آداب المجالس 5

آداب المجالس 5

الدرس في آداب المجالس 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

آداب المجالس وحكم التناجي

يتناول هذا الفصل آداب المجالس وحكم التناجي بين شخصين دون الثالث، مستندًا إلى أحاديث نبوية وآيات قرآنية. يُوضح كيفية التعامل مع هذه المواقف في مختلف السياقات.

النهي عن استراق السمع وتتبع العورات

يناقش هذا الفصل النهي عن استراق السمع وتتبع عورات المسلمين، ويستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي ينهى عن استماع حديث قوم وهم له كارهون. يُبين عقوبة ذلك في الآخرة وأنه من كبائر الذنوب.

أمانة المجالس وحرمة التنصت

يُشدد هذا الفصل على أهمية الحفاظ على أمانة المجالس وحرمة التنصت على حديث الناس دون إذنهم، ويوضح أن استراق السمع أو نشر ما دار في المجالس الخاصة يُعد خيانة للأمانة. يُؤكد على ضرورة احترام خصوصية الناس.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمن آداب المجالس إخواني في الله عدم التناجي والنجوة، كما فسرها العلماء، هو السر بين اثنين. وقد جاء النهي عن ذلك في أحاديث كثيرة، منها ما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس، فإن ذلك يحزنه». فهذا الحديث بدلالته واضحة في أننا إذا كان في المجلس مثلاً ثلاثة، إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان، وقد مر التناجي هو السر بين اثنين دون الثالث، دون الآخر. والعلة في ذلك قال عليه الصلاة والسلام: «فإن ذلك يحزنه»، أي أن هذا مدعاة لحصول الحزن للثالث. وقد جاء ذلك موضحًا في كتاب الله جل وعلا، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا﴾. قال العلماء: ووجه الحزن في هذا المقام أن الثالث ربما ظن في نفسه أن هؤلاء إنما يتسارون بسر فيه، أو يتكلمون فيه، يقتسموني، فيأتيه الضيق والهم والحزن لما قدح في ذهنه من هذا الظن، أو ربما هو هذا أقل ما يمكن أن يقول هذا الثالث: أن هؤلاء ما تناجوا دوني إلا احتقارًا لي، وأنهم اعتبروني أهلاً لأن يتكلموا معي، فتساروا بالسر بينهم دوني، وهذا كذلك من أسباب دخول الحزن لهذا. إخواني في الله، فيكون هذا النهي واضح الدلالة، فلا يجوز هذا إذا كنا ثلاثة في المجلس. أما إذا كنا أربعة فلا إشكال في ذلك. وقد جاء عند أبي داود في روايات هذا الحديث قال أبو صالح: فقلت لابن عمر: فإن كنا أربعة؟ قال: فلا بأس، إذا كنتم أربعة فلا بأس، أي اثنان يتناجيان بسر، واثنان يتحدثان، ما في إشكال؛ لأن هذا ليس فيه علة النهي. لكن قد يقول قائل: يا أخي، أنا في المجلس وإن كنا ثلاثة، لكني بحاجة أن أسر لهذا الزميل بسر لابد أنا محتاج، فماذا أفعل ونحن ثلاثة؟ فنقول: عليك يا عبد الله أن تعمل بظاهر الحديث، ماذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم؟ «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج إثنان حتى تختلطوا بالناس»، بمعنى حتى تنضم إليهم، ويتحدث بعضكم إلى بعض، أي مع الناس، حينها ذهبت النجوة. ومثالك أنت في مجلس فكنتم ثلاثة، وأنت عندك موضوع خاص لواحد منهم، فكونك تسر دون الثالث دخلت في الحرمة، فما الذي تفعل؟ انتظر حتى يأتي الناس، أنت في مجلس سيأتيك ناس، المدعومون لهذه الدعوة سيأتون، فإن جاء واختلط الناس في المجلس، حينها لا بأس أن تقول: يا فلان، عندي موضوع خاصه بالحديث دون الناس، فذهب هذا. أو إذا ما عندك صبر حتى يجتمع الناس، فافعل كما فعل ابن عمر رضي الله تعالى عنه. ابن عمر كان ثالث ثلاثة، فأراد أحدهم أن يسر بسر لابن عمر، فقال: كيف تسر هذا وهو لا يجوز؟ فماذا فعل ابن عمر؟ فنادى رجلاً: تعال يا فلان، نادى، فكم أصبحوا؟ أصبحوا أربعة، فحينها أمر ابن عمر بزميله الذي أراد أن يسر بسر، وقال: تعالى، وأمر الذي دعاه الرابع أن يجالس الثالث، فذهبت صورة التناجي، فلا بأس حينها أن يسر هذا. طيب تأتي مسألة أخرى، وهي ما لو ما عندي لا هذا ولا ذاك، أنا على إياس أن نختلط بالناس، أن نكون ثلاثة في سفر، ما أنا أؤمل أن أجد أحدًا يدخل معنا، وهناك رابع ناديه، ما ينحب أن نكون ثلاثة في موكب، فحينها ما العمل؟ وأنا لابد أن أخص هذا أحدهم بحديث ما سر؟ فهل ينفع أن أستأذنه؟ قال علماء: نعم، في هذه الحالة إذا أغلقت عليك الطرق وأنت بحاجة إلى أن تسر بسر لأحد الثالثين، فلك أن تسر، لكن بشرط أن تستأذن الثالث، تقول: أخي، لو سمحت، أنا عندي والله موضوع لابد أن أخبر به فلان، تسمح لي بدقائق؟ أتفضل، سأين رخص لك، أذن لك، بحيث يزال ما في قلبه من الظنون، فحينها لا بأس بذلك. واستدل بعض العلماء في رواية مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كنتم ثلاثة فليتناج اثنان دون الثالث إلا بإذنه»، إلا بإذنه، فإن وجد الإذن فحينها لك أن تفعل، وإلا فاحرص يا عبد الله أن لا تقع في هذه الصورة. هذا ما يتعلق بهذا الأدب، وهو عدم التناجي في المجالس. يأتي أدب آخر إخواني في الله، وهو أن النهي عن استماع الحديث بين اثنين من غير إذنهم. وهذا مسك إخواني في الله، للأسف من المظاهر السلبية والأخلاق الرزية التي ظهرت في مجالسنا، وهو استراق السمع. أنك تسترق السمع يا عبد الله، بحيث أنك تحاول أن تتجسس، تتجسس على اثنين. وقد جاء الحديث الموضح لشدة عقوبة من يصنع هذا الصنيع. فقد روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: عليه الصلاة والسلام: «من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنه الآنك يوم القيامة». من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك. والآنك قال علماء: هو الرصاص المذاب، رصاص يذاب، فتخيل يا عبد الله أن يصبوا صبًا في أذنك، ما شدة الألم؟ ما يخطر على بالك عقوبة عظيمة. وعلى ظل هذه العقوبة قال العلماء: إذن هذه المسألة التي بين أيدينا تعد من كبائر الذنوب؛ لأن الله جل وعلا توعد صاحبها بالعذاب الأليم، فهو ذنب عظيم. وصورة المسألة كما قلنا: أنك تحاول أن تسترق السمع لحديث دار بين اثنين، دار بين ثلاثة، دار بين قوم، وهم لا يريدون أحد أن يستمع إليهم. فإذا كان بهذا الصورة لا يجوز، خرج بهذه الصورة إخواني في الله. إذا كان الحديث مثلاً ليس ممن يكرهونه، بدليل أن أصواتهم ترتفع، دخلت مجلس من المجالس، وجدت جماعة جلوس في زاوية مثلاً يتحدثون بأمر يتعلق بهم، أنت جالس لوحدك، لكن تجد أن أصواتهم ترتفع، ترتفع الأصوات، وأنت تستيقظ بعض العبارات الشريكة، والله خسارة المظف، يتكلمون حول الوظيفة والعمل، لكن أنت ما استرقت السمع، وهم كذلك ليسوا كارهين لأن تستمع، بدليل أن أصواتهم ارتفعت، هل هذا يضر؟ لا، هذا لا يضر، اجلس في محلك، أنت لا تقوم حتى تقول لنا: أخشى أن أدخل في الوعيد، لا، ما هناك وعيد يتعلق به؛ لأنهم لو أرادوا السرية والكتمان لما رفعوا أصواتهم. فهذا مخصص؛ لأن النبي قال: «وهم له كارهون»، فإذا وجدت الكراهة فحينها امتنع عليك يا عبد الله أن تستمع. وهذا النهي إخواني في الله يجرنا إلى مسألة أن النهي عن التجسس، وعن تتبع عورات المسلمين، وخاصة في مجالسهم. وكما قلنا: وهذه آفة، بعضهم يجعلها يخرجها بمخرج ماذا؟ فضول، والله أنا فضولي، أحب أعرف بماذا يتكلمون هؤلاء؟ إيش معهم؟ فيخرجها على أنه فضولي، لا يا عبد الله، من أنت فضولي؟ أنت فاسق، هذه كبيرة، هذا إثم، فضولي فعلها في أمور مباحة. كونك تتفضل وتتطفل على أخبار الناس، لكن تقع في حرام، في معصية. فمثلاً ماذا يفعل بعض الناس؟ يرى اثنان يتكلمان، يقرب منهم، يقرب، بل يتظاهر يمسك ختمة أو يقرأ كتاب أو يمسك بجوال كأنه يتابع أخبار، وهو في حقيقة الحال ما جلس إلا لأن يسترق السمع، هذا كبير يا عبد الله، من كبائر الذنوب. تسترق السمع والأعمال بالنيات، أنت تنوي ماذا أصلا؟ فكونك تتظاهر بقراءة أو بقرب أو تظاهر بشيء من الأمور وأنت في قصدك ونيتك استراق السمع، فقد وقعت في النهي. أو قل كذلك ما يقع في بعض المجالس أنك تسترق السمع من عند الباب، تقول: يا أخوان إيش في الغرفة؟ الله يقولك: في جماعة في الغرفة عندهم موضوع خاص، هكذا موضوع خاص، وأغلقوا الباب من الموضوع خاص تمامًا، فإذا انصرف الناس فتأتي أنت عند الباب وتحاول أو أنك تخرق الباب وتنظر، تستمع عن ماذا يتحدثون، هذا حرام يا عبد الله، هذا استراق السمع. «من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك يوم القيامة»، لأنه لو علموا وعرفوا أنك تسترق السمع بهذه الصورة لو وبخوك، وزد على هذا في هذه الأزمان المعاصرة مع وجود الابتكارات الحديثة ورد عدة صور، مثل المكبرات الصوت أنك تتجسس على بعض المجالس عن طريق مكبرات الصوت أو عن طريق أجهزة التنصت، وأنك تدس سماعة أو تدس جهاز تسجيل. علمت أن هذا المجلس سيأتي فلان وفلان ومعهم موضوع سيتناقشون فيه، وما أحد سيدخل عليهم، طيب سهل، وأنه سيجلسون في الغرفة الفلانية، أبشر، ما أحد سيدخل عليهم، ثم أنت تعد العدة، بتأتي بأجهزة التنصت تسجيل أو سماعات تسجل ما يتحدث به القوم، هذه كبيرة، هذه كبيرة من كبائر الذنوب. فاحذر يا عبد الله، وخذها قاعدة: إياك يا عبد الله أن تتدخل فيما لا يعنيك، وخاصة إذا كانت القرينة واضحة أن قومًا ما أرادوا أحد أن يعلم بحالهم وأخبارهم، فلا تتنصت أو تتتبع هذه العورة، هذه عورة. ومن ذلك إخواني في الله مثاله: ما يكون في بيوت الناس أحيانًا، أنت جار، سمعت مثلاً صراخ وعويل في بيوت الجيران أمرًا عظيمًا، دب بينهم شجار، صراخ، أصبحت الصبح، فإذا بهؤلاء الجيران كتموا الأخبار، ما أحد حدثك بشيء، وأنت عندك فضول تريد أن تعرف إيش اللي صار؟ فعلمت أن القوم ما أرادوا أن يخبروك بالذي جرى بينهم في بيتهم، فللبيوت أسرار. لكن ما الذي تفعل؟ أنت تفعل طريقة هذه يفعلها بعض العامة، والأمر للأسف ماذا يفعل؟ قل: أبشر، سأتي بالأخبار، فيأتي إلى صبي القوم، إلى صغير الجار، لهم ابن صغير، قل: تعالى، ولا تعالى، إيش اللي صار بالبارحة؟ إيش اللي صار أمس؟ خبرني، فيحاول أنه يتقرب حتى يسترق السمع عن طريق هذا الصبي، هذا محرم كما صرح بذلك العلماء كالصنعاني وغيره، أن هذه من خيانة الأمانة. فالمجالس إخواني في الله بالأمانة، وهذا موضوع عام من كل المواضيع. وأن نعلم أولاً أن مجالس الناس محفوفة بالأمانة، أي مجلس، كقوله عليه الصلاة والسلام: «المجالس بالأمانة»، أي محفوفة بالأمانة. فإذا كان هناك حديث دار بين اثنين، دار بين ثلاثة، الأصل أنه يبقى بينهم، لا أن أحد من الخارج يستمع إليهم، ولا أحد من الذين دار الحديث بينهم أن يخرج الخبر إلى الخارج، فالخارج ممنوع، والداخل كذلك ممنوع أن يفشي ما دار في هذا المجلس، وخاصة الأخبار التي تأتي باللوم وتأتي بالتوبيخ. أحيانًا أنا أحتاجك يا عبد الله في سر، فتقول: يا فلان، تعالى، تعالى لبيتي، فأعطيك أمرًا مهمًا، فإذا بك أنت تخرج وتنشر: والله فلان جلس معي وقال كذا وكذا وكذا، هذا لا يجوز، هذا إخلال بالأمانة، هذا خيانة. وليس من شرط الأمانة يا عبد الله أن تجد استحلافًا أو أن صاحب الحديث يأخذ عليك العهد والمواثيق، هذا ليس شرط؛ لأن بعض الناس يقول: يا فلان، كلمت لكن ما قال لي: بالله عليك لا تقول لأحد، ما قال لي هكذا، ولا قال: وعد أنك لا تخبر أحد، ما قال لي هذا، خلاص أنشر، لا، ما يجوز، يكفيك القرينة. فإذا كان الرجل أعطاك خبرًا في مجلس ما، ورأيت أن هذا الخبر حقه أن يبتم، فيجب أن يبتم. قال عليه الصلاة والسلام: «إذا حدث الرجل بحديث ثم التفت فهي أمانة»، إذا حدث الرجل بحديث ثم التفت فهي أمانة. لماذا يلتفت؟ هذا أمر إخواني فينا، تجده مثلاً تجد بعض الناس جالس في المسجد، وعندك أشخاص ما يكلمك حتى ينصرف الناس، إذا انصرف الناس جاء لوحده، لماذا جاء لوحده؟ سؤال، لماذا جاء لوحده؟ قرينة واضحة، ما أراد أن الجمع يسمع، هذه قرينة. أو أنه يأخذ بيدك، يأخذ بعيد إلى زاوية ويعطيك الموضوع، مع أنه ما استحلفت، ما أخذ عليك العهد والمواثيق، لكن أنت عاقل تعرف أنه ما جرجرك إلى تلك الزاوية إلا لأنه يعطيك حديث لك أنت، فكيف بعد ذلك تخبر الحديث لغيرك، تبوحه وتنشره، فما يجوز. هذه خاصة مع هذه الأزمان، وكما قلنا مع هذه الأدوات الحديثة، يأتي بعض الناس يتصل عليه باتصال خاص، وأنت عندك أناس في المجلس، فتشغل السماعة الخارجية، ويتكلم معك بكلام خاص، وأنت تسمع القوم، هذا ما يجوز، هذا ما يجوز إخواني في الله. فالمجالس لها أمانة، إلا إذا أعطاك إذنًا أو تجد أن الموضوع ليس فيه شيء، فنجد ينشر، طيب، الله يجوز، مع فلان الكلمة، نحن مواضيع عامة سهل، لكن مواضيع حساسة وخاصة بين اثنين أو بين قوم، بين مجلس، فلا يجوز أن ينشر. فإخواني في الله، فهذه من الآداب العظيمة، وهو أن تعلم أن المجالس محفوفة بالأمانة، فإن كان هناك قوم جلسوا لأمر ما، وما أراد أحد أن يستمع لهم، فلا يجوز أنك تسترق السعر بأي صورة من الصور. وأيضًا من جلس في هذا المجلس وكان قريبًا من الموضوع من الأمور التي ما أرادوا أن يسمعها غيرهم، فلا يجوز أن تفشي ما دار في المجلس؛ لأن المجالس بالأمانة. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.