الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 49

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 49

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 49، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التبشير بالنصر في الدعوة الجهرية

يبدأ المقطع بالحديث عن التبشير بالنصر والتمكين في الدعوة الجهرية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، حيث كان يبشر أصحابه بالنصر رغم الأذى والاضطهاد. يشير إلى أحاديث نبوية تبين انتشار الإسلام وامتداد ملك المسلمين.

مسائل ودلالات التبشير بالنصر

يتطرق المقطع إلى مسائل التبشير بالنصر والتمكين، مبينًا أن هذه البشارات تحققت في الماضي وستتحقق في المستقبل. يشرح أن النصر والتمكين للمسلمين وعد من الله، وأن الباطل قد يظهر لكنه لا يدوم.

شروط النصر والتمكين للمؤمنين

يشرح المقطع أن النصر والتمكين يأتيان عندما يكون المؤمنون صادقين في إيمانهم وملتزمين بشرع الله. يستشهد بالآيات والأحاديث التي تبشر بالنصر والغلبة على الأعداء، ويذكر أمثلة من الأحاديث النبوية التي تحققت مع مرور الزمن.

التوجيه نحو التعامل الصحيح مع المبشرات النبوية

ينصح المتحدث بعدم استبعاد أو انتقاد الآيات والأمارات التي أخبر عنها النبي، ويطلب من الله أن ينفعهم بما قاله ويجعلهم من أهل الهداية. يُنهي كلامه بالصلاة على النبي ودعاء الله أن يتبعوا أحسن القول.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فلازلنا إخواني في الله في شرحنا لهذه المنظومة الميئية في ذكر أحوال أشرف البرية عليه الصلاة والسلام. وكان التمهل في ذكر أهم الخصائص والسمات المتعلقة بالدعوة الجهرية منذ انطلاقها. وإنما كان التمهل في هذا الباب خاصة لما رأينا من أوجه الاشتباه بين ما كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم في زمنه وما نحن كذلك في أزماننا. فكان من أعظم سمات الدعوة الجهرية منذ انطلاقها ما مر معنا أولا من كثرة الأذى واشتداد الابتلاء على رسول الله وعلى صحبه الكرام. ثم كان ثانيا ما كان من مواجهة الدعوة بشدة الأساليب لصد الناس عنها. وحينها عرجنا على أهم الصور وأهم الأساليب. ثم كان ثالثا ما كان من المساومات وكثرة العروض المغرية على رسول الله في سبيل التنازل عن دين الله. ثم كان رابعا تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه على الصبر على الابتلاء وعدم الانتقام للنفس. وخامسا، وهذا الذي يتعلق بدرس يومنا، ما كان من خصائص وسمات الدعوة الجهرية حين انطلقت، ما كان من التبشير بالنصر والتمكين. هذه نعم تعد من أهم الخصائص. فبينما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يتلقون الضرب الشديد والتهديد والعذاب الأكيد من قبل كفار المشركين، فبينما هم في حالة الضعف والذل والهوان الذي صب عليه من قبل الكفار، كان النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآونة يبث في روع أصحابه الأمل، وأن الله جل وعلا مظهر هذا الدين. ولهذا جاءت البشارات الكثيرة في هذا الباب. فمن تلكم البشارات التي كان نبينا يبشر بها أصحابه ما جاء في صحيح البخاري حين قال عليه الصلاة والسلام: «والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف أحدا إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون». قالها صلوات ربي وسلام عليه. وقد جاء خباب بن الأرت ملطخا بالدماء وموجعا بالآلام من شدة ما يجده من الكفار، إلا أن نبينا بشره بما سيكون من النصر ومن الظفر. وكذلك من الأحاديث ما جاء عند ابن حبان بإسناد صحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيتا وبر ولا مدر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عز يعز الله به الإسلام، وذل يذل الله به الكفر». فقول عليه الصلاة والسلام: «لا يبلغن هذا الأمر أو هذا الدين ما بلغ الليل والنهار»، وعد من رسول الله، وما ذاك إلا من وحي السماء، أخبره ربه جل وعلا بأن هذا الدين سينتشر انتشارا عظيما، كانتشار الليل والنهار على سائر المعمورة. وأيضا كذلك مما ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم من هذه المبشرات ما جاء في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله زوى لي الأرض -زوى بمعنى جمع وضم- وهذه آية من آيات الله أن الله جمع الأرض أمام ناظريه عليه الصلاة والسلام، قال: إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها». والحديث رواه مسلم في صحيحه. فهذا الحديث يخبر فيه نبينا عليه الصلاة والسلام أن الله أطلعه على مشرق الأرض ومغربها، وأن هذه البقاع التي اطلع عليها نبينا بنظره هي التي ستكون تحت يده ويد أمته، ستكون تحت حكم أهل الإسلام. وفي هذا الحديث كذلك آية، إذ أن النبي أخبر أن فتوحات أهل الإسلام ستزداد في شرق الأرض وفي غربها، وما ذكر الشمال ولا الجنوب، فدل على أن أكثر امتداد أهل الإسلام شرقا وغربا، وهذا الذي قد وقع في أزمان الفتوحات. ففي هذا الحديث أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام أن ملك الأمة سيصل إلى المشرق كما أنه يصل إلى المغرب. وهكذا من تلكم المبشرات ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله، لتنفقن كنوزهما في سبيل الله». فهذا كذلك علم من أعلام نبوة عليه الصلاة والسلام، بأن هذه الإمبراطوريات وهي من أعظم الدول قوة في أزمانهم، معسكر الشرق ومعسكر الغرب، ستنهار على يد أهل الإسلام، وأن أموالهم تكون غنيمة للمسلمين. فشاهد إخواني في الله أن المبشرات في هذا الباب كثيرة وكثيرة جدا، منها ما كان بالعموم ومنها ما كان حتى بالتخصيص، فقد عين نبينا عليه الصلاة والسلام دولا ستقع في يد أهل الإسلام، كما حدث عن سقوط الهند وعن سقوط التتر، وعن سقوط بعض دول أوروبا، كما جاء في شروحات العلماء، وكل ذلك تحقق أو سيتحقق على يد أهل الإسلام. فهذا إخواني في الله من خصائص الدعوة الجهرية، مع ما كان يلاقيه أهل الإسلام من الضعف والهوان في تلكم الأزمان، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبشرهم بالنصر والتمكين. وهنا إخواني في الله مسائل أود أن أذكرها بعد هذه المقدمة في ذكر هذه الخصيصة من خصائص دعوته الجهرية عليه الصلاة والسلام، ما يتعلق بمسائل التبشير والنصر والتمكين. أولا، أن نعلم مفاد هذه الأحاديث، وأن الله سبحانه وتعالى وعد في كتابه وعلى لسان رسوله بأن النصر والتمكين سيكون للمسلمين ولو بعد حين، كما قال ربنا جل في علاه: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، وقال عليه الصلاة والسلام: «بشر هذه الأمة بالسناء والنصر والتمكين». فهذه الآيات والأحاديث كلها يا عبد الله تدل على هذا الوعد وعلى هذا الحق، وأنه لا بأس ونحن في زمن الضعف والاستضعاف أن نسلي أنفسنا بمثل هذه الآيات والأحاديث حتى نلقي عن أنفسنا هذا الخضوع والخنوع الذي نجده في أبناء أمتنا. نفعل كما فعل نبينا، أنه يلقي في روع أصحابه الأمل بعدما أن اندثر. ثانيا، مما يستفاد إخواني في الله من قضايا أحاديث وآيات التبشير والتمكين، أن نعلم ليس معنى ذلك أن الباطل لا تقع له غلبة، هذا ليس من اللزوم. نعم، إن من وعد الله جل وعلا النصر والتمكين للمسلمين، لكن هل معنى ذلك الديمومة؟ هذا ليس من اللازم. ولهذا أحيانا تجد أن الباطل ينهض وأن الباطل يقوم، لكن لا يدوم، يقوم لكنه لا يدوم، ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. أحيانا يظهر الباطل، إما لتخلف أهل الإسلام أو لحكمة أرادها الله جل في علاه، علمها من علمها وجهلها من جهلها، إلا أن هذا النهوض والقيام مؤقت، مع الفارق. ولهذا أبو سفيان في حال كفره في غزوة أحد، عندما قال للمسلمين: «يوم بيوم بدر، والحرب سجال، يوم بيوم»، أنتم غلبتم في بدر ونحن نغلبكم في أحد، قال: «يوم بيوم والحرب سجال»، إلا أن عمر رضي الله تعالى عنه نبهه على مسألة عظيمة وهو: لا قياس، فقال: «لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار»، فلا قياس، يعني حتى لو ظهر الباطل ردحا من الزمن فهو لا يدوم، وإن دامت في هذه المدة فإن ديمومتهم تكون زيادة في طغيانهم وزيادة في إنزال غضب الله عليهم. كذلك مما يذكر من مسألة المبشرات يا عبد الله، أن نعلم أن صور الغلبة والنصر والتمكين تتنوع، ليست هي عبارة عن صورة واحدة. فإن الجهاد الذي أراده الله جل وعلا لأهل الإسلام يكون بطريقين اثنين: جهاد بالسيف والسنان، ويكون ذلك بالقتال في ساحات الوغى، بماذا؟ بمدافعة عن بلاد المسلمين ومهاجمة لمعسكر الكفار، هذا نوع من أنواع الجهاد، يكون بالسيف والسنان، أي بالسلاح. والنوع الثاني من أنواع الجهاد ما يكون بالعلم والبيان وبإقامة الحجة والبرهان، هذا نوع من أنواع الجهاد. وقد أشار إليه ربنا جل في علاه بقوله: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾، الخطاب في الجهاد بجهاد ماذا؟ الخطاب بجهاد القرآن، أن يجاهد الكفار بكتاب الله جل وعلا. قال العلماء: ويكون ذلك بالعلم والبيان وإقامة الحجة وبرد شبهاتهم وبالرد على افتراءاتهم، هذا نوع من أنواع الجهاد أمر الله جل وعلا به العباد، فقال سبحانه: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾. فاعلمنا أن الجهاد إخواني في الله يكون على أنواع وعلى صور. أما الجهاد الذي يكون بالسيف والسنان، نعم هذا أحيانا وأحيانا كما مر في الفقرة السابقة، ننتصر وينتصر علينا، نغلب وننهزم أحيانا إذا وصل بالمسلمين حالا من الضعف. لكن النصر بالسلاح العلم والبيان والحجة والبرهان، فما أحد أبدا يغلب أهل الإسلام في هذا الباب، إذ أن أهل الإسلام لهم القدرة بل الغلبة الدائمة بما آتاهم الله من وحي السماء، فما هناك كافر ولا زنديق ولا مرتد ولا يهودي ولا نصراني يستطيع أن يغلب أهل الإسلام في ميدان العلم، في ميدان العلم ما أحد ما أحد قط. ولهذا من تأمل في باب إقامة الحجة، بل في باب المناظرات والمجادلات، تجد أن الغلب للمسلمين دائما وأبدا بهذا، مما يتسل به المسلم، وأن هذا من وعد الله جل في علاه، أن الله أعطانا هذا النصر والتمكين والذي لا يتخلف في أي زمان ولا في أي مكان، فليفهم هذا. رابعا، مما يتعلق بأمر المبشرات إخواني في الله، أن هذه الحالة من حالات النصر والغلبة في كل صوره إنما يكون إذا وصل المسلمون إلى حالة ترضي الله جل في علاه. لا تظن يا عبد الله أن نصر الله يأتينا ونحن على بعد من ربنا أو ونحن في إعراض عن شرع ديننا، بل إن الله جل وعلا وعد بالنصر والتمكين والغلبة والظفر هذا إذا كنا في حالة ترضي الله جل وعلا. فحينها ينزل الله جل وعلا علينا مدده، ينزل مدده ويعطينا من نصره، ويمكننا من رقاب الكفار، وتكون لنا الصولة والجولة. وعلى هذه جاءت الآيات والأحاديث الدالة على هذا الوصف الذي لا يتخلف. قال سبحانه وتعالى كما جاء في قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، وقال سبحانه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، إذا كان أهل الإيمان وصلوا إلى قوة إيمانهم، فحينها ينزل الله جل وعلا النصر والغلب عليهم. وهكذا ما جاء في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم». هنا يأتيهم مدد الله بالثبات والمضي قدما إذا كانوا ظاهرين بالحق، ظاهرين ما عندهم خضوع ولا خنوع ولا استسلام ولا انهزام أمام أعداء الدين، عندهم ظهور عندهم قوة على الدين الذي أنزله الله، حينها لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم. وتأمل يا عبد الله لهذه الأمارة من أمارات الساعة، عندما أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام بأنه لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيختبئ اليهود خلف الشجر وخلف الحجر، فيقول الشجر والحجر -ينطقهم الله وهو الذي أنطق كل شيء- فيقول الشجر والحجر: «يا مسلم يا عبد الله، هذا يهود خلفي، تعالى فاقتله». الشاهد بماذا ينادي الشجر والحجر هذا الجيش القوي هذا الجندي؟ بماذا ناداه؟ بعبوديته لله، ناداه بالعبودية لله جل وعلا، ما كان عبدا للدينار ولا الدرهم، ما كان عبدا للشهوات ولا النزوات، وإنما حقق العبودية لله، فعلم أنه عبد الله حقا ظاهرا وباطنا، ولهذا ناداه الشجر والحجر بهذا الوسام: «يا مسلم يا عبد الله، تعالى فاقتله». فيقتله. وأخيرا إخواني في الله، مما يذكر مما يستفاد من هذه المبشرات، أن المسلم يصدق بهذه الأحاديث والآيات والأخبار، ولو كان الواقع يستبعدها أو أن العقل ما تقبلها. كهذه الأزمان، لربما الواحد لو حدث بمثل هذه الأحاديث يراها أنه للخيال أقرب. نحن نصدق بالحالة إلى النصر والتمكين، بل إن بعض الناس لربما ظن أن هذه الآيات والأحاديث قد تحققت وانتهى أمرها، وأن مدتها قد انقضت، وما سيأتي إلا الخضوع إلى يوم الدين. لا يا عبد الله، فربنا جل وعلا وعد، ووعده حق، بأن النصر والتمكين دائما وأبدا، قد ينقطع لكن سيأتي وسيأتي وسيأتي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فالمسلم إخواني في الله ما يستبعد ذلك. وانظروا إلى ما جاء في البخاري في حديث عدي بن حاتم، عندما قال عن نفسه: «قال بينما أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه رجل يشتكي إليه الفاقة، وجه آخر يشتكي عنده القحط»، حالة في الأمة من الضعف. فالتفت نبينا إلى عدي، قال: «يا عدي، هل رأيت الحيرة؟» قلت: «لا يا رسول الله، لكني أخبرت عنها». فقال عليه الصلاة والسلام: «يا عدي، لئن طالت بك حياة لترين الضعينة -أي المرأة- لترتحل من الحيرة حتى تطوف حول الكعبة، ولا تخاف أحدا إلا الله». قال عدي: «فقلت في نفسي: فأين دعار طي -أي اللصوص وقطاع الطرق- كيف لأمرأة ضعيفة أن ترتحل من مكان إلى الكعبة وتطوف؟». قال: «لا تخاف أحدا». قال: «فقلت في نفسي: أين دعار طي؟» ثم قال نبينا: «يا عدي، ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى». فقلت: «يا رسول الله، كسرى بن هرمز؟» قال: «كسرى بن هرمز». «ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج بملء كفه من ذهب وفضة -من ذهب أو فضة- يريده من يطلبه منه، فلا يجد أحدا يطلبه منه». هذه الأشياء الثلاثة الخصال حكاها نبينا في وقت الناس في ضعف، بدليل أن ذاك يشتكي إليه الفاقة، وذاك يشتكي إليه الحاجة، حتى أن عدي كان يستبعد هذا، يستغربها. لكن انظر لتمام الحديث، عدي حدث بهذا الحديث معلقا عليه، لكن بعدما أطال الله عمره، فقال عدي: «فوالذي نفسي بيده، لقد رأيت الضعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالبيت»، رأى هذا بعينه. قال: «ولقد كنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز»، بنفسه، حينما كان يستبعد، حقق الله هذه الأمارة بيده. قال: «ولقد كنت ممن افتتح كنوز كسرى بن هرمز»، ثم قال: «وجه الكلام إلى من في الزمنة»، قال: «ولئن طالت بكم حياة لترون الرجل يخرج بملء كفه -أنا ما رأيت هذا، لكن لعلمي بوعد الله ورسوله- قال: ستجدون هذا، ولئن طالت بكم حياة لترون الرجل يخرج بملء كفه من ذهب أو فضة يريده أن يقبله أحد، فلا يجد أحدا يقبله منه». يقبله منه. فالشاهد إخواني في الله، فهذه الخصة الأخيرة من تعليقنا على أمر المبشرات، أنك يا عبد الله لا تستبعد ولا تستعظم ولا تطعن، فضلا أن تغمز في مثل هذه الآيات والأمارات التي أخبر عنها نبينا عليه الصلاة والسلام، بما يكون من الفتوحات والانتصارات لأهل الإسلام في هذه الزمان وفي غيرها من الأزمان. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.