آداب المشي والركوب 8

آداب المشي والركوب 8

الدرس في آداب المشي والركوب 8، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

حكم المرور بين يدي المصلي وسترته

يُحذر من المرور بين يدي المصلي وسترته، ويعتبر ذلك من المعاصي. يُشرع للمصلي اتخاذ سترة والدنو منها.

تحريم المرور وتوضيح المسافات المسموح بها

يتناول تحريم المرور بين يدي المصلي وسترته، ويوضح المسافات المسموح بها للمرور، ويشير إلى بعض الأماكن التي لا يجوز المرور فيها.

حكم المشي في الأماكن الضارة

يناقش حكم المشي في الأماكن التي قد تسبب الضرر للإنسان، ويشير إلى جواز التخلف عن الصلاة في المسجد والصلاة في البيت في مثل هذه الأحوال.

ختام المبحث وآداب الركوب

اختتم المبحث حول آداب المشي، واعدًا بالانتقال إلى مبحث آداب الركوب، ودعا الله أن ينفع بما قيل ويختتم بالصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، مرة مضى معنا في درس أمس، ولازلنا في آداب المشي، ما يتعلق بمشي المعصية، والذي به ينال العبد الإثم والوزر عن طريق خطوات يخطوها. وقلنا أن مرد ذلك باعتبار صفته أو باعتبار مقصده، فمن قصد المشي إلى مكان محرم كانت هذه الخطوات معصية، أو باعتبار صفته، كونك تمشي مشيًا قد جاء الشرع بالنهي عنها، فإنك تؤثم. وأشرنا إلى ما يتعلق بصفة المشي، ما كان من المشي بالتبختر، أو المشي بنعل واحدة، أو المشي بالنعال بين القبور. وأيضًا مما يضاف، إخواني في الله، من هذه أنواع المشي الذي يمنع عنه المسلم، المشي بين المصلي وسترته. السنة قد شرعت لكل مصلي، إذا أراد أن يصلي، سواء كان منفردًا أو كان إمامًا، وأما المأموم فسترة الإمام سترة له. فالمنفرد والإمام إذا أراد أن يصلي، فإنه يشرع له أن يتخذ سترة، ومن أهل العلم من أوجبها، ومن كانت له سترة فليدن منها. فهذه المسافة بين المصلي وسترته لا يجوز لأحد أن يقطعها أو أن يمر بها أو يمر من خلالها، هذا لا يجوز، ويدل على ذلك ما جاء في الصحيحين، وقوله عليه الصلاة والسلام: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه»، يعني لو أن المار والذي سيقطع هذه الخطوات فقط بين المصلي وسترته، لو علم بعظيم الإثم الذي سيلحقه لقطعه بين المصلي وسترته، لكان الوقوف أربعين سنة خيرًا له من أن يمر. طبعًا هذا من باب المبالغة، لأن المصلي ما سيصلي أربعين سنة، ما هي إلا دقائق سيصليها. لهذا انتظر، انتظر يا عبد الله، فإن هذا لا يجوز. للأسف نجد الإهمال من كثير من الناس، من ربما يمشي ويدفع في المسجد، لا يبالي من يصلي ومن لا يصلي. ولهذا شرع للمصلي أنه يدفع، يمنع المار، قال: «فليدفعه، فإن أبى فليقاتله»، أي أشد. فالمصلي يشرع له أن يحمي وأن يدافع عن هذه المسافة، فلا أحد يقطعها عليه. فربما نعم، بعض الناس يقطعها لا عمدًا ولا قصدًا، وإنما سهوًا أو غفلة أو لم يتنبه ويتأمل في هذا المصلي. فأنت تذكر بالأقل فالأقل، ترده بالذي يحسن، لكن إن رأيت منه كبر وعناد وأراد أن يمر، إن لا يمر، فحينها ادفعه بالأقوى والأشد. وقوله عليه الصلاة والسلام: «لكان خيرًا له من أن يمر بين يديه»، كم هي المسافة التي ستعطيها؟ أحيانًا يكون المصلي من غير سترة، أحيانًا يكون المصلي من غير سترة. وأكثر ما يقع عند المتأخر، رجل جاء متأخر في الصلاة، فعليه ركعات يصليها، فالصفوف الأول قامت، فبقى هو يصلي على حالته متأخر، فأصبح عنده فضاء فراغ. أو رجل ممن لا يقيم للسترة اعتبارًا، لا يتستى في صلاته بسترة، فيصلي في الفضاء. طيب هل معنى ذلك أنك تمر؟ لا، لا تمر، لأن الشرع لا جعل لهذا المصلي حرمة بين يديه، لا تمر بين يديه، كم من مقدار؟ إن كانت السترة موجودة فلا إشكال، إن لم توجد السترة اختلف العلماء في التحديد. اختلف العلماء في التحديد، فمنهم من يرى أنك تعطيه ما مقدار ثلاثة أذرع، ثلاثة أذرع، زراعين ثلاث، اجعل هذه حرمة ثم تمر من بعده، هذا قول. ومن أهل العلم من قال: تعطيه لمحل سجوده، هذا مصلي تعطيه من عندك أين سيكون سجوده؟ هذا المحل، إذن هذا مأسى أمر من قيامه إلى محل سجوده المتوقع، لا أمر بين يديه وإنما أمر بعد. ومنهم من قال: أنه بالعرف، أنه بالعرف، ما تعارف عليه الناس أن هذه مسافة قريبة لا يجوز، ابتعد عنها. فالحاصل أن المصلي ليس له المزد كله، يعني مثال تزد المصلي يصلي هنا قائم عندي، هل هذا من هنا إلى الجدار سترة؟ لا أحد يقطعها لا، لأن الحديث قال: لا يمر بين يديه. فإن كانت السترة منصوبة فانتهى الأمر، تمر من بعد سترته. إن لم تكن له سترة فتقدر له قدره، إما بثلاثة أذرع كاحتياط، وإما أنك تجعل موضع سجوده كأقل مقدار، وإما أن ترجع إلى عرف الناس، هذا لمن فعل ذلك. وهناك مسائل، إخواني في الله، ولا نطيل النفس فيها، لكن حسبنا في هذا المقام أن نعلم أن من الأماكن التي لا يجوز أن تمشي فيها، المشي بين المصلي وسترته. ومما أنبع عليه كذلك، هناك مكان جاء ذكره في بعض الأحاديث أنها من الأماكن التي لا يجوز أن تمشي فيها، لكن لا يصح الحديث في هذا الباب، وهو الحديث الذي فيه على أن الرجل لا يمشي بين امرأتين. لا يمشي بين امرأتين، وهذا الحديث نعم رواه أبو داود في سننه رحمه الله، لكن لا يصح، ففيه راو منكر الحديث، ولهذا حكم الشيخ الألباني على هذا الحديث بالوضع، حكم عليه بالوضع، وهو النهي عن المشي بين امرأتين، فلا عندي حرمة ولا عندي كراهة ولا أمر في ذلك صحيح، يجوز. من الأماكن التي تذكر في هذا الباب أيضًا، وهي التي لا يجوز أن تمشي فيها، الأماكن التي من ورائها مضرة، الأماكن التي من ورائها مضرة، تضرك، كأن يكون فيها شوك أو فيها زجاج أو فيها حديد وفيها أنواع الأذى. والقاعدة تقول: لا ضرر ولا ضرار، كما أنك لا تضر غيرك فلا تضر نفسك. فإن كان هذا المكان المرور فيه يؤدي إلى ضرر، فلا تمر، لا يجوز أن تمر، محل فيه أشواك لا تمر، لا تمر، اختر مكانًا آخر. ولهذا قد مرت معنا، لا تذكرون في مباحث آداب المشي، ما يتعلق باستحباب المشي بالنعال، وإن كان الاحتفاء، كونك تمشي حافيًا جائز، لا بأس أن تفعل ذلك أحيانًا كما مر ذلك معنا. لكن الأكثر أنك تنتعل، لقوله عليه الصلاة والسلام: «استكفروا من النعال، فإن الرجل لا يزال راكبًا من تعلق». وأشار العلماء حينها إلى فضيلة النعم، لما فيها من حماية للأقدام والأرجل. ومع هذا تتفرع هنا مسألة وهلا ألا وهي أن الإنسان لو أصيب بإصابة في قدمه أو في رجله، فليحتسب الأجر عند الله. فإن الله سبحانه وتعالى يؤجره الأجر الكثير على هذا الاحتساب الذي صدر منك. فقد روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قاربوا وسددوا، ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة، حتى النكبة أو الشوك يشاكها». قاربوا وسددوا، ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة، كفار لذنوبك، كفار لسيئاتك، في كل شيء، في كل مصاب. ثم مثل نبينا صلى الله عليه وسلم بإصابة القدمين، فقال: «حتى النكبة»، فسر العلماء النكبة، هي العثرة، تمشي تتعثر، تتعثر في مشيتك، هذه العثرة لا شيء، تؤجر عليها، تؤجر عليها. أو شوكة، وكثير ما تدخل الأشواك إلى الأقدام، لأن محل الوطء، شوكة هنا، شوكة هنا، هذه الأشواك تؤجر عليها، تؤجر، وهي كفارة لهذا، احتسب الأجر، لا تلعن، لا تسب، لا تتصخط، لا تتذمر، ابتعد عن هذا، واجعل هذا الأجر لك، يا عبد الله، في ممشاه. لكن الأصل أنك لا تصل إلى هذه الأماكن، وهي الأماكن المضرة، لا تمشي فيها. فإن قدر أنك مررت لأمر ولحاجة، فأصبت بإصابة في قدميك، فاحتسب الأجر عند الله جل وعلا، فإن ذلك كفارة لك. وهنا كذلك مسألة أخرى، وهي مما يناسب ذكرها في هذه الأزمان وفي هذه الأوقات، ما يتعلق بخروج الناس في أيام المطر. في أيام المطر، وهذه الأيام أيام مطر، أسأل الله جل وعلا أن تكون مطر خير وبركة علينا وعلى عامة الناس وعلى عامة المسلمين. إذا وجد المسلم المصلي أن خروجه من البيت إلى المسجد يواجهه بأمطار تضره، سواء كان مباشرة ببدنه أو كذلك كان عن غير مباشرة، كأن تسقط الأمطار في الأرض فتكون له وحل أو مستنقع أو طين. فحينها للمصلي أن يتخلف ويصلي في بيته، ويصلي في بيته، ولو كذلك شرع الجمع إذا اجتمع الناس وكانت الأمطار مما تمنعهم، فلهم الجمع. وهذه له مسائل في المطولات، لا نخوض فيها، لكن يهمنا في هذا الباب أن ممن أماكن التي يجوز للمسلم أن يترك المشي فيها، وهي المشي إلى الصلاة، إن واجهوا في طريقه أمطار وحل مستنقع طين. وقد صح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، أنه أرشد المؤذن أن يقول: «صلوا في بيوتكم». وتأتي هذا بعيدة، عبارات الصلاة في الرحال، أو صلوا في رحالكم، أو صلوا في بيوتكم، ينادي ينادي بها المؤذن. وهناك كيفيات في هذا النداء، إما أن يقولها المؤذن بعد انتهائه من الأذان كلية، أو يأتي بها بعد الحيعلتين، أو يأتي بها بعد الحي على الصلاة، يقول: «صلوا في رحالكم». فالمؤذن يختار أماكن من هذه الأماكن، فيأتي بهذا النداء إذا نزل المطر، ورأى أن المشقة ستأتي على الناس. ابن عباس رضي الله تعالى عنه في أحد المرات أمر المؤذن أن يؤذن ويدخل في أذانه: «صلوا في بيوتكم»، فانتبه ابن عباس رضي الله تعالى عنه إلى استنكار الناس. فيا سبحانه، إذا كان هذا مما قد استنكر على ابن عباس، وهو في الزمن الأول، فما ظنكم بهذا الأزمان؟ لا شك أن الناس يستنكرون مثل هذا النداء، لعموم الجهل والابتعاد عن السنة. فلما رأى ابن عباس رضي الله تعالى عنه من وجوه الناس الغرابة والاستنكار، قال لهم: قد فعل هذا من هو خير مني، قد فعل هذا من هو خير مني. يعني يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أنه أمر به مثل هذا النداء. ثم قال: وإني كرهت أن أخرجكم تمشون في الطين والمطر، هذا الشاهد. وإني كرهت أن أخرجكم تمشون في الطين والمطر. وهذا فمن فقه المؤذن أنه إذا أراد أن يؤذن ورأى أن المطر قد هطل وأنه قد فيه يؤدي إلى المشقة على المارة ومن يأتي إلى المسجد. إما مشقة مباشرة الأجساد والأبدان، رعود وبرد وظلمة، وخاصة إذا كان في الليل، أو يكون غير مباشر، كأن ينزل في الطين في الأرض، فيكون طين ومستنقع مما يشق على الناس ويؤذيهم. فحينها ينادي المؤذن بهذا النداء: «صلوا في بيوتكم»، فماذا فيصلي المصلحين في بيته، وهذه من الرخص. فهذا، إخواني في الله، من الأماكن التي يذكرها العلماء التي لا يمشى بها، أو مما يلحق بهذا المشي الذي فيه مضر على الإنسان في مشيه. وبهذا، إخواني في الله، وبهذا المبحث انتهينا من ذكر آداب المشي بطوله، وذكرنا في عدك مسائل، وإن شاء الله في الدروس قادمة نأتي إلى مبحث قريب من هذا الأدب، ألا وهو آداب الركوب. آداب الركوب، وسنستعط حينها أهم الآداب المتعلقة بهذا الآداب. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.