الدرس في آداب المشي والركوب 9، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن آداب ركوب الدابة وأهمية الأذكار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثل الدعاء الوارد عن علي بن أبي طالب وحديث ابن عمر. يشمل مختلف أنواع المركوبات.
يفسر معاني الأذكار عند ركوب الدابة، مثل البسملة والتحميد والتسبيح، ويبين أهمية طلب البركة والاستعانة بالله وتذكير النفس بنعم الله.
يشرح معنى التسخير الإلهي للمركوبات، سواء كانت حيوانات أو وسائل حديثة، ويبين أهمية تذكر الله أثناء الركوب والانتقال إلى الآخرة.
يختتم الدرس ويؤكد على أهمية ذكر الله عند الركوب، ويشير إلى متابعة الدروس القادمة حول هذا الموضوع، ويطلب من الله النفع بما قاله.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، كان بالأمس حديثنا، إخواني في الله، في باب الآداب عما يتعلق بآداب المشي، وذكرنا أهم المسائل التي يحتاجها المرء في حال مشيه من هنا وانتقاله إلى هناك. ومما يناسب ذكره أيضًا في هذا المقام، ومما له تعلق بباب المشي، ما يتعلق بآداب الركوب، إذ أن هذا الباب، إخواني في الله، من الأبواب التي جاءت الأدلة الشرعية في بيانه وفي تهذيبه، وفي الذي ينبغي على المرء أن يتخلق به في حال ركوبه. وهذا الباب، والذي هو بعنوان آداب الركوب، يشمل كل مركوب، سواء كان من المركوبات الحيوانية من الإبل ومن البغال والحمير، أو ما كان من الآلات المصنوعة من الطائرات والسيارات والشاحنات، وقس على ذلك الدراجات وأنواع كثيرة من المركوبات التي ظهرت في هذه الأزمنة. فهذه سيكون الحديث عنها عما يتعلق بها من آداب، وهكذا من أحكام. وأولى المسائل، إخواني في الله، الذي نتطرق إليها في باب آداب الركوب، ما يتعلق بالأذكار الواردة في هذا الباب. مر معنا، لو تذكرون، في باب آداب المشي، أن المشي في ذاته وفي نفسه ليس له ذكر معين، وإنما الأذكار متعلقة بالأماكن التي ستذهب أو تخرج منها. إلا أن في باب الركوب، فقد جاءت في حقه أذكارًا وأورادًا صحت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، يستحب للمرء أن يأتي بها إذا ركب هذا المركوب. ومن أصح ما ثبت في هذا الباب، ما جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وقد رواه أهل السنن، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركب المركوب قال: «بسم الله، الحمد لله، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإن إلى ربنا لمنقلبون، الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، سبحانك إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». هذا الورد، كما سمعت، قد جاء في السنن من حديث علي بن أبي طالب ورفعه إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، أن النبي كان يأتي به إذا ركب مركوبه عليه الصلاة والسلام. وإن كان هذا الحديث قد أعله جماعة من الحفاظ، كما ذكر ذلك الدارقطني رحمه الله تعالى، أنه أعله بالإرسال، لكن أكثر العلماء على تصحيحه وعلى تحسينه، وخاصة أن هناك ما يؤيده من السنة. فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يسافر فصعد على مركوبه قال: «بسم الله، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإن إلى ربنا لمنقلبون». وكذلك عموم الآية يدل على ذلك: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾. فالأدلة العامة والخاصة تدل على مشروعية هذا الذكر. وهنا تأتي مسألة كذلك مهمة، على تصحيحي وتخريجي هذا الأثر، ما معنى هذا الدعاء الذي تأتي به؟ ونحن بصدد دعاء تأتي به يا عبد الله إذا صعدت على مركوبك، بغض النظر عن ماهيته. أحيانًا تصعد إلى السيارة، فهذا مركوب يفتقر إلى هذا الذكر، أو الدراجة، وهي تكثر عندنا ويكثر تناولها بين كثير من أفراد أهل البلد، فهي من المركوبات التي تفتقر وتحتاج إلى هذا الذكر. وقس على ذلك ما هو أعظم، كالصعود إلى السفن أو الصعود إلى الطائرة أو الصعود إلى الباصات والشاحنات، هذه كلها مركوبات تأتي لها بهذا الذكر الذي سمعتموه. يهمنا في هذا الباب، بعدما أن تأتي بهذا الذكر، أن تتأمل في معانيه. ما المقصود بهذا؟ فقلنا أن هذا الذكر أول ما يبدأ وتبتدأ به، أنك تقول: «بسم الله»، تسمي الله جل وعلا. وقد مرت معنا مسألة البسملة، لو تذكرون، في أوائل دروس الآداب، عندما تطرقنا إلى أدب الطعام والشراب، وهو أنك تأتي بذكر الله وتقول: «بسم الله». وأبن حينها على أن بسم الله أن اسم الله جل وعلا يذكر في كل فعل وفي كل عمل، وهو يصاحبك في مدخلك وفي مخرجك، وفي مطعمك وفي مشربك، وعند استيقاضك وعند نومك، وحتى في هذا الباب، وهو عند ركوبك. لماذا يا عبد الله «بسم الله»؟ تقول هذا الذكر طلبًا للبركة، أن الله يسمه الأعظم يحل على هذا الشيء وعلى هذه الحالة التي أنت مصاحب فيها، فيعمك الله ببركته. وكذلك استعانة، أنك تستعين بالله في هذا الفعل الذي أنت شرعت فيه، فتقول: «بسم الله الحمد لله»، تحمد الله. وكيف لا؟ فإن هذا المركوب من أعظم النعم التي حباه الله جل وعلا عباده. ثم تقول: «سبحان الذي سخر لنا هذا»، سبحان هو التنزيه، تنزيه الرب سبحانه وتعالى. هنا قد يقع إشكال، ما وجه التنزيه عند مسألة الركوب؟ لماذا تنزيه الله سبحانه وتعالى؟ لأن التنزيه «سبحان» تنزيه، أي أنك تنزه الله. قال العلماء: وجه التنزيه في حال الركوب، أي أنك يا عبد الله عندما أنت تركب هذا المركوب، أنت مفتقر إليه، تحتاج إلى من يوصلك إلى هذا المكان. لكن في حق الرب جل وعلا، هو منزه عن هذا، ربنا لا يحتاج إلى خلقه ولا يحتاج إلى أحد من مخلوقاته، فهو تنزه وتقدس وترفع جل وعلا. ثم تقول: «وما كنا له مقرنين»، مقرنين بمعنى مطيقين، أي ما كنا مطيقين لهذا المركوب لولا أن الله سخره لنا. وهذه المركوبات يا عبد الله التي نركبها هي بين أمرين، إما أن تكون أدوات وآلات، وإما أن تكون كائنات وحيوانات، وكلها سخرت من عند الله، سخرها الله لنا. فلولا الله لم استطعنا عليها. أما ما يتعلق بالكائنات والحيوانات، هذا واضح. انظر لهذا الحيوان، الجمل، الإبل، ضخم، ضخم، ثم سبحانه لولا تسخير الله جل وعلا ما استطعنا أن نركب هذا الحيوان. تذهب إلى البوادي تجد طفلًا، طفلًا عشر سنين يمسك بخطام هذه الدابة العظيمة يجرها، لماذا؟ لأن الله ذللها لنا، ذللها لنا سبحانه وتعالى. وهكذا الخيل، وهكذا الحمار، وهكذا الحصان. فالكل بتسخير الله، فهو سبحانه الذي سخر لنا هذا، فذللناها لهم، فمنها ركوبهم ومنها يأكلون. فربنا هو الذي ذلل لنا هذه الحيوانات من البغال ومن الحمير ومن الإبل لكي نركبها. فلهذا قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين»، أي ما كنا مطيقين، كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه. أما في الآلات، مثل هذه المركوبات، السيارات والباصات والشاحنات والقاطرات والدراجات، هذه لولا تسخير الله لنا ما استطعنا عليها. وتسخير الله من بدايتها، وهي هذه المعادن من أين جئنا بها؟ هذه الآلات من أين جاءت؟ الحديد والألمنيوم والفسفور وما يتعلق بالمواد النفطية الخام، هذا من أين جاءت؟ كل ذلك بتسخير الله، أن الله جل وعلا سخر الإنسان أن يستخرج هذه المعادن التي به يكون هذه المركوبات. فلولا أن الله سخر لنا هذه المواد ما استطعنا على هذه المركوبات. زد على ذلك ما كان من إلهام الله للبشرية، فالله هو الذي ألهم الآدمي أن يصنع مثل هذه المركوبات التي تكون معينة لنا في سفرنا وفي انتقالنا. بهذا نعلم أن هذه المركوبات من أي جنس كانت، من أي جنس كانت، هي إنما كانت بتسخير الله لنا. «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين»، أي مطيقين لهذا المركوب. «وإن إلى ربنا لمنقلبون»، أي راجعون إلى الله. قال العلماء: ومناسبة هذا الذكر بما فيه من مسائل وأحكام، ما علاقته بالركوب؟ قال العلماء: علاقته بالركوب أنك يا عبد الله عندما تصعد على هذا المركوب وتنتقل من هنا إلى هنا، ومن هنا إلى هنا، لا تنسى انتقالك من هنا إلى الدار الآخرة، وهذا هو الشاهد من هذا «وإن إلى ربنا لمنقلبون». كما أنك تريد أن ترجع إلى أهلك بعدما قد خرجت من عندهم، فتذكر رجوعك إلى الله سبحانه وتعالى، وأن هذه الدنيا التي أنت عليها ما هي إلا مطية نركب عليها، ثم بعد ذلك مآلنا إلى الله. يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحًا فملاقيه، فإنك ملاقي ربك جل وعلا في نهاية المطاف. فالإنسان، إخواني، في حال ركوبه يتذكر انتقاله إلى ربه سبحانه وتعالى. وفي هذا الذكر أيضًا في حال الركوب، أن تتلبس يا عبد الله في كل أعمالك بعمل صالح، حاول في مشيك عمل صالح، في جلوسك عمل صالح، في انتقالك وركوبك كن على عمل صالح. فالله أعلم بالمنايا، الله أعلم بالمنايا، وخاصة أن كثيرًا من الناس من يصابون بالحوادث التي بها يفارقون الحياة أثناء الركوب. فإذا أنت جئت بهذا الذكر وذكرت الله سبحانه وتعالى، فجاءت منيتك، فإنك تموت وقد ختم لك بعمل صالح، كونك ذكرت الله سبحانه وتعالى. فهذا مما يناسب ذكره لله جل وعلا في حال الركوب. وبقي مسائل، إخواني في الله، متعلقة بآداب الركوب، وخاصة ما يتعلق بذكر الله جل وعلا. يترك هذا بإذن الله في درس غد. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.