الدرس في شرح كتاب التوحيد 21، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الحديث بأهمية الخوف من الشرك في تحقيق التوحيد، حيث يجب على الإنسان ألا يغتر بنفسه مهما كان صالحًا وتقيًا. يجب أن يكون للإنسان تعظيم التعلق بالله لأنه الهادي والموهب للهداية.
يجب على المسلم أن يتعرف على الشرك ليهرب منه، وأن يدعو الله أن يثبت قلبه على دينه. كما يجب أن يكون رجاؤه بالله مصحوبًا بعمل صالح لتحقيق الاستقامة.
يشرح المقطع أهمية معرفة الشرك وأحكامه لتحذير المسلم منه، ويبين أن الجهل بالشرك يؤدي إلى الوقوع فيه. يستدل بقول عمر بن الخطاب وشرح شيخ الإسلام لضرورة معرفة الجاهلية والشرك.
يتضمن المقطع دعاءً بأن ينفع الله المستمعين بما سمعوه ويجعلهم من أهل الهداية، ويختم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله تعالى: باب الخوف من الشرك. هذا تبويب جديد من أبواب كتاب التوحيد، مضى معنا ما يتعلق بالباب السابق: باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب، وعلمنا مؤدى ذلكم الباب أن من قام بالتوحيد حق قيام أدخله الله الجنة بغير حساب. وها هنا في هذا التبويب الجديد يقول المؤلف رحمه الله تعالى: باب الخوف من الشرك. وهذا الباب له تعلق بما قبله، وأن من تمام تحقيق التوحيد يا عبد الله أن تكون خائفًا من الوقوع في الشرك، يكون عندك خوف وعندك وجل من الشرك. وهكذا قل من سائر الضلالات والانحرافات وما يتعلق بباب الغوايات، فالإنسان يخاف من هذا الباب، وخاصة ما كان من خوفه من الشرك بالله. وهذا التبويب إخواني في الله يفيدنا عدة فوائد، من أولها وأهمها أولا أن الإنسان مهما كان صلاحه ومهما كان تقواه، فعليه أن لا يغتر على الله بما آتاه الله جل في علاه من نعمة الهداية أو التقى أو الصلاح أو التوحيد، إذ أن هذه نعمة من نعم الله، وهي كسائر النعم قابلة للسلب والرفع والأخذ والوضع، متى ما فعل العبد الأسباب الداعية لذلك. فكما أن الإنسان بالأمس كان غنيا ثم أصبح فقيرا، أو بالأمس كان صحيحا ثم ها هو اليوم أصبح عليلا مريضا، سلب الله عنه صحة نعمة الصحة والمال، فكذلك الهداية تسلب ممن أراد الله أن تسلب منه. فالخوف من الشرك إخواني في الله فيه هذه الفائدة أنك تخاف على نفسك من الشرك، تخاف على نفسك من الكفر، ولا تغتر بأنك الآن موحد، لأن التوحيد يا عبد الله هل أنت على ضمان أنه يستمر معك إلى دوام الحياة؟ الجواب: لا. ولهذا كان من شأن الصالحين مع ما كانوا عليه من تقى، كانوا يخافون على أنفسهم، كما قال ابن أبي مليكة رحمه الله كما في صحيح البخاري: «أدركت ثلاثين رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه». وهم من هم أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك لا زال هذا شغلهم الشاغل الخوف على أنفسهم من أن تسلب منهم نعمة الإيمان. بل ها هو عمر رضي الله تعالى عنه كان يأتي إلى حذيفة وهو أمين السر ووكاتم السر رسول الله عليه الصلاة والسلام، فكان عمر يأتي إلى حذيفة يقول له: «أنشدك الله هل ذكرني رسول الله من المنافقين؟» عمر وهو منه، ومع ذلك يستفسر: هل ذكرت عندك يا حذيفة من قبل رسول الله أنني من أهل النفاق؟ ولهذا إخواني في الله الإنسان لا يغتر على ربه، بل يخاف ويخشى أن تسلب منه هذه النعمة، فيكون على خوف ويكون على وجل. فإن من فوائد الخوف من الشرك أن يكون لك تعظيم التعلق بالله، لأن الله سبحانه وتعالى هو الهادي، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضل فلا تجد له وليا مرشدا. إذا أراد الله هدايتك لن تضل أبدا، فإذا علمت أن الله جل وعلا هو الموهب للهداية وهو الموهب لنعمة التوحيد، فتمسك بالله، كون يا عبد الله عظيم التعلق بالله. وهذا كان من شأن الصالحين، كان من دعائهم: «ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب». دعاء وتضرع والالتجاء إلى الله جل وعلا، لأن الهداية بيده. وهذا نبينا عليه الصلاة والسلام كان من أعظم دعائه: «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، يسأل ربه ويدعو ربه في تضرعه وفي سجوده وفي خلواته بأن الله جل وعلا يثبت القلوب. فإذا كان هذا من شأن الصالحين ومن شأن الأنبياء والمرسلين، فما ظنك بحالك يا عبد الله من الضعفاء والمساكين؟ فنبغي أن تلح على الله جل وعلا أن يثبت قلبك على دينه. ومن ذلك من خوفك من الشرك أن تدعو الله جل وعلا أن يميتك على الإسلام وأن يحييك على الإسلام وأن يبعثك على الإسلام. ومن فوائد هذا الباب أن يكون لك رجاء بالله، وقد مر معنا في دروس ماضية أن الرجاء الذي يكون من العبد لله لابد أن يكون مصحوبا بعمل، فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا. فإذا أنت كنت ترجو من الله جل وعلا أن يديم عليك نعمة التوحيد ونعمة الإسلام والإيمان، فعليك بالعمل الصالح، اعمل فلن يخيب الله سعيك، أقبل على الله. والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، من كان مع الله كان الله معه. وأما ما جاء في حديث سهل بن سعد عندما قال عليه الصلاة والسلام: «وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها»، قد يقول قائل: هذا مسكين، أليس مع الله؟ ألم يكن جعل وقته وعمره مع الله؟ لكن انظر كيف كان مآله. والجواب: لا، الحديث ليس هكذا، لأن هناك رواية توضح حقيقة هذا الرجل، قال عليه الصلاة والسلام: «وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَظْهَرُ لِلنَّاسِ»، أي هذا في ظاهره أنهم مع الله، لكن في حقيقة أمره لا، فيه دسيسة، فيه خبيئة، بل قل فيه خبيثة، ما كان صافياً مع ربه عز وجل، بل ربما أراد بعمله أشياء أخرى. فأظهر الله حقيقته في آخر وقته، فضح الله جل وعلا ما كان في قلبه. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يظهر للناس حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار لما كان في قلبه. لكن من كان مع الله صدقا وصدقا وحقا ظاهرا وباطنا، فالله معه. ولهذا إخواني في الله فإن من فوائد الخوف من الشرك أن يكون لك تعظيم التعلق بالله، وأن تدعو الله جل وعلا أن يسلمك من الشرك كله. وثالثا مما يستفاد من هذا الباب: أن تكون على عناية وعلم ومعرفة بأبواب الشرك، كيف تخاف من شيء وأنت لا تعرفه وأنت لا تعلمه؟ فمن تمام خوفك ومن تمام هروبك من شيء ما ينبغي أن تتعرف على حقيقته حتى تهرب منه وتتعامل معه بالمعاملة التي تليق به. فلابد من العلم، ولهذا يقول حذيفة رضي الله تعالى عنه كما جاء في الصحيح: «كان الناس يسألون رسول الله عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني». يسأله علم حذيفة كان يسأل رسول الله عن الشر عن الفتن ما هي؟ ما صفاتها؟ أوقاتها؟ أحيانها؟ يسأل عن الشر لماذا؟ قال: «مخافة أن يدركني». وكما قال الشاعر: «تعلمت الشر لا للشر ولكن لتوقيه، ومن لم يعرف الخير من الشر يقع فيه». فكان من تمام خوفك من الشرك يا عبد الله أن تسأل عنه، تعال ما هو الشرك؟ ما هو تعريفه؟ ظابطه؟ أقسامه؟ صوره؟ أحكامه؟ لأنك إذا ألمنت علما بباب الشر تعرف ما هي الأماكن الموصلة إليه فتحذر منه. لكن إذا كنت يا عبد الله على عماية بالشرك، تسمع عنه ولا تعرف ما هيته، لربما غدا تقع فيه وأنت ما تشعر به لأنك جاهل بأحكامه. ومن هنا قال عمر رضي الله تعالى عنه: «لتنقضن عور الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية». لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية، الذي ما عنده علم بالجاهلية، ما عنده علم بالشرك والكفر، ما عنده علم بهذه الأمور، فهنالك ماذا سيبتلى؟ بأن يقع فيه. ولهذا علق شيخ الإسلام رحمه الله تعالى على أثر عمر فقال رحمه الله: «ولهذا كان الصحابة أعظم إيمان وجهاد ممن بعدهم، لكمال معرفتهم بالخير والشر». لكمال معرفتهم بالخير فقط لا، والشر. فإذا كان عندك إلمام يا عبد الله بمعرفة الشر، الانحراف، أماكن الشهوات، أوضاع الشبهات، أماكن الشرك، صور الشرك، وغيرها من الشر، عندك إلمام تحذر. فكان هذا الباب يا عبد الله: الخوف من الشرك، مما يعينك يا عبد الله على أنك تزداد معرفة بهذا العدو حتى لا تقع فيه وأنت لا تدري به. وكذلك يا عبد الله مما يستفاد من قول المؤلف: باب الخوف من الشرك، أن الشرك موجود، وأن الشرك حاصل، وأن ناسا من الناس لربما هم عرضة لأن يقعوا في الشرك. وبهذا نعلم غلط طوائف من الناس ممن لربما ينادون على خلاف ذلك، فيقولون: أنه لا شرك، لا شرك، ويستدلون علينا بقول رسول الله عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب». نعم، الشيطان يئس لا يعبد الشيطان في جزيرة العرب، لكن قد تعبد الأوثان، قد تعبد الأصنام، كما عبدت الأشجار والأحجار والقبور والأضرحة والتوابت عبدت من دون الله. ولهذا من عجيب شأن هؤلاء الذي واحد منهم لربما يطوف حول قبر ويقول: ما في شرك، ولربما يسجد وينحن عند عتبة الضريح يقول: والله الحمد لله ما في شرك. ولربما الواحد يأتي بقطيع من الأغنام والعجول والأبقار ثم تنحر باسم الولي، ويقول: والحمد لله ما في شرك. كما قلنا في المسألة السابقة: عدم العلم، عدم العلم بالشرك يوديك يا عبد الله أن تقع في الشرك. فالشرك حاصل، وسأتي مع كلام المؤلف رحمه الله تعالى في أواخر هذه الرسالة ما يتعلق بالأدلة الدالة على أن الشرك حاصل: «لا تقوم الساعة حتى يلحق فئام من أمة بالمشركين، حتى يلحق فئام حتى يعبد فئام من أمة الأصنام». ونحن لا نذهب بعيدا في هذا القرن العشرين مع الحداثة والعلمنة، ومع كثرة الانغماس وفتح القنوات مع العالم الخارجي بعجره وبجره، مع كفره وإلحاده وزندقته، رأينا من أظهر الإلحاد، من أظهر الكفر، من تبرأ من الإسلام. فالكفر حاصل والشرك حاصل، فقول المؤلف رحمه الله: باب الخوف من الشرك، إشارة إلى أن الشرك موجود، وأن الإنسان يخاف منه. هذا إخوانا في الله فوائد مستفادة من هذا التبويب. فقول المؤلف رحمه الله تعالى: باب الخوف من الشرك، فيه أن الإنسان لا يضمن لنفسه الصلاح والتوحيد دائما وأبدا، وفيه أن الإنسان يكون عظيم التعلق بالله لأن الله هو الموهب لنعمة الهداية. وثالثا في هذا الباب الإشارة إلى مزيد العناية بمعرفة الشرك وأحكامه، وأن تكون على معرفة فيه حتى لا تقع فيه. كذلك في هذا الباب يا عبد الله ماذا؟ الإشارة إلى حصول الشرك في هذه الأمة المحمدية. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.