شرح كتاب التوحيد 38

شرح كتاب التوحيد 38

الدرس في شرح كتاب التوحيد 38، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفسير آية اتخذ من دون الله أندادا ومفهوم الأنداد

المؤلف يفسر آية من سورة البقرة ويشرح معنى الأنداد وأن المشركين كانوا يعتقدون في الله الربوبية ويتخذون شفعاء. المشركون كانوا يعتقدون في الله لكنهم أشركوا معه آخرين في العبادة.

فلسفة العرب في عبادة الأصنام والأوثان وعلاقتها بالتوحيد

العرب اعتقدوا بأرواح الصالحين واستخدموا الأصنام كوسيلة للتواصل معهم، وهذا أدى إلى انتشار عبادة القبور. القرآن بين أن المشركين كانوا يحبون الله ولكن محبتهم كانت مشتركة مع الأنداد.

توحيد العبادة وتحقيق محبة الله وحده

المقطع يشرح مفهوم التوحيد ومحبة الله، ويبين أن الكفار أحبوا الله ولكنهم أشركوا معه آخرين، بينما المؤمنون يحبون الله وحده. هذا يوضح الفرق بين محبة الله عند المؤمنين والمشركين.

خاتمة الدرس والدعاء والصلاة على النبي

المقطع يتضمن دعاء بأن ينفع الله بما قيل ويؤكد على قدرة الله ويختم بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه. هذا يدل على أهمية الدعاء والصلاة على النبي في ختام الدرس.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا في كتاب التوحيد في باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله. فالمؤلف رحمه الله تعالى يذكر من نصوص القرآن ما يدل على معنى لا إله إلا الله، وأن العبادات والطاعات لا تصرف إلا لله جل في علاه. قال رحمه الله تعالى: «وقوله تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية في بيان تفسير التوحيد. فننظر أولًا إلى تفسير الآية حتى نعلم ما المراد من ذكرها وإيرادها في هذا الباب. قوله سبحانه وتعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾، «من» هنا تبعيضية في بيان أحوال الناس وكيف هم في تديينهم، فمنهم من يتخذ مع الله الشركاء والأنداد والنظراء، ومنهم من هو ملحد لا يؤمن بالله جل في علاه ولا يعتقد بوجود آلهة لهذا الكون. قال سبحانه: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾. وقد مر معنى أن هذه العبارة إذا جاء وردها في الكتاب والسنة «من دون الله» فإنها تحمل «من دون الله» إما بمعنى «غير» أو بمعنى «مع»، فـ«من الناس من يتخذ من دون الله» أي «ومن الناس من يتخذ مع الله» أو «ومن الناس من يتخذ من غير الله»، فهذا أو ذاك، فتفسر «دون الله» إما بمعنى «مع» أو بمعنى «غير». فهؤلاء اتخذوا من دون الله ماذا؟ «أندادا»، الأنداد جمع «ند»، والند هو النظير والمثيل. وينبغي أن نعلم إخواني في الله مسألة مهمة متعلقة في مسألة الندية، وهو أن الكفار على كافة مشاربهم من المشركين لا يعتقدون أن شيئًا يماثل الله جل فعلًا، لا أحد يماثل الله سبحانه وتعالى، فيرون أن الله عز وجل هو الخالق وهو الرازق وهو المحيي وهو المميت، وهذا بنص القرآن. وكذلك من نظر إلى أقوال من ترجم للعرب القدماء يعلم هذا علم اليقين، أن هذا من اعتقاد الكفار أنهم كانوا يعتقدون في الله الربوبية، كونه يخلق يرزق يحيي يميت جل فعلًا، هذا كان في صميم اعتقاد الكفار، إلا أنهم اتخذوا من دون الله شفعاء، وظيفة الشفعاء أن هؤلاء هم الذين يوصلونهم إلى الله، وقالوا: «هؤلاء شفعاؤنا من دون الله يقربونهم إلى الله عز وجل». أين الندية إذا لم تكن الندية في مقام الخلق ولا الرزق ولا الإحياء ولا الإماتة؟ لأن الند بمعنى النظير والمثيل، فإذا كان الكفار لا يعتقدون أن هناك أحدًا نظيرًا لله أو مثيلًا لله، فكيف يذكر ربنا جل وعلا أنهم اتخذوا أندادًا؟ الأنداد يا عبد الله، والندية تأتي في باب العبودية، أي أنهم اتخذوا من دون الله أوثانًا أصنامًا أحجارًا، هؤلاء تصرف لهم الطاعات والعبادات كما تصرف لله، فهنا كانت الندية. فعليك يا عبد الله أن تفهم هذه المسألة، وعليك أن تفهم هذه الحيثية. ومسألة أخرى كذلك نشير إليها إشارة، عندما نذكر أن العرب كانوا يعبدون الأحجار والأصنام، هل تعتقد أن العربي وهو عاقل بكامل قواه العقلية يأتي إلى خشبة فينحتتها بيده أو يأتي إلى صخرة يعجب بها فيجعلها هي التي تعبد؟ هل يتصور هذا؟ وما يتصور هذا؟ وهل العرب مجانين لهذه الدرجة أنه يصنع شيئًا أي شيء أمامه يعبده هكذا؟ لا، الأمر ليس كذلك. وقد أشار العلماء كالشهرستاني وغير واحد أن الفلسفة التي كان العرب يعتقدونها، العرب كانوا يعتقدون بأرواح الصالحين، العرب يعتقدون بأرواح الصالحين ممن هم من ملأ الأعلى أو ممن هم من أهل الأرض، من ملأ الأعلى بالملائكة، منه من يعتقد بالملائكة أرواح صالحة، ومنه من يعتقد بالأنبياء والرسل وأهل الطاعة والعبادة. فهم عندما يريدون أن يتوجهوا إلى هؤلاء وهؤلاء هم الشفعاء حقيقة، كيف يكون التوجه إليهم؟ لابد أن يكون التوجه إليهم إلى شيء محسوس، فكانت الوسيلة أو قل الصلة بين العابد وبين معبوده وهي الأرواح الصالحة هذه الأصنام والأوثان. فعندما يأتي العربي الجاهلي الوثني عندما يأتي للصنم والوثن، فإنما هو يتخيل في مخيلته عندما ينادي هذا الصنم أنه يستحضر الروح روح هذا الصالح، فعندما يخاطب هذه الروح الذي يرى أنها قد تجسدت في هذا الكيان الذي بناه، فهو لابد أنه يستحضر الروح فيستحضرها بشيء يبقى هكذا سبهلل، لا يدري أين يهتف أين ينادي أين يتوجه بهذه الروح بالنداء والاستغاثة بالتقرب والطلب والشفاعة، لا يدري أين يذهب يمنى يسرى فوق أعلى دون أسفل. لا يقتصر هذا بأن يكون له هذا الجهاز التواصل بينه وبين الأرواح التي يريدها، فهذا يتخذ صنمًا، وهذا يتخذ حجرًا، وهذا يتخذ قبرًا، حتى عباد القبور هناك ما يسمى بمشهد، هذا المشهد موجود عند بعض القرى الذين ما استطاعوا أن يظفروا بولي صالح في بلادهم، ما عندهم قبر الصالح بعيد في منأى عنهم، فجاءت فكرة هذا التصور وهو بناء مشهد، هو تراب يعلمون هذا تراب تراب يبنى ثم يجعل على شكل قبر يسمونه مشهد، هذا مشهد مشهد للضريح الفلاني. لماذا جئتم به هنا؟ لماذا هذه التمثيلية التي ليس عندي قبر أصالة؟ قالوا: «هذا للاستحضار». هذه المسألة إخواني في الله قديمًا وحديثًا قد وجدت، وجدت عند من تعبد لغير الله، لابد أن يستحضر المعبود أمامه بأي صورة بأي هيئة بأي شيء. حتى أصحابه الذين يتبركون حتى ترون من ذهب إلى مناسك الحج وغير ذلك، تجد أن من أولئك الضلال من يحرص على آخر شيء، إما تراب يأخذ قطعًا من أستار الكعبة، لماذا؟ يأخذها إلى هنالك إلى دياره حتى يبقيها أمام ناظريه ويستحضر. فالاستحضار هذه الفكرة إخواني ينبغي أن نفهمها، لأن من خلالها ستفهم الشرك الذي وقع عند العرب. فالعرب عندما ينحت صنمًا وثنًا يتخذه، والآن هذه الآية تنص «يحبونهم»، يحب حجرًا يحب صخرة أو خشبة، من هذا الذي يحب جمادات؟ ما أحد يحب جمادات. العربي كيف يحب جمادًا؟ لا، انتبه العربي يحب الجماد لا لأنه جماد، لا، الروح يحب الروح التي تجسدت في هذا الجماد. طبعًا هذه فلسفة باطلة قامت على بطلان، وهذا من وحي الشيطان، لكن ينبغي أن نفهم إخواني في الحقيقة الشرك الذي وقع عند العرب. فربنا سبحانه وتعالى أخبر أن هؤلاء الثلة من المشركين ماذا صنعوا؟ قال سبحانه: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا﴾، وهو النظير والمثيل، والندية ليست في الخلق ولا في الرزق ولا في الإحياء، وإنما الندية في صرف الطاعات والعبادات، لأنهم اتخذوها شفعاء من دون الله. قال: ﴿يحبونهم كحب الله﴾، كحب الله، هذه الآية دلت إخواني في الله على فائدة عظيمة ألا وهي على أن الكفار كانت عندهم محبة لله، كانت عندهم محبة بنص القرآن، ﴿يحبونهم كحب الله﴾، أي أنهم توجهوا إلى الله جل وعلا بالمحبة، لكن ما هي المشكلة؟ المشكلة أن هذه المحبة زاحمتها محبة أخرى وهي محبة الأنداد. فالكافر محبته مشتركة، فهو يحب الله كمحبته لأنداده ونظرائه وأصنامه، فالمحبة مشتركة إلى هذه الجهة وإلى هذه الجهة، هل هذا نفعهم؟ الجواب: لا، ما نفعهم، لماذا؟ لأنهم وقعوا في الشرك. وأين الشرك الذي وقعوا فيه؟ وهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى من إيراده لهذه الآية أن يبين لك ما معنى العبودية، ما معنى التوحيد، ما معنى لا إله إلا الله، بأن الله وحده هو الذي يستحق أن يعبد، فإن زاحم أحد كائنًا من كان الله جل وعلا في طاعاته فهو مشرك. مثال هذه الآية الكافر يحب ربه بنص القرآن، ليس هذا من كلامي، ﴿يحبونهم كحب الله﴾، لكن لما كانت هذه المحبة فيها مزاحمة، فالكافر يقول: «أنا أحبك يا رب وأحب الأنداد والأصنام»، هنا الشراكة، فما أخلص العبادة لله وإنما جعلها متنازعة بين الأطراف، ولهذا كان أمرهم أنهم من أهل الشرك ومن أهل الكفر. وهذا الذي أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يوصله، أن يتوصل إليه، إلى أنه من عبد الله وجعل مع الله ندًا في هذه العبادة فإنهم مشرك، لأن تحقيق التوحيد يا عبد الله أنه لا معبود حق إلا الله سبحانه، فمن جعل شريكًا مع الله يصرف له الطاعات والعبادات فقد أشرك. فإذا وجد أن أحدًا كان المن كان يحب أحدًا كمحبته لله فقد كفر، ومن يصلي لله ويصلي لغير الله فقد كفر، ومن يدعو ربه ويدعو غير الله فقد كفر، ومن خاف ومن رجى ومن خضع ومن خشع ومن رهب ورغب لله ولغير الله فقد وقع في الشرك، كل من زاحم الله في باب العبودية فقد وقع في الكفر والشرك. ثم في تتمة الآية قال ربنا عز وجل: ﴿والذين آمنوا أشد حباً لله﴾، أهل الإيمان محبتهم أعظم من محبة الكافر، ﴿والذين آمنوا أشد حباً لله﴾، لماذا أشد حبًا؟ الكافر يحب ربه والمؤمن يحب ربه، لكن محبة المؤمن أعظم، لماذا؟ لأن المؤمن محبته لله واحدة ما تنازعها أحد، وما تقسمتها الأطراف، بخلاف الكافر فإن المحبة قد نوزعت، جزء من محبته لقلبه لله، ومنها للات، ومنها للعزة، ومنها لهبل، ومنها لمناة وهكذا، قس باقي الأصنام والأوثان، الله أعلم بعددها في قلب هذا المحب. فلما كانت المحبة قد قسمت بين الأطراف ومنها قسم ذهب إلى الله ضعفت المحبة، لكن لما كان المؤمن محبته خالصة لله فكانت المحبة أعظم وأشد، ﴿والذين آمنوا أشد حباً لله﴾ جل في علاه. فشاهد إخواني في الله من إراد المؤلف لهذه الآية في بياني على أن التوحيد الذي ينبغي أن يكون لله وبه تفسر لا إله إلا الله بأنه لا معبود إلا الله، فلا يعبد سواه، ومن جعل مع الله مشاركًا ومزاحمًا في شيء من أنواع العبودية فقد كفر، كهذه الآية التي تحكي على أن الكفار كانوا يجعلون مع الله سبحانه وتعالى شركًا. ولهذا قال ربنا عز وجل مبينًا أحوال الكفار وهم في النار وهم يتندمون على ما كان من أمرهم: ﴿قالوا تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين﴾، فالكافر اعترف على أنه جعل الأنداد مساوية لله، السؤال: مساوية في ماذا؟ المساواة هنا في العبادة والطاعة، محبة لله ومحبة بالمثل لغير الله. وأما الكاء المؤمن إخواني في الله فهو وإن أحب شيئًا فإن محبته لا تخرج عن محبة الله، فهو إن أحب شيئًا فإنما يحبه لأجل الله ويحبه في الله سبحانه وتعالى، فلا يحب أحدًا مع الله، انتبه المؤمن إن أحب شيئًا فإنما محبته اتباع لمحبة الله، فهو يحب لله وفي الله ولأجل الله، وما أحب أحدًا قط مع الله، لأن من أحب أحدًا مع الله قد اتخذه شريكًا واتخذه ندًا، وأهل الإيمان ما يتخذون أندادًا وشركاء مع الله جل فعلًا. هذا الذي يذكر في هذا المقام، فأسأل المولى جل فعلًا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.