الدرس في شرح أصول السنة للإمام أحمد 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش الإيمان برؤية الله يوم القيامة واستدلالات المؤلف على ثبوتها، ثم ينتقل إلى مسألة رؤية النبي لربه في الدنيا. يبين الخلاف بين العلماء حول رؤية النبي لربه ويورد أدلة على عدم رؤيته لربه في الدنيا.
يؤكد على الإيمان بالميزان يوم القيامة وأنه حقيقي وليس معنويًا، ويذكر أن هناك ثلاثة أقوال للعلماء في ما يوزن على الميزان يوم القيامة. يشمل ذلك الأعمال أو الصحائف أو صاحب العمل نفسه.
يتناول إثبات صفة الكلام لله تعالى يوم القيامة دون ترجمان، ويرد على المبتدعة الذين ينكرون هذه الصفة. يبين أن الكلام صفة كمال لله تعالى مستدلًا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
ألف شيخ الإسلام رسالة للرد على المذهب الأشعري من تسعين وجه، مؤكدًا أن الله يتكلم بكلام حقيقي يليق بجلاله وعظمته. يمثل هذا الرأي معتقد أهل السنة والجماعة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، قال رحمه الله تعالى: والإيمان بالرؤية يوم القيامة كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث الصحاح، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى ربه، فإنه مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح، رواه قتادة عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس. والحديث عندنا على ظاهره كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره، ولا نناظر فيه أحدًا. مر معنا إخواني في الله الكلام على الفقر الأولى من هذه المسألة، وهي الكلام حول الإيمان بالرؤية يوم القيامة، فقد دلت الأدلة العامة والخاصة على ثبوت الرؤية لله سبحانه وتعالى، وأن الله يرى يوم القيامة. وذكرنا عبارة ابن القيم رحمه الله تعالى عندما ذكر أن القرآن والسنة المتواترة، فالسنة المتواترة المستفيضة دلت على إثبات رؤية العباد لربهم سبحانه وتعالى، وعلى هذا إجماع السلف لا نكير بينهم. وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة، كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، إنكم ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون أو تضارون في رؤيته، وعلى هذا إجماع السلف. ثم عرج رحمه الله تعالى مسألة وهي مسألة رؤية النبي عليه الصلاة والسلام لربه، قال: وأن النبي قد رأى ربه، فإنه مأثور عن رسول الله صحيح، فرواه قتادة عن عكرمة عن ابن عباس. هاهنا يدلل لنا المؤلف رحمه الله تعالى الآثار الثابتة لديه في إثبات رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه. فقال: ورواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، وهذا الأثر فيه الحكم بن أبان، والحكم بن أبان تكلم فيه، فذكر بعض العلماء في ترجمته أنه صدوق عابد له أوهام، ومنهم من يرى أن أحاديثه تنفع في الشواهد. قال: ورواه علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس، وهذا الأثر كذلك كسابقه، فمداره على علي بن زيد، وهو بن جدعان، ذهب جماعة من أهل العلم إلى تضعيفه، كما جزم بذلك الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى في التقريب بأنه ضعيف، وذلك من قبل حفظه، وأيضًا يوسف بن مهران متكلم فيه، فهو لين الحديث. قال رحمه الله تعالى: والحديث عندنا على ظاهره كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم. مسألة رؤية النبي عليه الصلاة والسلام لربه تنازع فيها العلماء، هل رأى نبينا ربه عليه الصلاة هل رأى نبينا ربه جل في علاء أم لا؟ قال ابن عز الحنفي رحمه الله تعالى: قال واتفقت الأمة على أنه لا يراه أحد في الدنيا بعينه، هذا دعوى الاتفاق، أنه ما من أحد من البشر يمكنه أن ينظر إلى الرب بعينه ما يمكن لأحد. قال: واتفقت الأمة على أنه لا يراه أحد في الدنيا بعينه، ولم يتنازع في ذلك إلا في نبينا صلى الله عليه وسلم خاصة، هذه المسألة وقع فيها النقاش والقصام. فمنهم من نفى رؤيته بالعين، ومنهم من أثبتها له، فهنا مكمن الخلاف، إذا تكلمنا حول رؤية الرب في الدنيا هذا لا يمكن لأحد قط من البشر، لكن إلا في حق نبينا عليه الصلاة والسلام، هل رأى نبينا ربه في الدنيا كما في ليلة الإسراء والمعراج أو لم يره؟ هنا ذكر ابن أبي العز الحنفي رحمه الله تعالى وقع أطال النفس في ذكر قول النزاع الذي وقع بين الصحابة بين المثبت والنافي منهم. وخلاصة المسألة القول الصحيح بأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يرى ربه في هذه الدنيا، أي لم يره في ليلة الإسراء والمعراج في عينه، هذا هو القول الصحيح، وهذا الذي عليه جماهير العلماء، ولهم أدلة كثيرة. الدليل الأول: أنه لم يثبت نص صريح صحيح عن نبينا أنه رأى ربه، لم يثبت عن نبينا أنه رأى ربه بعينه، لم يأت ذلك عن نبينا بنص صريح صحيح. الدليل الثاني: ما جاء مصرحًا به في صحيح مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه أنه سأل نبينا عليه الصلاة والسلام هل رأيت ربك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: نور أن أراه، وفي رواية: رأيت نورًا، فأخبر عليه الصلاة والسلام أنه لم ير ربه. وهذا كما قلنا في مسلم من حديث أبي ذر، كذلك دليل آخر وهو أيضًا في مسلم من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه وأرضاه، وفيه قال عليه الصلاة والسلام: اعلموا أن أحدًا لن يرى ربه حتى يموت، اعلموا أن أحدًا لن يرى ربه حتى يموت، فهذا حكم عام شامل أنه لا أحد يمكنه أن ينظر إلى الله سبحانه وتعالى في هذه الدنيا. بقي ما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى هنا عن الآثار المروية عن ابن عباس من أن ابن عباس له هذه الروايات ما كان من طريقة قتادة من طريق الحكم بن أبان من طريق علي بن زيد، الرد عليها من أوجه. الأوجه الأولى: أن آثار ابن عباس الذي فيها أنه أثبت أن نبينا رأى ربه بعينه حكم عليها العلماء بالاضطراب، حكم عليها العلماء بالاضطراب، من ذلك سماح العلامة الألباني رحمه الله تعالى بيّن أن هذه الآثار وإن كانت موقوفة على ابن عباس فإن فيها اضطرابًا. الرد الثاني: كذلك أن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه كذلك له رواية رأى رواية له رواية تدعم ما عليه العلماء من أن نبينا لم يره بعينه وإنما رآه بقلبه، وهي كما في قوله تعالى: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ قال: رآه بفؤاده مرتين، هذا الأثر ثابت عن ابن عباس، قال: رآه بفؤاده ما قال رآه بعينه، رآه بفؤاده مرتين، فهذا الأثر عن ابن عباس وثابت عن ينسج ما عليه الجماهير. وأما ما ذكره الإمام أحمد رحمه الله تعالى وتبناه في هذه الرسالة في أصول السنة من أنه استحسن القول بأن النبي قد رأى ربه، وكأنه يذهب إلى هذا المذهب إلى إثبات رؤية النبي لربه سبحانه وتعالى. هذه العبارة ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى هاهنا فائدة، قال: شيخ الإسلام رحمه الله تعالى قال: ولهذا ذكر القاضي أبو يعلى وغيره أنه اختلف الرواية عن الإمام أحمد هل يقال أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعيني رأسه أو يقال بعيني قلبه أو يقال رآه ولا يقال بعيني رأسه ولا بعيني قلبه؟ قال: على ثلاث روايات، إذن هذه الروايات ليست هي الرواية الوحيدة المأثورة عن إمام أحمد، بروايات ذكرها أصحابه عنه. الرواية الأولى: هل يقال هذا من قول إمام أحمد هل يقال أن نبينا رأى ربه بعيني رأسه أو بعيني قلبه أو يقال أنه رأاه وتسكت لا تقول بقلبه ولا تقول برأسه؟ فهذه الرواية نقل عن إمام أحمد القول بهذا والقول بهذا والقول بهذا. وفي موضع آخر في مجموع الفتاوى صرح شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن قول إمام أحمد في هذه المسألة أن يقال بأن النبي رأى ربه تسكت لا تقول بعيني قلبه ولا تقول بعيني رأسه، وبهذا ينسجم عبارته مع أقوال العلماء قاطبة. قال رحمه الله تعالى: والإيمان بالميزان يوم القيامة كما جاء يوزن العبد يوم القيامة، فلا يزن جناح بعوضة، ويوزن أعمال العباد كما جاء في الأثر، والإيمان به والتصديق به، والإعراض عن من رد ذلك وترك مجادلته، كذلك من أصول السنة الإيمان بالميزان. والأدلة الكثيرة من القرآن والسنة على إثبات الميزان الذي سيجعله الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، فمن ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، ونضع الموازين القسط ليوم القيامة، وربنا سينصب الموازين. ومعتقد، أن الميزان حقيقي، أنه ميزان حقيقي محسوس يورى، وقال في ذلك المبتدعة: فبعض المبتدعة أثبتوا الميزان، لكن قالوا: ليس المراد أنه ميزان حقيقي، وإنما هو ميزان معنوي فقط، ميزان معنوي ليس هناك ميزان يعني، يقولون مجازًا كقول القائل: نحن هنا في هذا المكان نوزن الأشياء ونوزن الرجال ونوزن الأعمال. أنت لما تقول: نوزن نوزن، هل لك ميزان؟ فما عندك ميزان توزن أصلا، قال: هذا تعبير دلالي عنك، ستقيم الناس ستعدل الناس، فقال: وهكذا ولله المثل الأعلى، فإن الله أخبر أنه سيضع الموازين يوم القيامة، ليس هناك ميزان حقيقي، لكن هذا إخبار من الله أن الله سيقيم العدل بين العباد بأن الله سيقيم العدل بين العباد، وهذا قول ضلالة، وهذا قول باطل. وأهل السنة على خلاف ذلك، بل أخبر ربنا جل وعلا بأن الميزان حقيقي، وأن له كفتان، وأن الكفة ترجح على الأخرى، وأن الأشياء توضع عليه، فهو ميزان حقيقي واضح يرى، وليس كما يدعي المبتدع من أنه ميزان ماذا معنوي. قال رحمه الله تعالى: والإيمان بالميزان يوم القيامة كما جاء يوزن العبد يوم القيامة، ويوزن أعمال العباد إلى آخر كلامه هنا مسألة، كذلك هذا الميزان الذي سينصب يوم القيامة ما الذي يوزن عليه؟ للعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال. منهم من ذهب إلى أن الميزان إنما يوضع لكي توزن الأعمال، الأعمال توزن، يأتي ربنا بالأعمال فتجسد فتوضع في الميزان، فتنظر في حجمها وفي جرمها، وقد دلت الأدلة على ذلك، كما في قول تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يرى﴾ وهكذا في قول نبينا: كلمتان ثقيلتان في الميزان. وقال: بما من شيء أثقل في الميزان من خلق حسن، فأخبر ربنا أن هذه الكلمات من تسبيح وتذكير، وأن الأعمال الصالحة من الأخلاق وآداء كل هذه الأعمال الفاضلة ستوزن، دل ذلك على أن الأعمال توزن يوم القيامة. والقول الثاني: أن الذي يوزن هي الصحائف، الصحائف الأعمال بما فيها، فالأعمال التي تكتب في الصحائف تؤت بش صحائف يوم القيامة وتوضع في الكفة، وينظر بعد ذلك إلى كفة الميزان بأيهما ترجح. ويدلك على أن الصحائف توزن ما جاء كذلك في حديث البطاقة، في حديث عبد الله بن عمرو أن يؤتى بالسجلات فتوضع في كفة، فتوضع في كفة، فذلك على أن مما يوزن الصحائف. والقول الثالث: أن الذي يوزن هو كذلك صاحب العمل، صاحب العمل الشخص يوزن، ويطرح في الميزان، ودلت أدلة على ذلك، من ذلك ما أشار عليه المؤلف هاهنا بقوله: يوزن العبد يوم القيامة فلا يزن جناح بعوضة، وهذا الحديث لفظه في الصحيحين، لفظه في الصحيحين. قال عليه الصلاة والسلام: إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة، إنه لا يأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، هذا الرجل بحجمه وجرمه الذي يظن به أنه سينزل بالميزان، لكن الذي يوزن ما كان من أمره أنه لا يساوي عند الله جناح بعوضة، فدل ذلك على أن صاحب العمل هو الذي يوزن. وهكذا ما جاء في أثر ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، لما رأى الناس إلى دقة ساقي ابن مسعود فضحك الناس إلى هذه الدقة وإلى هذه الخلقة، فأخبرهم نبينا صلوات ربي والسلام عنه أن ساقيه أعظم عند الله من جبل أحد، ودل ذلك على أن الشخص يوزن في الميزان. والقول الصحيح في هذا الباب: أن هذه الأشياء برمتها كلها توزن، كلها توزن، قال ابن أبي العز رحمه الله تعالى: قال: فثبت وزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال، فثبت وزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال، أي هذه الثلاثة كلها توزن، كلها توزن. وهنا مسألة: هذه مما جعلت المبتدعة يستشكلونها، مسألة كيف توزن الأعمال والأعمال لا تعتبر جرمًا، لا ليس لها حجم، ما يمكن أن تلمس، لو قيل لك: يا أخي أنا رجل عندي أخلاق، كيف ستأخذ أخلاقه فتجعلها على كفة مثلًا؟ فهذا المدخل العقلي هو الذي جعل المبتدعة كالمعتزلة خاصة ينكرون أمر الميزان الحقيقي، لكن قال علماء: ردًا على هؤلاء أن الله عز وجل على كل شيء قدير سبحانه وتعالى، وأن الله سبحانه وتعالى بإمكانه أن يجعل الأشياء المعنوية على صورة أشياء حسية. وهذا كثير جدًا، من ذلك ما جاء في عذاب القبر، عندما يأتي للعبد الصالح ذلكم الرجل الأبيض، وذاك العبد الفاجر الكافر يأتيه ذاك الرجل الأسود، فيستشكل بأمر هذا الداخل عليهم من أنت؟ فيقول ذاك الأبيض: أبشر أنا عملك الصالح، العمل الصالح من الذي يجعله أبيض؟ الله سبحانه وتعالى قدير على ذلك. وذاك الفاجر من أنت؟ للأسود وجهك الذي لا يأتي بخير، يقول: أبشر أنا عملك السيء، فالأعمال السيئة يجعلها ربنا على شكل جثمان على شكل إنسان، وهكذا الأعمال يوم القيامة يجعل ربنا على شكل أحجام توضع في الموازين. وهكذا كذلك ما جاء في الصحيح في أن الموت يأتي به الرب سبحانه وتعالى على صورة كبش فينحر، فينحر بين القنطرة بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل النار خلود فلا موت، يا أهل الجنة خلود فلا موت، فهذا الموت شيء معنوي، ومع ذلك بقدرة القدير جل في علاء جعله ماذا أمرًا محسوسًا. ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: والإعراض عن من رد ذلك وترك مجادلته، أي المبتدعة كالمعتزلة خاصة، بل بعض المعتزلة تهكم لربما يصلهم إلى حد الكفر، أنه قد تهكم في أمر الميزان، قال: الميزان لا يحتاج إليه إلا البقال، أعوذ بالله، الميزان لا يحتاج إليه إلا البقال، وأراد بذلك التنفير عن إثبات هذه الشعيرة العظيمة، وهذا طعن في الرب سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: وأن الله تعالى يكلم العباد يوم القيامة ليس بينهم وبينه ترجمان، والتصديق به، أي من أصول السنة والتي عليه معتقد أهل السنة والجماعة قديمًا وحديثًا الإثبات لصفة الكلام لله عز وجل كما جاء في هذا الحديث: ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان. فأهل السنة والجماعة يثبتون أن الله سبحانه وتعالى يتكلم بكلام حقيقي يليق بجلاله وبعظمته سبحانه وتعالى، كلام متى شاء وكيف شاء جل في علاء، فقالوا: أن الله تعالى يكلم العباد يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان. وإثبات صفة الكلام هي صفة كمال، إثبات صفة الكلام هي صفة كمال لله عز وجل، ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى عندما عاب على المشركين في اتخاذهم الأصنام، كان من أعظم عيب الأوثان والأصنام التي اتخذت آلهة من دون الله أنها لا تحير جوابًا، وأنها لا تنطق، وأنها لا تتكلم. ولهذا قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿فاسألوهم إن كانوا ينطقون﴾ فوجدوهم لا ينطقون، إذن دل على ذلك أن هذا عيب، وهذا نقص، وهذا دل على ماذا نقصان، فعدم الكلام صفة نقص، وإثبات صفة الكلام لله سبحانه وتعالى ذلك فيه إثبات لصفة الكمال لله اللائق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى. ويدل على إثبات صفة الكلام لله كثيرة جدًا، وجاءت على تصريفات عديدة بتصريفات النداء بتصريف المناجاة، صفة القول، صفة الحديث، هذا كله وإن اختلفت مشتقاتها فإنها تؤول إلى أصل الصفة إلى إثبات صفة الكلام سبحانه وتعالى. ومثل النداء: يا أهل الكتاب، يا أيها الذين آمنوا، هذا نداء على إثبات صفة الكلام سبحانه وتعالى، القول وما يشتق منه إثبات ذلك لله في إثبات لصفة الكلام لله عز وجل، إذ قال: ربكم قال ربكم، إذن القول لله عز وجل دلالة على صفة الكلام لله سبحانه وتعالى. وأكثر الآيات الصريحة في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ مع الإثبات المصدرية لهذا الفعل، الفعل مع المصدر تثبيت وتأكيد وتوكيد لصفة الكلام لله سبحانه وتعالى. وهكذا في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ وهكذا في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ هذا الذي عليه أهل السنة والجماعة، طبعًا على خلاف المبتدعة، ننطلق في هذه المسألة إلى مذاهب عديدة وكلها شنيعة. فمنهم من قال: أن الكلام ليس صفة لله بل هو خلق، كيف خلق؟ قال: نعم، أن الله ما تكلم لكن إذا أراد الله أن يوحي لأحد شيئًا فإن الله يخلق الكلام في جهة، يخلق الكلام في الجهة فيسمع الكلام من تلك الجهة، وأنظر لهذه الفلسفة البعيدة الضالة كل ذلك لهوى في أنفسهم. وأرادوا التمجيد للرب وما كان ذلك إلا التنقص في حق الرب سبحانه وتعالى، قالوا: أن الله يخلق الكلام في جهة، وبعد ذلك يسمع ذلك الكلام من تلك الجهة، فالكلام يثبت لله ليس كصفة وإنما من إضافة التشريف، من إضافة التشريف، هذا قول الجهمية والمعتزلة. ومع ذلك قول آخر: قول الأشاعرة، وهم أثبتوا صفة الكلام بالجملة لكن على تأويل عندهم، فعندهم الكلام الكلام النفسي، الكلام النفسي، أي أن الله لم يتكلم به حقيقة، ولكن الله عز وجل يجعل ما في نفسه في قلب فلان، وهذا كذلك ضلالة. وكلم العلماء وخاصة شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ألف الرسالة التسعينية، ورد من تسعين وجه المذهب الأشعري القائل بالكلام النفسي، فخلاصة هذه المسألة وكما قال مؤلف رحمه الله تعالى من معتقد أهل السنة والجماعة بأن الله يتكلم بكلام حقيقي جل في علاء، وأن هذه الصفة صفة كمال سبحانه وتعالى تليق بجلاله وبعظمته. إلى هاهنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.