آداب المجالس 8

آداب المجالس 8

الدرس في آداب المجالس 8، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية كفارة المجلس وتأصيلها

كفارة المجلس ذكر يقال عند انتهاء المجلس لتكفير ما قد يحدث فيه من خطأ أو زلل، ويتمثل في قول "سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك". هذا الذكر له أهمية كبيرة في تكفير صغائر الذنوب.

دلالة حديث كفارة المجلس على تكفير الذنوب

حديث كفارة المجلس يدل على تكفير الذنوب، ويتناول آراء العلماء حول شمول التكفير للذنوب الكبيرة مثل الغيبة، حيث يرى بعضهم أن كفارة المجلس تنطبق على صغائر الذنوب.

حكم ذكر كفارة المجلس في مختلف المجالس وتطبيقاتها العملية

يختلف أهل العلم في حكم ذكر كفارة المجلس بين مجالس الذكر والوعظ ومجالس الناس العامة، حيث يرى بعضهم أنه يحتاج إليه في الكلام الاعتيادي، بينما يرى آخرون أنه يمكن ذكره في جميع المجالس لتحويلها إلى مجالس مباركة.

ختام درس آداب المجالس والانتقال إلى دروس قادمة

تم الانتهاء من ذكر آداب المجالس، وسيتم الانتقال إلى أدب آخر من الآداب الشرعية في دروس قادمة بإذن الله، مع تقديم شكر لله تعالى على إتمام هذا الدرس والاستغفار والتوبة إليه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، من آداب المجالس إخواني في الله، ولعلنا نختم بهذا الأدب، وهو يتعلق بكفارة المجلس. وكفارة المجلس إخواني في الله عبارة عن ذكر ورد يأتي به المسلم إذا انقضى وإذا انتهى من مجلسه الذي جلس به أو جلس فيه. وكم هي المجالس التي نتحدث فيها؟ وفائدة هذا الذكر والورد مستفاد من اسمه كفارة المجلس، أن يكفر الله جل وعلا ما عسى أن تكون قد وقعت فيه من خطأ ومن زلل. ومن تلكم الأوراد والأذكار إخواني في الله ما رواه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في سننه من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال: «قل ما كان يقوم رسول الله صلى الله عليه وسلم من مجلسه إلا ودعا بهذه الدعوات لأصحابه: اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغن به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارثة منا». إلى آخر الذكر، فيه نوع من الطول، لكن كان هذه الكلمات مما يقولها نبينا صلى الله عليه وسلم من مجلسه. وقال العلماء: وإنما كان يفعل ذلك نبينا أحيانا يفعل ذلك أحيانا. وهناك حديث مشهور، وقد جاء عن جمع من الصحابة كما سيأتي ذكره، وهو ما جاء من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليه، إلا كفر الله له ما كان في مجلسه ذلك». وهذا ذكر مختصر، وهو سلس سهل ميسر: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك». من قالها قبل أن يقوم من مجلس وكان فيه لغط، إلا كفر الله له ما كان في مجلسه ذلك. وهذا الحديث قد جاء عن جمع من الصحابة كما قال الألباني رحمه الله تعالى، فقد جاءت الأحاديث، أي جاءت هذه الأحاديث من قوله عليه الصلاة والسلام، وأيضا نقلت من فعله، نقلت من فعله، فقد جاء ثبت ذلك من حديث أبي هريرة، ومن حديث أبي برزة، ومن حديث عائشة رضي الله تعالى عنهم، ورافع بن خديج، وعبد الله بن عمر، ووساء بن يزيد، وأنس بن مالك، وعبد الله بن مسعود، والزبير بن عوام إلى آخره. حتى أن شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى سئل عن ثبوت هذا الحديث، أوحى رحمه الله تعالى أن الحديث المروي من طريق أبي هريرة رضي الله تعالى عنه نعم قد أعل، وأن فيه ضعف وانتقاد، لكن قال رحمه الله تعالى: لكنه صحيح ثابت من طرق متعددة، صحيح ثابت من طرق متعددة، قال: ذكرها الحافظ بن حجر في آخر فتح الباري. ثم ذكر رحمه الله تعالى أن الأحاديث متكافرة في صحة هذه الرواية: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك». وهذا الحديث إخواني في الله فيه من التعظيم لجناب الرب سبحانه وتعالى. «سبحانك اللهم وبحمدك» فيه التنزيه، إذ أن سبحان والتسبيح بمعنى التنزيه، أي أنك تنزه الله جل وعلا تنزه مما قد اقترفناه، وذلك أننا لم نقم بحقه سبحانه وتعالى. وحق الرب أن يذكر فلا ينسى، إلا أننا في هذا المجلس الذي كثر فيه اللغط نسينا أن نذكر الله جل وعلا، فننزه الله عما اقترفناه في حقه سبحانه وتعالى أن نسيناه. «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك»، تعترف بخطأك وبتقصيرك وبزللك، فتطلب المغفرة من الله سبحانه وتعالى، فتستغفر ربك وتتوب إليه. فهذا إخواني في الله من الأحاديث الجامعة الطيبة التي اجتمعت على تنزيه الله وعلى تعظيمه وعلى حمده وشكره، وعلى اعتراف العبد بخطأه وذنبه. حتى أن جماعة من المفسرين أو من أهل العلم ذهب إلى أن هذا المعنى من هذا الحديث هو المقصود في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾، الأصل أن المفسرين رحمه الله تعالى فسروا هذه الآية: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾، أي من الليل حين تقوم من الليل، تأتي بتسبيح الله جل وعلا، سبحوه بكرة وأصيلا. إلا أن جماعة من العلماء كما نقل ذلك عن مجاهد رحمه الله تعالى وعن أبي الأحوص وعن غير واحد ذهبوا إلى أن هذه الآية يراد منها أن تقوم من المجلس، وسبح بحمد ربك حين تقوم، أي حين تقوم من مجلسك. فكيف تسبح الله حين تقوم من مجلسك؟ تأتي بهذا الذكر: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك». وقد كان كما نقل جماعة من أهل العلم أن الكثير من السلف من كان يعتني بهذا الذكر وبهذا الورد إذا أراد أن يقوم من مجلسه الذي جلس فيه. وهنا تأتي مسائل إخواني في الله متعلقة بهذا الباب، منها أن هذا الحديث قال فيه نبينا: «من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه». واللغط هو الكلام الذي لا فائدة فيه، لا فائدة فيه، ليس فيه فائدة لا في الدنيا ولا في دين. من الضحك والهزاء والاستهزاء، وقس على ذلك مما لا فائدة منه. تأتي مسألة أخرى، فهذا الذكر يكفر عنك هذا الذي وقع منك. تأتي مسألة وهي: قد يقع في هذه المجالس غيبة، مثلا أن تذكر أناسا بقدح، تتكلم في أعراضهم. وإذا تقع في مجالسنا للأسف تتكلم في عرض فلان أو في عرض فلانة، وتذكرها بما يسوء، هذا لا يجوز غيبة. لكن هل كونك عندما تأتي بهذا الذكر فإن الله جل وعلا سيكفر عنك هذا الذي وقع منك أم لا؟ العلماء في هذه المسألة على قولين اثنين. من أهل العلم من أخذ بالعموم، أخذ بالعموم، لأن في آخر الحديث قال: «إلا كفر الله عنه ما كان في مجلسه»، كل ما وقع فإنه يدخل في عموم التكفير. ومن أهل العلم من قال: لا، الغيبة أو النميمة وما كان من معانيها من مسائل كبائر الذنوب، هذه لا تكفرها مثل هذه الأذكار، إذ أن هذه تحتاج إلى توبة وتحتاج كذلك إلى تحلل، أنك تتحلل من أصحابها. لهذا لما سئل العلامة سماحة الشيخ بن باز رحمه الله تعالى عن كفارة المجلس هل تكفر الغيبة؟ قال: لا، لا، قال: بل الغيبة تحتاج إلى تحلل، تذهب وتستسمح من أصحابك. فبعض الناس إخواني في الله أحيانا يتعلق على هذا الحديث فيقول: سهل، سنخوض في أعراض الناس، في أعراض المسلمين والمسلمات، بالتفكه والتنكت والقدح والذم والطعن والغمز، ثم إذا انتهينا وشبعنا من الكلام فيهم أتينا بكفارة المجلس: «سبحانك اللهم وبحمدك» إلى آخره، فيكفر الله عنا ما جرى؟ لا، ليس الآن بهذه السهولة. فإن جماعة من أهل العلم لا يرون أن الكفارة تغنيك، إنما قالوا: الكفارة إنما تكون في صغائر الذنوب، في صغائر الذنوب. وقعت منك زلة، وقعت منك هنة، وقعت من كلام فارغ فاضي، أما أنك تدخل في أعراض الناس، لا، ما يجوز هذا، فانتبه يا عبد الله على هذا، ولا تغتر كما يفعل بعض الناس أن يغتروا بمثل هذه الاعتقادات والظنون الفاسدة، فيقعون في أعراض الناس. كذلك يا عبد الله من هذه المسألة: هل هذه الأذكار تذكر في كل مجلس؟ يعني مجالس حديث الناس الدنيوية، أو تدخل كذلك في مجالس العلم؟ لأن من الناس ومن أهل العلم من يرى أن مجالس الذكر ومجالس العلم كهذا المجلس ليس بحاجة إلى هذا الذكر، لماذا؟ يقول: ليس بحاجة، قال: لأن الحديث المروي في هذا الباب قال فيه نبينا: «من جلس في مجلس كثر فيه لغطه»، فيه لغط، فيه كلام لا فائدة فيه. بينما هذه المجالس مثلا مجالس العلم والذكر ومجالس قراءة القرآن، هل فيها لغط؟ ليس فيها لغط أصلا، ليس فيها لغط. لهذا هل نأتي بهذا الذكر؟ لهذا من أهل العلم من يرى أن الذكر لا يأتي في مثل هذه المجالس، وإنما الذي فيها يكفيك، الذي فيها فيها كونك تقول: قال الله، قال رسول الله، فيه فائدة علمية، فائدة عملية، فائدة سلوكية، فائدة أدبية، فهي فوائد الدنيا والآخرة، فيغنيك، فأنت لا تحتاج إلى هذا في مجالس الذكر والوعظ، وإنما هذا يحتاج إليه في كلام الناس الاعتيالي. جلست في مجلس مع زوار، مع إخوان، مع أقارب، مع أرحام، ورأيت أن هناك لغطا زاد، وأن الكلام قد توسع فيه حتى دخلنا فيما لا تحمد عقباه، حينها حاول أن تستدرك بهذا الذكر. قالوا: هذا محل في حديث الناس، وفي سمر الناس، وفي مجالس الناس العامة. أما في مجالس الذكر والوعظ لا يرى هذا. ومن أهل العلم يقول: لا، بل يمكن، وأن هذه المجالس تحتاج إلى هذا الذكر، حتى قال بعض السلف رحمه الله تعالى: أن هذا الذكر إن جئت به في مجلس حسن، فإنه بالذكر يزداد حسن، وإن جئت به في مجلس فيه إساءة، كان له كفارة. فأنت لن تخسر، لن تعدم من خير، لكن هذه فائدة. حتى نفقه مثل هذه المسائل، كذلك على القول بأن هذه الكلمات: «سبحانك اللهم وبحمدك»، لو قلنا على الترجيح الثاني، على أن يؤتى بها كذلك في مجالس العلم وفي مجالس الوعظ، هل دائما نأتي بها دائما في كل مجلس نقدم بها؟ قال العلماء: في هذا نظر، في هذا نظر، أي لا نصبح أن نلزم الناس في كل مجلس، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت أنه جلس عدة المجالس، وما كان يأتي بها دائما في كل مجلس. فعلى هذا إخواني في الله، فالإنسان يأتي بهذا أحيانا، وخاصة كما قلنا في المجالس الذي يشعر بها صاحبه أنه قد خرج عن الكلام غير اللائق، فكثر فيه اللغط، وقع في خطأ، وقع في زلل، يحاول أن يستدرك بهذه الكلمات. وهذا يجرنا إخواني في الله إلى مسألة قد ذكرناها في أول أدب من آداب المجالس، أن تكون هذه المجالس عامرة بذكر الله. احرص يا عبد الله على أن تكون عامرة بذكر الله، ولو أنك تذكر لفظ الجلالة الله سبحانه وتعالى، تذكره بالحمد أو بالشكر أو بالثناء أو بالتعظيم، فإن هذه المجالس تكون مباركة. أما أنها تعدم مطلقا من ذكر الله، ثم تختم المجلس فتقوم ولا تأتي بكفارة المجلس، لا هذا ولا ذاك، فحينئذ إخواني في الله يكون حسرة، كما صح ذلك عن نبينا: «ما من مجلس يقوم عليه أصحابه ولم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم فيه، إلا كان حسرة وترة على أصحابه يوم القيامة». فالمسلم إخواني في الله يحرص على أن يعمر المجالس، سواء كان بين أصحابك أو بين زملائك، في مجلس عام أو في مجلس خاص، سواء كان في تعليم، سواء كان في إرشاد، سواء كان في سلوك، أن تكون هذه المجالس عامرة بذكر الله جل وعلا كما قلنا. وليس عمارتها أن تجعلها محاضرة، هذا ليس الأصل، إلا أن هذا نور على نور، لكن لا أقل، لا أقل أنك إن جلست مجلسا أن تذكر الله فيه، أو ما كان في ذكر الله. وما معنى في ذكر الله؟ كأن تذكر شيئا من آيات الله، تذكر شيئا من الجنة والنار، تذكر شيئا من حال الأنبياء والرسل، تذكر شيئا من أخلاق حميدة أو آداب سديدة أو أقوال فاضلة، تذكر شيئا مما يتعلق بالدين. قال العلماء: هذا يحل محل ذكر الله عز وجل، لأن المقصود بذكر الله المقصود بذكر الله عدم الغفلة عن الله، هذا الأصل. هذا الأصل المراد بذكر الله عدم الغفلة عن الله، فإذا أزلت الغفلة عن أي شيء بأي طريقة، بأي لفظ، بأي طريقة، فإن هذا يكون من عداد ذكر الله، كما صرح بذلك العلماء. وبهذا المقام إخواني في الله انتهينا ولله الحمد والمنة من ذكر آداب المجالس، وإن شاء الله في دروس قادمة ندخل في أدب آخر من الآداب الشرعية التي دلت عليها الملة الإسلامية. فسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.