شرح كتاب التوحيد 131

شرح كتاب التوحيد 131

الدرس في شرح كتاب التوحيد 131، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تعريف السحر وبيان معناه اللغوي والاصطلاحي

يُعرَّف السحر في اللغة بأنه ما خفي ولطف سببه، وفي الاصطلاح بأنه عزائم ورقى وعقد تؤثر في القلوب والأبدان. يُبيّن أيضًا علاقة السحر بالكفر وتأثيره على الأمة الإسلامية.

حقيقة السحر وتأثيره على المسحور

يناقش حقيقة السحر وتأثيره مستدلًا من القرآن والسنة، ويبين أن السحر حقيقي وله تأثير على المسحور. كما يشير إلى أن أكثر من يمتهن السحر هن النساء.

أدلة إثبات حقيقة السحر وتأثيره من القرآن والسنة والإجماع

يستدل على حقيقة السحر من قصة سحر النبي صلى الله عليه وسلم، وإجماع الصحابة، وشهادات واقعية. السحر له تأثير حقيقي مثبت في القرآن والسنة والإجماع.

ختام الدرس وتأجيل تفاصيل مسائل السحر إلى الدرس القادم

يختتم الدرس مؤقتًا ليستأنف في الغد الحديث عن مسائل السحر وحكم الساحر. يشير إلى أن هذا الموضوع سيتم تناوله في الدرس التالي بإذن الله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب ما جاء في السحر. هذا استئناف، إخواني في الله، للدروس التي خلت في شرحنا لرسالة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، في كتابه المسمى بكتاب التوحيد. وها نحن الآن في هذا الباب من أبوابه، التي عنونها بقوله: باب ما جاء في السحر، أي هذا مدخل إلى معرفة حكم الشرع في الكتاب والسنة في مسائل السحر. وهنا مسألة، إخواني في الله، ما علاقة السحر بكتاب التوحيد؟ المؤلف رحمه الله تعالى إنما أدرج مبحث السحر في هذا الكتاب لأن السحر، كما سيأتي معنا، نوع من أنواع الكفر، نوع من أنواع الكفر، فهو يضاد التوحيد. وقد مر معنا تكرارًا ومرارًا أن الشيء إنما يعرف بماهيته، أو يعرف بأضاده، فالتوحيد يعرف بماهيته، بأركانه وخواصه، ويعرف كذلك بأضاده. فالسحر نوع من أنواع الكفر، وفي هذا الباب كذلك، وفي هذا التضييق، باب ما جاء في السحر، سنعلم الرد على من أنكر من إيقاع الكفر في الأمة، كحال بعض الناس ممن يرى أن الكفر لا سبيل لهم في الأمة الإسلامية، وهذا جهل عظيم. فها هو السحر من أنواع الكفر، وقد دب واستشرى، كما سيأتي معنا، فالقول بالسحر هو القول بأن الكفر يقع في الأمة. فقال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في السحر. السحر في اللغة عبارة عما خفي ولطف سببه، عبارة عما خفي ولطف سببه. هذا في اللغة يطلق السحر على هذا المعنى، على الأشياء الخفية. ولهذا يقال في آخر الليل سحر، ويقال في الأكلة التي يأكلها الصائم في جنح الظلام سحور. فتجد أن مادة السين والحاء والراء تدل على الخفاء، ومنه السحر سمي بذلك في اللغة لأنه خفي ولطف سببه. أما في اصطلاح العلماء، فمن باب الفائدة، قد أشار إلى ذلك الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى في أضواء البيان، أن السحر ما قد تجد ما قد تجد، يا عبد الله، له تعريفا جامعا شاملا له. لماذا؟ ما نجد تعريفا شافيا كافيا جامعا مانعا للسحر؟ قال العلماء: لكثرة أصنافه، ولكثرة صوره وأقسامه. فمن الصعوبة بمكان أن تأتي بتعريف وتقول: السحر كله داخل في هذا التعريف. هذا أشار إليه الشنقيطي رحمه الله. إلا أن العلماء مما استحسنوه من تعريف السحر ما ذكره الإمام أبو محمد المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه الكافي، قال: السحر هو عزائم ورقى وعقد تؤثر في القلوب والأبدان. هذا يعتبر من أفضل التعريف المعمول بها، السحر عبارة عن عزائم ورقى وعقد تؤثر في القلوب والأبدان. هذا هو السحر، أن يلجأ السحر إلى عزائم وتعاويذ، وإلى رقى كلمات، وإلى عقد ربط، ويرجو منها - والعياذ بالله - أن يؤثر في المسحور، إما أن يؤثر في قلبه أو في بدنه. يؤثر في قلبه أو في بدنه، هذه مجالات السحر. وهل يستطيع السحر، إخواني في الله، أن يقلب المادة إلى مادة أخرى؟ الجواب: لا، هذا ليس بمقدور الساحر. كما نجد أن الإعلام يروج لهذا، كما في بعض الأفكار، على أن الساحر قد يأتي إلى أمر ما ويحوله، مثل يأتي إلى آدم ويحوله إلى أرنب، هل هذا يمكن؟ لا، ما يمكن هذا، هذا ليس بمقدور الساحر أبدا، ولا يستطيع على ذلك. وإنما الساحر يؤثر، يؤثر في القلوب والأبدان، يصيبها بالمرض والوهن والتشويش. نعم، يقع هذا، كما سيأتي معنا. تأتي مسألة، إخواني في الله، وهي من المسائل المهمة: هل السحر له حقيقة أم خيال؟ ذهب جماعة من أهل العلم، كما ذكر هذا عن ابن حزم، ومشهور عن أبي حنيفة رحمه الله، إلى أن السحر خيال وليس له حقيقة. وهذا القول كذلك يقول به المعتزلة. والصحيح في هذا الباب، الذي عليه جماهير العلماء، إلى أن السحر حقيقي، له حقيقة، وله تأثير واقعي على قلبي وبدني المسحور. ومما يستدل به، إخواني في الله، على أن للسحر حقيقة، ما جاء أولا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد﴾. فربنا جل وعلا أمر بالاستعاذة من شر الحساد، وذلك لوجودهم والوجود أثرهم. وكذلك أمر الله عز وجل بالاستعاذة من السحرة، ومن شر النفاثات في العقد، ودل ذلك على أن لهم وجود، وأن تأثيرهم حقيقي، وأن الله سبحانه وتعالى أمرنا بأن نلجأ إليه لكي نتحصل من شرورهم. فأمرنا ربنا أن نستعيذ به، أي نلتجي إليه لكي نستعيذ من شرورهم. فقال: ﴿ومن شر النفاثات في العقد﴾. وفي هذه الآية فائدة: ﴿ومن شر النفاثات﴾ وهن السواحر، فدل ذلك على أن أكثر من يتعاطى السحر هم الإناث، النساء، هذا يكثر فيهن. السحر قد لا نجده في هذا المجتمع، لكن في غيرنا من المجتمعات شرقا وغربا، تجد أن أكثر من يمتهن مهنة السحر النساء. ولهذا جاءت الآية على الأغلبية: ﴿ومن شر النفاثات﴾ أي الساحرات. وفي هذه الآية فائدة أخرى كذلكم، على أن من أكثر طرق السحر ما يكون عن طريق النفث، عن طريق النفث. النفث لهذا قال ربنا: ﴿ومن شر النفاثات﴾ أي أنها تخرج شيء من ريقها. وهذا من أعظم السحر، لماذا؟ لأن السحر، إخواني في الله، هو انتقال ما في نفس الساحر الخبيثة إلى المسحور عن طريق الريق. يخرج شيء من جسده، وطبعا جسده ما بلغ السحر إلى هذا الساحر إلى مبلغ السحر إلا وقد كثر شره وكثر خبثه، فأصبح قلبه وجسده مليئا بالشر. فحتى يخرج أثر السحر إلى الخارج، يأتي بالنفس فينفث. فاستعاذ ربنا جل وعلا من هذه الطريقة: ﴿ومن شر النفاثات في العقد﴾. الشاهد أن هذه الآية الأولى من الآيات التي استدل بها أهل السنة على أن للسحر حقيقة. وأيضا مما يستدل به على أن السحر حقيقي ما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أن النبي سحر، كما جاء ذلك مصرحا به في صحيح البخاري، حتى أنه كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما قد فعله. هذا من أثر السحر عليه صلى الله عليه وسلم، أنه يتخيل أنه قد فعل شيء وما قد فعله، هذا من عظيم السحر الذي أصاب نبينا عليه الصلاة والسلام. والذي سحر نبينا رجلا يهودي يقال عنه لبيد بن الأعصم، رجل يهودي سحر النبي بمشط ومشاطة، أي استطاع أن يتناول شيء من شعر رسول الله. وهكذا الساحر، الساحر إذا أراد أن يسحر أحدا، حرص على أن يتناول شيء من جسده أو ما يلامس بدنه حتى يكتمل السحر. فاستطاع هذا اليهودي بطريقة ما أن يتحصل على بعض شعيرات رسول الله عليه الصلاة والسلام، فجعلها في مشاطة، ثم نفث فيها وسحر من خلالها نبينا عليه الصلاة والسلام. إلا أن هذا السحر، كما قال العلماء، لم يؤثر على عقله ولم يؤثر على روحه عليه الصلاة والسلام. فهذا الحديث مما استدل به العلماء على أن السحر له حقيقة. ومن باب الفائدة أيضا من هذه القصة نعلم على أن من أكثر من يمتهن مهنة السحر اليهود، وهذا على مستوى العالم، طبعا على مستوى العالم هناك سحرة، سحرة يتنافسون في مضمار السحر - بين قوسين - في مضمار الكفر. فنجد أن من أشد الناس سحرا وتأثيرا على مستوى العالم هم اليهود، هذه مهنتهم منذ القدم، منذ الأزل. وها هو نبينا، السحرة على أيديهم عليه الصلاة والسلام، إلا أن الله حمى عقله وحمى روحه، فما ظهر ذلك في وحيه ولا في رسالته ولا في تبليغه عليه الصلاة والسلام. وأيضا ثالثا مما يستدل به على حقيقة السحر ما ذكره العلماء من الإجماع، من الإجماع، كما نقل ذلك جماع من أهل العلم، كالقرافي وغير واحد، على أن السحرة كان معلوما عند الصحابة، أن السحرة كان معلوما عند الصحابة، وكانوا كالمجمعين على أن له حقيقة، على أن له حقيقة. إذن في الكتاب الآية، والسنة فعلا الرسول ما وقع فيه، وإجماع الصحابة، كل ذلك دل على أن حقيقة السحر. وأيضا كما قال ذلكم مما يستدل على وجود السحر ما ذكره ابن قتيبة رحمه الله تعالى في تأويل مختلف الحديث، مما يدلل به على أن السحر له حقيقة وتأثير. قال الواقع، الواقع، فذكر وذكر رحمه الله تعالى أنه من نظر إلى أحوال الناس في شرق الدنيا وفي غربها، وفي أي جهة من جهات هذه الأنحاء، لوجدت القصص الكثيرة التي تدل على أن للسحر حقيقة. وكم من أحد لو ربما ابتلي هذا في نفسه أو في أهله أو في غيره، أو ما عنده من الأخبار والوقاع ما يدلل به على صحة السحر. كم من إنسان بالأمس كان على خير حال، بكامل عقله وصحته ورجحان فهمه، ثم بين عشية وضحاها يسلب هذا كله، يسلب هذا كله، يبقى بلا عقل كالمجنون، أو يبقى كالسفيه يرتمي في الشوارع والطرقات، أو يكون كذلك مريضا عليلا، مهما جئت له بالعلاجات ما يكاد ينجو حتى يصاب بالموت. هذه وقائع، وكله يجد أن أثر ذلك من تتبع إلى هذه الحالة يجد أن أولها كان من أثر السحر. فالحاصل، إخواني في الله، فالسحر له حقيقة. ولكنه مسألة متعلقة بالسحر، ما يتعلق بحكم السحر والساحر ومسائل السحر، تترك إن شاء الله في درس غد. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.