. يشرح بعض الأمثلة على الجلسات المنهي عنها.

الجلسات المنهية عنها شرعاً وعلل النهي

يتناول الجلسات التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم مثل الجلوس في وسط الحلقة وبين الظل والشمس، ويشرح آراء العلماء في حكمها والآثار الصحية السلبية لها.

الجلسة المنهي عنها وهي الاتكاء على اليد اليسرى وبدائلها المستحبة

يشرح النهي الوارد في الشرع عن الاتكاء على اليد اليسرى خلف الظهر، ويبين آراء العلماء في حكمها بين التحريم والكراهة، ويستحب الاتكاء على اليد اليمنى بدلاً منها.

ختام الجلسة بالأدعية والصلاة على النبي

يتم ختام الجلسة بذكر بعض الهيئات المنهي عنها والدعاء بأن ينفع الله بما قيل فيها، مع التأكيد على قدرة الله وولايته، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، كذلك من آداب المجالس، إخواني في الله، التنبيه على أمر مهم، وهو أن يحذر الجالس من أن يجلس جلسة منهي عنها. الأصل في باب الجلوس والقعود، إخواني في الله، أنك تجلس أي جلسة إن شئت، متربعة إن شئت، على جنب إن شئت، محتبيا، سواء كان احتباء بثوب أو احتباء بحبوة أو احتباء باليد، فكل ذلك جائز لعدم وجود النهي عنه. لكن إذا كانت هناك جلسة جاء الشرع في النهي عنها، فعليك أن تلتزم، فتمتنع من فعلها. وعندي هنا في هذا الباب، كما ذكر العلماء، عدة جلسات أشير إليها. أولى هذه الجلسات ما جاء في النهي عن الجلوس في وسط الحلقة، وهو ما جاء من حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الجلوس في وسط الحلقة، إلا أن هذا الحديث لا يصح، فهو ضعيف معل، وضعفه شيخ الألباني رحمه الله تعالى، وهكذا شيخنا مقبل رحمه الله، كما في أحاديث معلّة، إذ أنه من طريق لاحق بن حميد عن حذيفة، وهو لم يسمع منه. لكن، إخواني في الله، كون أن هذا الحديث ضعيف، هل معنى ذلك أنه يجوز من ناحية الشرعية؟ ما عندي دليل على المنع، لكن تبقى، إخواني في الله، الناحية العرفية، ما تعرف عليها الناس. فلو أن مجلسا من المجالس، مثل هذه الدواوين، غرفة الضيوف، الذي اعتاد الناس عليها، أنهم في الأركان والجوانب، فيأتيك أحد ويجلس وسط القوم، ما رأيكم؟ تقول: يا أخي، قوم! يقول: لا، ما هناك حديث ينهى عن هذا، والحديث في هذا الباب ضعيف. إذن، هل تبقى بهذه الصورة؟ الجواب: لا تبقى، لأن هذا من حيث اللباقة، ومن حيث الأدب، ما يعده الناس من آداب المجالس، بل يرون هذا من خوارم المرؤة. والأصل أنك تترفع عن طريق الحلقة، وتبقى في الجهة اليمنى أو الجهة اليسرى. وهذا يجرنا، إخواني في الله، إلى مسألة مهمة، وهي أنك كذلك، كما تلاحظ المسلك الشرعي، لاحظ كذلك المسلك العرفي. أحياناً، أعراف الناس وعاداتهم تملي عليك التقيّد ببعض الآداب، وهذا باب واسع. وأنت تمشي على عرف الناس الذي جرى به عرف البلدة الذي أنت منها وإليها، فلا تخالفهم. مثاله: تأتي إلى مجلس من مجالس الناس، فتسلم على الحاضرين، فإذا بك تجد أحد الجلوس جلس ومستلق على ظهره، مستلق على ظهره، بينما القوم كلهم جلوس، قد أسندوا ظهورهم إلى الجدار، إلا هذا قد أسند ظهره إلى الأرض، واستلق على ظهره، ويسلم عليه أنت، ما الذي سيتمالكك؟ سيتمالكك العجب، فتقول: يا أخي، اجلس! يقول: ما فيه حرام! نقول: لا، ما هو حرام، لكن اجلس، اجلس كما يجلس الناس. هذا ليس من أدب المجالس. نحن نتجنب بهذه الهيئة. من أين جاء هذا المنع؟ عرف الناس. الناس لا تعرف على هذا الخلق، وعلى هذه الجلسة، أو على هذه الهيئة. الناس يمقتون ذلك. وهكذا، يا عبد الله، لاحظ عرف الناس، كذلك مما أعرف، مما في طبيعة بعض البلدان، وهذا طبعاً يختلف من عرف إلى عرف، من بلد إلى بلد. أن بعضهم يستعظم أن يواجه في المجلس يواجه شخصا أمامه، وقد مد رجليه إزاء وجهه. بعض الناس عندهم من الأدب العظيم أنك تتربع، تجلس أو أنك تجلس كهيئة الجالس بين السجدتين، تميل القدمين إلى الوراء. أما أنك تمد رجليك هكذا، وتجعل رجل وتمدها والناس في القرف المقابل، ما يقابل إلى الرجلين، بعضهم يستعظم هذا، وبعضهم قد يتلفظ، وبعضهم يسكت، وكأنهم ما رأوك. إلا أن هذا، يا عبد الله، راعي في هذا الباب، كما أنك تلاحظ وتهتم بالمسلك الشرعي، اهتم كذلك بالمسلك العرفي. فإن تعارف الناس مثلا على أن هذه الهيئة من الهيئات المنكرة، الذي ما ينبغي أن تقع في مجالسهم، فلا تفعلها. كما سمعت مثل الجلوس في وسط الحلقة، وإن كان الحديث ضعيفا، لكن لا تفعل هذا. تأتي إلى ديوان، ثم تجد في الوسط، فلا تفعل هذا. وله عندك أصل محكم، قد مر ذلك معنى، وهو أن من آداب المجالس أنك تجلس حيث ينتهي بك المجلس، كما جاء في الصحيح. تجلس حيث ينتهي بك المجلس. إن وجدت فرجة فذاك، لم تجد حيث ينتهي بك المطاف، ولو كنت قائما على الباب، ما في شيء. هذا أفضل لك، وأن تقع في أمر، يا عبد الله، يكون فيه ماذا؟ طعن في عقلك، أو طعن في أدبك. فهذا، إخواني في الله، من الجلسات المنهية عنها، وهو الجلوس في وسط الحلقة. وكما قلنا، وإن كان الحديث ضعيفا، لكن يراعى في ذلك المسلك الأدبي في عرف الناس. كذلك من الأمور، من الجلسات المنهية عنها، الجلوس بين الظل والشمس. في هذه المنطقة، منطقة التلاقي والتقابل بين ظل وشمس. أنت إذا خرجت إلى الخارج، تجد فاصل ظل شمس، الوسط تجلس في الوسط، بحيث يكون جزء منك في الظل، ونصف وشطر منك في الشمس. هذه الظاهرة جاءت الأحاديث في النهي عن الجلوس على هذه الصورة. فمن ذلك ما جاء من حديث بريدة، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يقعد بين الظل والشمس، نهى أن يقعد بين الظل والشمس، رواه ابن ماجة من حديث بريدة. وقد ذكر الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، كما في السلسلة الصحيحة، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يجلس بين الضح والظل، وقال: «مجلس الشيطان»، رواه الإمام أحمد في مسنده. وهذه اللفظة في قول نبينا «مجلس الشيطان»، استفاد جماعة من العلماء إلى أن هذه الجلسة تصل إلى التحريم، لأنها مجلس إبليس. فكونك تفعل كفعله، وتجلس كجلسته، وتقعد في مكانه، فقد بلغت، يا عبد الله، الشر العظيم. ولهذا ذهب جماعة من أهل العلم إلى تحريم هذه الهيئة. وإلا، العلماء يصرحون بالكراهة. وذكر العلماء مسلكا آخر في هذه الصورة، على أن النهي كذلك يدخل في هذه الصورة، من ناحية الشرعية، ومن ناحية كذلك الطبية، من ناحية الصحية. إذ أن هذه الصورة، كونك تتعمد أن تجلس بين الظل والشمس، فيه إخلال إلى صحة الأبدان. ذكر ذلك المناوي رحمه الله تعالى، حيث قال: لأن الإنسان إذا قصد بذلك المقعد، فسد مزاجه، لاختلاف حال البدن. يفسد المزاج، والمسلم لو يلاحظ الشريعة الإسلامية، تأمر بالعدل حتى في سائر الأعضاء، فلا تمشي بنعل واحدة دون الأخرى، هذا ما يجوز، لأن هذا إخلال لكمال العدل في الجسم. وهكذا في باب الجلوس، لا أن شطر أو جزء من جسمك في الظل، وآخر في الشمس، هذا معنى إخلال للعدل في الأعضاء. كذلك يترتب عليه تعكير المزاج، وإفساد الحال لهذا الجالس. فهذا الحكم، إخواني في الله، يكون العلماء أنه حكم شرعي، وفيه كذلك مسألة صحية. فأنت، يا عبد الله، بين أمرين، إما أنك تجلس بكليتك، إما في الشمس إن صبرت عليها، واحتجت إلى ذلك، أو أنك تجلس كلية في الظل. أما أنك تقسم الجسد إلى قسمين، فهذا مما نهى عنه الشرع. طبعاً هذا كما قلنا على من صحح الحديث، وأكثر العلماء على تصحيحه. الصورة الثالثة، أو المجلس الثالث، الذي جاءت الأحاديث في النهي عنه، ما ذكره أهل السنن، عند أبي داود وغيره، من حديث عمر بن الشريد، عن أبيه، قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بي وأنا جالس هكذا، وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري، واتكأت على أليت يدي. الأليا كما سيأتي هو اللحم الذي ينبت على عظم الإبهام. أليا، فقال عليه الصلاة والسلام: «أتقعد قعدة المغضوب عليهم؟» الحديث رواه أبو داود في سننه، وحسنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى. إذن، هذه الجلسة، إخواني، فلا صورتها كما سمعت، تجلس، لكن في نوع اتكاء، وصورة الاتكاء، أنك تأتي باليد اليسرى، ثم تجعلها خلف ظهرك، وتتكأ عليها. هذه الجلسة مما جاء النهي عنها، لأنها قعدة المغضوب عليهم. ومن هؤلاء، على خلاف من أهل العلم، قال المقصود بالمغضوب عليهم هم اليهود، هم اليهود. إلا أن بعض العلماء قال: ينظر هل هذه الجلسة مما تميز بها اليهود أم لا؟ ولهذا حمل جماعة من العلماء هذا الحديث على عموم الكفرة، من أهل الجبروت والكبرياء. قال: لأن هذه الجلسة فيها حالة إعظام، فيها حالة إعظام. فهذه الجلسة منهي عنها. وجماعة من أهل العلم يرى أن هذه الجلسة إنما تحصل في حال الصلاة، وذلك لأن ابن عمر رضي الله تعالى عنه مر على رجل يصلي، وهو في حال التشهد، في حال الجلوس، وقد اتكأ على يده اليسرى، فنهاه ابن عمر عن ذلك. قال: «هذه جلسة الذين يعذبون»، فنهوا عن ذلك. لكن جمهور العلماء على المنع، جمهور العلماء يرون أن المنع عام، أنه منهي عن أنك تجلس هذه الجلسة في صلاتك، وأنها منهي عنها، وأن تجلس وأنت في الجلسة العادية، مثل أنت جالس الآن تستمع لدرس، أو منتظر لصلاة، أو جالس في ديوان، أو جالس في غرفة. فهل هذا للتحريم أم للكراهة؟ منهم من قال: هذا محرم، لأن الشرع جعلها من جلسة الذين يعذبون، كما في لفظ ابن عمر، وفي لفظ نبينا صلى الله عليه وسلم أنها جلسة المغضوب عليهم. فذهب جماعة إلى حرمة الجلسة. ومنهم من ذهب إلى الكراهة. قد يقول قائل: أنا، أخي، أنا ما أفعل هذه الجلسة تشبها باليهود، لا تقليداً، وإنما لكي أستريح. قال العلماء: ولو، ولو فعلت هذا للاستراحة، تستريح هكذا، لا تفعل ذلك، لا تتكأ باليسرى. إذن، ما هو السبيل؟ السبيل ما ذهب إليه جماعة من العلماء، إما أنك تتكأ باليمنى، فقالوا: هذا لا بأس، اتكأ باليمنى، استرح بهذه اليمنى، اجلس اتكأ عليها لكذلك. أو إن كان ولابد من اليسرى، فاجعل اليمنى خلفها، تتكأ على اليدين جميعاً، اجعلهم خلف ظهرك، وهذا يفعله جماعة من الناس، جماعة من الناس يتكأ خلف اليمنى وخلف اليسرى، فيجعلهم خلف ظهره، ويتكأ على هذه الصورة. قال العلماء: كما يصرح بهذا الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، قال: هذا لا بأس به. وإنما المنهي عنه أنك تتكأ على يدك اليسرى، فهذه، إخواني، من المجالس ربما تنتشر عند كثير من الناس، للجهل بها. وكذلك الخلاف حاصل: هل هذا عام في كل مجلس أم خاص بالصلاة؟ وإلا أكثر العلماء، كما في فتاوى اللجنة الدائمة، وكبار العلماء، يرون أن الحكم عام في أي جلسة، لا تفعل هذه الجلسة. وأن بعضهم أوصلها للحرمة، وبعضهم أوصلها للكراهة. فهذا ما يذكر من بعض الهيئات، وسيأتي كذلك بعض الجلسات التي جاء الشرع بالتنبيه والتنويه عليها بأن لا تفعلها. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.